تسمية الابن من المسائل المهمة في حياة كل زوجين، وربما يخططان لها منذ فترة الخطوبة، وفي حالات تتدخل العائلة في الأمر أو يستأثر الأب بحق التسمية من دون مشاورة أحد ولسنوات طويلة حافظت المجتمعات الخليجية على أسماء متوارثة قبل أن يتسبب الانفتاح الكبير على العالم في ظهور أسماء جديدة قد لا يقبلها البعض. والمشكلة التي تصادف البعض أن آباءهم اختاروا لهم أسماء تجر عليهم السخرية أو الخجل مما يضطرهم لتغييرها، ودافع الآباء إلى ذلك هو الرغبة في تخليد ذكرى الأجداد. هل هناك أسماء يجب تغييرها إذا حملها بعضنا؟ ومن الأحق بتسمية الابن؟ وهل يضع الإسلام محددات للتسمية؟ في هذا التحقيق نعرف الإجابات.

يقول محمد البناي: الموضة لا تنحصر فقط في أن تشتري وتقود سيارة حديثة الطراز، بل طالت أسماء أبنائنا التي ينبغي أن تكون على الموضة وتناسب العصر، وأعتقد أن ثقافة الخليج بدأت بثقافات أخرى دخيلة على المنطقة أثرت حتى في الأسماء، ففي الماضي الأسماء كانت جميلة ولها هيبتها وتميز أهل الخليج عن غيرهم وتعبر عن ثقافة المنطقة وتقاليدها، أما الآن فالوضع تغير وأصبحت الأسماء خفيفة وغربية بسبب الانفتاح والاتصال بشعوب العالم وبسبب الزواج المختلط أيضاً.

خليل الحوسني موظف يعتقد أن قرار اختيار الاسم يعود للأب الذي قد يتشاور مع زوجته أحياناً، وأحياناً أخرى لا يفعل، مشيراً إلى أن أغلب الآباء يرغبون في تسمية أحد أبنائهم سواء كان ذكراً أو أنثى باسم الجد أو الجدة لإثبات حبه لهما.

ويستطرد: أعرف أناساً لا ينادون بأسمائهم عملياً إلا في المعاملات الرسمية، أما في حياتهم العادية ومع زملائهم فيحملون أسماء أخرى عصرية تتماشى والأسماء العصرية الدارجة في وقتنا الحالي.

إبراهيم محمد السعيد موظف يقول: أغلب مجتمعنا مازال يتمسك بالتسمية بأسماء الأجداد وفاء لهم وإحياء لأسماء قديمة خصوصاً في ظل وجود الأسماء الجديدة، وحرصت على تسمية ابني البكر باسم الوالد تكريماً له، وابني الآخر على اسم صديقي بسبب معزته الكثيرة.

ويرى أن مسؤولية تسمية الأبناء تقع على الوالدين بالتعاون ورضا كل منهما، مشيراً إلى أهمية اختيار الاسم المناسب للعصر والمجتمع الذي يعيش فيه الولد والابتعاد عن كل ما يؤدي إلى تعقيده وإهانته بين زملائه.

ويشير عبدالله أحمد سالم موظف إلى أن الاسم رمز للإنسان ودليل على شخصيته وسيحمله طيلة حياته، لذا حرص على التفكر جيداً قبل تسمية أبنائه.

ويقول: ابنتي البكر أسمتها والدتها ووجدت الاسم ملائماً فوافقت عليه، وليس من الواجب اطلاق أسماء لم تعد ملائمة لأبنائنا تيمناً بالجد أو الجدة لما قد يكون لذلك من آثار سلبية في تكوينهم النفسي.

ويستطرد: للاسم تأثيرات نفسية واجتماعية، فإذا كان حسناً ملائماً للوضع الاجتماعي الذي يعيش فيه الإنسان فلا يجب تبديله، أما إن كان سيئاً أو مخالفاً للعرف أو قد يسبب الحرج لصاحبه فمن الجيد تبديله باسم يتناسب مع طبيعة الشخص وحياته الجديدة ومكانته الاجتماعية، وأرى أن ظاهرة تغيير الأسماء ايجابية حيث توجد الكثير من الأسماء التي لا تناسب الذوق العام.

ويرى بدر الحمادي موظف أن كثيراً من الآباء والأمهات لا يدركون مدى أهمية الاسم وخطورة الآثار الناشئة عن الاختيار غير السليم للأسماء، مشيراً إلى أن كثيراً من الآباء يصرون على أن يحمل أبناؤهم أسماء الأجداد كنوع من الولاء لهم ووسيلة للتعبير عن حبهم وكأن الحب مرتبط بالأسماء، وفئة أخرى من الآباء يصرون على تسمية أبنائهم بأسماء غير مألوفة ولا تناسب مجتمعنا متناسين حق هذا الطفل في اسم يعبر عن ذاته ويكون واجهته أمام زملائه وفي عمله مستقبلاً.

وتلفت وداد العبدالله موظفة إلى أن أغلب الأسر في المجتمع تتفق على أن يسمي الأب الذكر والأم تسمي الأنثى، مشيرة إلى أن زوجها أصر على تسمية ابنها باسم والده الذي يبدو غريباً وقديماً نوعاً ما مما يعرضه للسخرية في المدرسة.

وتعتقد وداد أن بعض الأسماء القديمة تصلح لأي زمان وتتوافق مع جميع الأذواق فلا مانع من تسمية الأبناء بها، ولكن البعض منها يخالف الذوق العام وقد ينال أصحابها السخرية فيجب تجنبها.

وترى هند راشد موظفة أن على الأب ألا ينطلق في تسمية ابنه من مزاجه من دون أن يستشير زوجته. وتقول: الآن قد نجد قلة ممن يحملون أسماء قديمة وذلك ربما يكون جبراً لخواطر الأجداد ولكن الضحية هم الأبناء إذا كانت الأسماء غير مستحبة حيث توجد بعض الأسماء القديمة أو غير المستحبة في القرى والبادية مازالت متداولة بين الناس.

وتقول مريم علي ربة بيت: مسألة الأسماء من المسائل المهمة في حياة الناس، إذ إن الاسم عنوان المسمى ودليل عليه وضرورة للتفاهم معه، مشيرة إلى أن العادة جرت قديماً أن يسمى الأطفال بأسماء أجدادهم وجداتهم اما اعترافاً بفضلهم أو من أجل أن تظل ذكراهم موجودة، ولكن الوضع اختلف في وقتنا الحاضر حيث تسعى أغلب الأسر خلف الأسماء الخفيفة وسهلة النطق أو الغريبة وغير المألوفة حتى لو حملت معاني غير جيدة زعماً منهم أن ذلك من مقتضيات التطور.

ويشير الدكتور عبدالعزيز أحمد أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة الإمارات إلى أن كل طبقة من الناس تسمي مولودها باسم يناسبها ويناسب مجتمعها وثقافتها، إذ إن السمات الثقافية التي تحملها المدينة تختلف عنها في القرية. ويقول: اختيار الاسم المناسب للأبناء ليس مهمة سهلة، فكثيراً ما يواجه الأب والأم ضغوطاً من الآخرين خاصة في العائلة الممتدة حيث يحدث صراع على تسمية الأبناء من خلال مطالبة الجدة أو الجد باستمرارية اسمه، وهكذا يجد الأب والأم الأسرة والنواة نفسيهما في نزاع داخلي بين رغبتهما في إرضاء والديهما واختيار اسم على ذوقهما لابنهما. ويرى وجوب مراعاة مصلحة المسمى بالاسم أولاً قبل أي مصلحة أخرى وألا يختاروا له اسماء ارضاء لطرف على حساب الآخر لأنه سيكون لصيقاً بذاته.

ويضيف: إذا كانت الأسماء جيدة ومألوفة سوف تترك أثراً ايجابياً على الأبناء، ولكن ان حمل الابن اسماً سيئاً وكان غير مقبول اجتماعياً سوف يكون في موقع سخرية من زملائه تؤثر في الصحة النفسية وتولد عنده الانطواء والقلق الدائم.

وحول ظاهرة تغيير الأسماء يقول: سعي الشخص إلى تغيير اسمه ربما بسبب الحاجة النفسية إلى الاندماج في المجتمع، فالشخص سواء أكان رجلاً أم امرأة يعيش في مجتمعه وفق وعي ثقافي ولكن عندما يبدأ بالخروج يتعرض إلى عوامل التغيير التي تجعله يتعرف إلى ثقافة جديدة فيسعى بدوره إلى التأقلم مع الثقافة الجديدة.

ويقول عزيز بن فرحان العنزي مدير مركز الدعوة والارشاد بدبي إن الشريعة الإسلامية اعتنت بتسمية الأبناء عناية كبيرة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يغير الأسماء القبيحة ويثبت الحسنة، ويدعو الناس إلى أن ينتقوا لأولادهم أطيب الأسماء وأحسنها، إذ إن الاسم عنوان المسمى ودليل عليه، فالإنسان يدعى باسمه في الدنيا والآخرة.

والأصل في الأسماء، كما يقول العنزي، الاباحة، غير أن هناك بعض المحاذير الشرعية التي ينبغي اجتنابها عند اختيار الأسماء منها: التعبيد لغير الله عز وجل سواء لنبي مرسل أو ملك مقرب، فلا يجوز التعبيد لغير الله عز وجل مطلقاً، كعبدالكعبة أو عبدالنبي، والتسمية باسم من أسماء الله تبارك وتعالى، التي اختص بها نفسه سبحانه، كأن يسمي الخالق أو الرازق أو الرب أو الرحمن ونحوها مما اختص بها الله عز وجل، إضافة إلى التسمي بأسماء الكفار الخاصة بهم الدالة عليهم دون غيرهم.

ويؤكد أن هناك أسماء يكره التسمية بها مجرد كراهة، وينبغي تغييرها فيما لو حصل وتسمى بأحدها الإنسان، وليس هناك ضرر أو مشقة، مثل: التسمي بما تنفر النفوس من معناه من الأسماء، أو التسمي بأسماء فيها معان رخوة أو شهوانية، ويكثر هذا في تسمية الإناث، مثل بعض الأسماء التي تحمل أوصافاً جنسية أو شهوانية. وأيضاً يكره تعمد التسمي بأسماء أهل الفسق والمجون، وكذا يكره التسمي بأسماء فيها معان تدل على الإثم والمعصية، مثل سارق وظالم، أو التسمي بأسماء الفراعنة والعصاة مثل فرعون وهامان وقارون، أو التكني بكنيتهم كأبي جهل وأبي لهب ونحوهما، ويكره التسمي بأسماء الحيوانات المشهورة بالصفات المستهجنة، مثل الحمار والكلب القرد ونحوها.

ويشير إلى أنه مما يكره أيضاً التسمية بكل اسم مضاف إلى الدين والإسلام، مثل نور الدين وشمس الدين وكذلك نور الإسلام وشمس الإسلام، فما فيها من اعطاء المسمى فوق حقه، وأيضاً يكره الاضافة إلى اسم الله عز وجل غير (عبدالله) وذلك مثل حسب الله، ورحمة الله ونحوه، وكذلك الإضافة إلى لفظ الرسول، ويكره التسمي بأسماء الملائكة وكذلك بأسماء سور القرآن مثل طه ويس ونحوها، وهذه الأسماء هي من الحروف المقطعة وليس من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم.

وحول تسمية الأبناء بأسماء أجدادهم القديمة يقول العنزي: لا يظهر مانع من ذلك خاصة أنه نوع من البر والاعتزاز بالآباء والأجداد، إلا أن يكون الاسم محرماً أو مكروهاً، أو يكون الجد معروفاً بالشر فلا ينبغي ذلك، لأن للاسم تأثيراً في صاحبه.

ويشير إلى أنه لا ينبغي للإنسان أن يغير اسمه في أول العمر ولا في آخره، إلا إذا كان هناك محظور شرعي، بحيث يكون الاسم مشتملاً على مخالفة شرعية، أو محرمة أو مكروهة فلا بأس بذلك.

عشت أضحوكة 22 عاماً

ميثة كانت حتى خمس سنوات مضت تعرف باسم مدينة لكنها اضطرت في النهاية لتغييره، تقول عن ذلك: هذا الاسم لم يكن يليق بي ولا يمثلني نهائياً، واضطررت إلى أن أعيش معه 22 سنة متحملة الاحراجات التي يسببها لي حيث كانت زميلاتي أثناء دراستي يسخرن مني ويجعلن من اسمي أضحوكة، مما جعلني أطالب والدي بتغييره ولكن كان يرفض لأني كنت أحمل اسم والدته المتوفاة ورغب بتسميتي به إحياء لذكراها، ولكن مع اصراري وإلحاحي عليه لسنوات طويلة وافق على تغيير اسمي.

حق الأب

كثيراً ما يتنازع الآباء والأمهات على حق تسمية الأبناء، لكن عزيز بن فرحان العنزي مدير مركز الدعوة والارشاد في دبي يحسم الأمر بقوله: لا خلاف بين الناس أن التسمية حق للأب دون الأم، لأن الولد ينسب إلى أبيه، وهو أحق بتسميته، وكما تجب على المولود له النفقة والتعليم والعقيقة وغيرها فالتسمية تكون له، لذلك يدعى الخلق يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم، وإنما يتبع أمه في الحرية والرق واللعان والزنى وفي غيرها من المسائل المعروفة في الفقه. ورغم ثبوت الحق للأب ينبغي للوالدين، حسب العنزي، أن يتعاونا في انتقاء الاسم الطيب والجميل لابنهما وفق الضوابط الشرعية والآداب المرعية، وأن يستشير الوالد زوجته في ذلك تطييباً لنفسها، ولعله يقف أيضاً على اسم جميل عندها لم يخطر له ببال.