يعاني بعض الأطفال من تشوهات وانحناء غير طبيعي في العمود الفقري، وأكثرها شيوعاً التقوس المفرط بالظهر، وتكون على درجات كالانحناء لأحد الجانبين أو إلى الأمام أو إلى الخلف، زيادة عن الوضع الطبيعي للإنسان، وتتنوع أسباب الإصابة به ما بين التشوه الخلقي الذي ينتج عن عدم نمو جزء من إحدى الفقرات وتظهر علاماته مبكرةً بعد الولادة أو خلال السنتين الأوليين من عمر الطفل، أو انحناء مجهول السبب في سن متأخرة من مرحلة الطفولة، أو ما ينتج عن الحوادث أو أمراض الدماغ أو العضلات، فكيف يتم تشخيص هذه التشوهات وطرق علاجها؟ الإجابة في السطور القادمة.
يذكر الدكتور نيكاندر وفيغيريدو، مختص جراحة الأعصاب في العمود الفقري، عن أسباب تشوه العمود الفقري لدى الأطفال، أن العمود الفقري يعدّ من أهمّ الركائز التي يعتمد عليها توازن الإنسان بشكل كلّي ومتابعة حركته الطبيعية، وفي الحالات العادية، تتخلله انحناءات طبيعية في شكل العمود الفقري، وهي المسؤولة عن استدارة حركة الأكتاف كما تساهم في انحناء أسفل الظهر للأمام قليلاً وذلك لتسهيل الحركة والتوازن، وعادة ما تكون الأسباب مجهولة وراء الإصابة بالجنف أو الحدب، ما يزيد من صعوبة اكتشاف الحالة مبكّراً خاصةً بين الأطفال، وتعدّ العلل الخلقية من الأسباب المعروفة التي تحدث أثناء الولادة، بالإضافة إلى العلل العصبيّة والعضليّة (المرتبطة باضطراب عصبي أو عضلي).
يستكمل: من ناحية وراثيّة، تزداد فرصة الإصابة بالجنف خاصّة بالنسبة للفتيات، خاصة أنّ حمل الأشياء الثقيلة أو ممارسة الرياضة بطريقة خاطئة أو حتّى وضعية النوم والجلوس غير الصحيحة لا تسبّب حالة الإصابة بالجنف، بل تؤثر على تطوّرها، وهنا تكمن أهمية الكشف المبكر لجميع حالات الإصابة بالجنف أو الحدب، وذلك لتسريع عمليّة التقييم والعلاج السليم، وتقليل فرصة تطوّر وتقدم الحالة، وتفادي أي عواقب غير مرغوب بها، واستهدفت الكثير من البلدان أكثر الأماكن التي يقضي بها الأطفال وقتاً طويلاً، حيث نفّذوا فحوصاً مستمرّة في المدارس للكشف المبكر والعلاج الفعال لتشوهات العمود الفقري.
تشخيص التشوه
يشير د. نيكاندر إلى أن تشخيص الحالات المصابة يتمّ من خلال الفحص الروتيني وذلك عن طريق الوقوف أو الجلوس خلف الطفل عن بعد متر أو مترين، أثناء تجربة الانحناء للأمام، حيث يحاول الوالدان مراقبة الطفل والبحث عن ظهور أي بروز أو تقوس، أما بالنسبة لاختبار الانحناء نحو الأمام ويسمى «اختبار آدم» وهو يتم من خلال استخدام مقياس الجنف (مقياس ميل خاص) للكشف عن دوران الجذع، ومن أجل الحصول على نتائج أفضل، ويُوصى بفحص الأطفال في مركز متخصص، حيث يتم الكشف عنهم باستخدام الأشعة السينية والفحص الطبي، للتأكد من وجود التشوه والتعامل معه بشكل صحيح.
الفحص المدرسي
يبين د. نيكاندر أن تشوهات العمود الفقري عادة ما تكون بدون أعراض ظاهرة في المرحلة الأولى من الإصابة، ما يجعل برنامج الفحص المدرسي وسيلة مهمة للكشف المبكر، وربما يعاني بعض الأطفال من آلام غير محددة في الظهر، ويمكن ملاحظة انحناء غير طبيعي في العمود الفقري، وفي حال عدم ملاحظة سرعة تطور الحالة وإهمالها طبيّاً، تؤثر تلك الإصابات على منطقة الجذع بأكملها، وتسبّب ضغطاً على الأعضاء الداخلية كالرئتين ما ينتج عنه صعوبة في التنفس وألم مزمن ومشاكل أكثر خطورةً في العمود الفقري، بالإضافة للآلام الجسدية، كما تتأثر نفسيّة المريض خاصة خلال فترة الطفولة أو المراهقة بسبب تقوّس الظهر والتأثير على الشكل الخارجي والجماليّ للمصاب، فيعاني من بعض التحديات المجتمعية خلال ممارسة الأنشطة اليومية، والتواصل مع الأصدقاء والناس.
علاج التشوهات
يؤكد د. نيكاندر على أنه لا يمكن تفادي أغلب حالات تشوه العمود الفقري، خاصّة التي تنشأ عن عومل وراثية أو خلقية، ما يجعل الوقاية منها أمراً صعباً، ولكنّ الكشف المبكّر يوفّر وقتاً أسرع للعلاج منذ بداية الحالة، وأثناء نضج العمود الفقري، وهناك عدة طرق للعلاج منها:
* ينبغي أن يكون العلاج الفعّال للمرضى المصابين بالجنف والحدب قادراً على الحد من خطر استمرار الانحناء إلى المرحلة التي تتطلب التدخل الجراحي، كما تختلف الطرق على حسب شدة درجة زاوية الانحناء ونوعه.
* في حالات الجنف بزاوية تبلغ (25-40 درجة) والحدب (50-75 درجة)، يتمّ استخدام الدعامة للمراهقين المصابين، وخلال فترة نموّ الطفل، كما تستخدم تمارين خاصة بالعلاج الطبيعي وذلك لعلاج المنحنيات الخفيفة قبل نضج الهيكل العظمي، وللمساعدة على منع أو تخفيف آلام الظهر وتحسين شكل العمود الفقري والجهاز العضلي. كما يمكن أن تساعد في منع تطور التشوه في بعض الحالات.
* أما في حالة حدوث تقدم كبير في الحدب والجنف، فيجب التدخل الجراحي لتصحيح الانحناءات الشديدة، وتثبيت فقرات العمود الفقري للتقليل من زاوية الانحناء وجعل الفقرات مصطفّة بطريقة أكثر عموديّة.
ويضيف: مع تقدّم التكنولوجيا ظهرت طرق جديدة للعلاج، وذلك باستخدام أحدث التقنيات، أصبح من الممكن استخدام قضبان النمو المغناطيسية ذات التحكم عن بعد (MCGR) لعلاج الجنف خاصّة للأطفال الأصغر سناً (أقل من 10 سنوات)، حيث تقوم هذه التقنية بتصحيح التشوه في العمود الفقري تدريجياً من خلال قضبان متنامية يمكن التحكم بها عن بعد، كما تساهم في تجنب العديد من العمليات الجراحية المتكررة على طول القضبان في العمود الفقري، ويمكن أن تتيح للعمود الفقري عمليّة نمو طبيعية حيث يتمّ إطالة القضبان المغناطيسية وتصحيح منحنى العمود الفقري في وقت واحد، وفي حال تم اكتشافها وإجراء اللازم في الوقت المناسب، في مركز متخصص، يمكن للجراحة تحقيق تصحيح أفضل للتشوه، مع خطر أقل من المضاعفات.
نصائح وقائية
يوصى د. نيكاندر الآباء والأمهات لتجنب حدوث أي تشوهات في العمود الفقري لأطفالهم، خاصة مع زيادة انتشار حالة تشوه العمود الفقري بين الأطفال، بضرورة الاهتمام باتباع فحوص روتينيّة للكشف المبكر وفحص الأطفال في مركز متخصص، حيث يتم الكشف باستخدام الأشعة السينية والفحص الطبي، للتأكد من وجود التشوه والتعامل معه بشكل صحيح، كما أنّ ممارسة التمارين الرياضية بشكل متوازن، ضمن إرشادات المختصين، تقلل من الحاجة إلى إجراء أي تدخل جراحي خاصة في الحالات المبكرة، وقبل نضج الهيكل العظمي لدى الأطفال، ويتم من خلال استخدام مقياس الجنف (مقياس ميل خاص) للكشف عن دوران الجذع.
التقوس المفرط
عن تشخيص الحالات المصابة بالتقوس المفرط يفيد الدكتور خالد مبروك فرج، استشاري جراحة العظام والعمود الفقري، بأن طرق التشخيص، وترتيبها تختلف وفقاً للحالة المرضية لكل شخص، ولكن إجمالاً، يتمّ أولاً إجراء اختبار الانحناء نحو الأمام، ويعتبر اختباراً جسدياً يقوم به المختص عبر النظر إلى العمود الفقري وانحنائه بشكل غير طبيعي، كما يتمّ إخضاع المريض لأشعة تشخيصيّة للتأكد من الحالة ومعرفة أي تشوهات أخرى توجد بالفقرات، وتحديد زاوية انحناء الظهر بشكل دقيق يؤثر على طرق المعالجة، ويتبين من خلالها، الكشف عن التغيرات الناتجة عن تآكل الغضاريف خاصة عند الكبار، أما في الحالات التي يشعر فيها المريض بصعوبة في التنفس نتيجة زيادة تقوس الظهر والضغط على الجهاز التنفسي، فيجب هنا خضوع المريض لاختبار لوظائف الرئة للتأكد من جميع الوظائف.
أعراض ومضاعفات
يشير د. مبروك إلى أن أعراض الإصابة تظهر مع شعور المريض المصاب بالتقوس المفرط بآلام في الظهر، وتيبّس في العمود الفقري بالإضافة إلى الإرهاق المستمر خاصة عند المشي المستمرّ أو حمل الأغراض الثقيلة، كما يصبح شكل الظهر متقوساً من أعلى إلى الخارج، ويكون هذا البروز واضحاً جداً للعين المجردة، ويزداد مع تطوّر المرض، إلا أنّ خطورة الإصابة بالتقوس، تحدث أثناء الحالات المبكرة، حيث لا يمكن دائماً تحديد الأعراض بشكل مرئي وربطها بالمرض مباشرة، ما يؤدي إلى تأخر الكشف وزيادة الخطورة على المدى الطويل، وهنا ينصح دائماً بإجراء فحص مستمرّ لتفادي أي إصابات محتملة.
يضيف: يمكن أن تسبب الإصابة بالتقوس المفرط للظهر بعض المضاعفات، وربما تؤثر على شكل الجسد بشكل كبير وتسبب تشوهاً في الظهر بسبب الانحناء الحاد، وبالتالي، تزيد من فرصة إصابة الشباب ببعض حالات الاكتئاب وغيرها من الأمراض النفسية الناتجة عن الاقتناع بالشكل الجمالي، ومع آلام الظهر الحادة، يصعب على المريض الاستمرار بممارسة الأنشطة بشكل طبيعي خاصة الرياضية منها، أما عن الحالات المتطورة كلياً من التقوس الحاد، فتؤثر على كلا الاضطرابات العصبية لجسم الإنسان التي تختص بالحركة الطبيعية، بالإضافة إلى صعوبة في التنفس ناتجة عن ضغط الانحناء على العمود الفقري.
أسباب الإصابة
يؤكد د. مبروك أن التقوس المفرط للظهر يصاب به الكبار والصغار، إلا أنّ الأسباب تتنوع، وغالباً ما تؤثر هشاشة العظام وتآكل الغضاريف على تطور الحالة عند الكبار، إلا أنّ الوضعية الخاطئة للجلوس أو الوقوف، تعتبر من أهم العوامل التي تشكل سبباً لزيادة نسبة انحناء الظهر، وهناك بعض التشوهات التي تؤثر على العمود الفقري للجنين داخل بطن أمّه.
تقنيات حديثة
يذكر د. مبروك أن طرق العلاج تختلف وفقاً لمستوى حالة الإصابة بالتقوس المفرط للظهر والمتطلبات العلاجية والأعراض، ومع زيادة خطورة حالات الحدب، ربما يتضمّن العلاج تقويماً لانحناء الظهر عن طريق الحزام الطبي، خاصّة لدى الأطفال والشباب في مرحلة النمو، أو يحتاج المريض إلى عملية جراحية كاملة في حال تعقّد الحالة وعدم استجابتها لأي نوع من العلاجات المذكورة، أو في حالة ظهور بعض الأعراض ذات الخطورة الحادة مثل الأورام، كما تعمل العلاجات الجراحية على تقليل درجة انحناء الظهر من خلال تثبيتها، والتحامها، بالإضافة إلى تدعيمها لإحداث التماسك، أما إن كان المسبب متعلقاً بهشاشة العظام مثلاً، فينصح حينها بعلاج هشاشة العظام أولاً وذلك لتجنّب أي كسور للعظام، بالإضافة إلى تطبيق بعض العلاجات المسكّنة لتفادي الآلام مع بداية العلاج.
أضرار الحقيبة المدرسية
يمكن أن تكون الحقائب التي يحملها طلاب المدارس ليست السبب الأساسي في تقوس الظهر، ولكن على المدى البعيد يؤدي حملها إلى عدم توازن العمود الفقري وإصابته بالتشوهات وزيادة التقوس، وأظهرت بعض الدراسات أن الإصابات الناتجة عن أحمال الظهر قد زادت لأكثر من الضعف في السنوات الخمس الماضية، وفي دراسة أمريكية حذر الباحثون من أن الحقائب المدرسية تسبب الأذى لمناطق الظهر والرقبة عند الأطفال، وإن حوالي ربع الطلاب تحت سن الرابعة عشرة، يحملون الحقائب المثقلة بالكتب والدفاتر التي تزن أكثر من 20% من وزن الطفل وهو ما يعادل حمل رجل وزنه 81 كيلو جراماً لثقل مقـداره 18 كيلو جراماً تقريبا على ظهره.