كتب: علاء الدين محمود

«فاحذر الذنوب فإن شؤمها قريب، وظلمها شديد، واحذر الحسنات التي تباعد بينك وبين طريق الصالحين، فما أقرب القارئ المتعبد بغير معرفة أن يتكبر على عباد الله عز وجل، ويمُنّ عليهم بالحسنات».
يأخذنا المتصوف الحارث المحاسبي، المتوفى سنة 243 ه، بهذه الكلمات البديعة الواردة في كتابه «آداب النفوس»، في سياحة روحية حافلة بالجمال، تبتغي تهذيب النفس على أساس الدين، ومن الواضح أنَّ تربية النفس إحدى أهم غايات التصوُّف، وهي من صميم الدين، فدعوة الإسلام هي دعوة للأخلاق والتربية والقيم النبيلة، يقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، ويقول: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم خلقاً»، وكل تلك دلالات تعبر عن موقع الأخلاق والقيم النبيلة في رسالة الإسلام، وكلمات المحاسبي تأخذ من تلك المعاني التي تهدف إلى تهذيب النفوس، فهي تخاطب المؤمنين وتدعوهم لنبذ الكِبرِ والغرور، وفي تحذيره من الحسنات التي تبعد عن طريق الصالحين، إنما يقصد الأعمال الصالحة المفيدة، ولكنها ترتبط بالغرور، محذراً من ذلك الخلق، فهو يفسد الإنسان، ويخرّب النفوس فلا تغدو عامرة بمحبة الله تعالى، فتلك الحسنات المرتبطة بالغرور لا فائدة ترجى منها.
كدأب المتصوفة الكبار، فإن المحاسبي إنما يدعو الإنسان لمحاسبة نفسه حساباً شديداً، حتى تصلح باتباع الأخلاق النبيلة التي دعا إليها الإسلام، وهو ينير الطريق إلى ذلك عبر سياسة ترويض النفس وتطهيرها بأخذها بشدة في المحاسبة واللوم، من أجل تزكيتها والسمو بها، لذا فإنه يقول: «اعرف يَا أخي نَفسك وتفقد أحوالها وابحث عَن عقد ضميرها بعناية مِنْك، وشفقة مِنْك عَلَيْهَا؛ مَخَافَة تلفهَا، فَلَيْسَ لَك نفس غَيرهَا، فَإِن هَلَكت فَهِيَ الطامة الْكُبْرَى والداهية الْعُظْمَى، فأحِدّ النّظر إِلَيْهَا يَا أخي بِعَين نَافِذَة الْبَصَر، حَدِيدَة النّظر؛ حَتَّى تعرف آفَات عَملهَا، وَفَسَاد ضميرها، وتعرف مَا يَتَحَرَّك بِهِ لسانها، ثمَّ خُذ بعنان هَواهَا، فاكبحها بحكمة، اتهم نفسك على نفسك، تعاهد قلبك بأسباب الآخرة وعرضه لذلك وصنه من أسباب الدنيا ومن ذكر يجر إلى الحرص والرغبة»، ونلمح هنا كيف أن المحاسبي يركز بشكل أساسي على ضرورة أن يقوم المرء بحوار مع ذاته بشكل مستمر فيقوّمها ويهديها إلى أحسن السبل وأرقاها، وهذه العملية يكون شرطها الأول هو تجنب المعاصي.

أعلى مراتب الحب

تدعو كلمات المحاسبي ونهجه إلى إصلاح النفس من الداخل وتعميرها بالخلق النبيل، وضرورة تزكيتها، ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن يعظ الإنسان نفسه من أجل الارتقاء بها، ومفهوم الارتقاء له مكانة كبيرة في فكر المتصوفة، إذ إنه طريق طويل يسلكه الإنسان المحب لله تعالى، حتى يسمو بنفسه ويصل بها إلى أعلى مراتب الحب والإيمان، وهذا الطريق يتطلب مراقبة عالية، فتلك شروط لا بد من استيفائها حتى يصل المرء إلى مراتب عالية في القرب من الله عز وجل، فيزهد الإنسان في كل شيء من ملذات الدنيا ومباهجها إلا ما يعينه في هذا الطريق القاسي، الذي تروض فيه النفوس ترويضاً صعباً، حتى يستطيب لها خشن العيش وترك الشهوات، وبذلك يسمو مقصدها بعد أن تكون صارعت أهواءها حتى صرعتها، لتمتلئ باليقين والمحبة، وتتنزل عليها فيوض النور وتطمئن وتعلم أنها في الطريق الصحيح من محبة الله تعالى، ولعل من نافل القول إن كلمات المحاسبي هي من الوعظ الذي يربي المؤمنين ويقودهم إلى طريق النور، وهو وعظ لطيف جميل يتميز بالقول الحسن، الذي يأتي كأنه نظم بديع، تحتشد فيه الأساليب البلاغية الجمالية.
المحاسبي هو الحارث بن أسد بن عبد الله البصري، سمي المحاسبي لكثرة محاسبته ومساءلته ومراجعته لنفسه، وهو يعتبر من أبرز أعلام التصوّف في القرن الثالث الهجري، وهو بصري الأصل، ولد سنة 170 ه في بغداد، له تسعة مؤلفات مختلفة، وله مكانة كبيرة في تصنيف المتصوفين، وتبرز أهميته لكونه من أوائل من اشتغلوا بالفقه وسلكوا طريق التصوّف وبرزوا فيه. وقد نشأ في بيت علم، لأب واسع الثراء من رجال الفكر والدين، وكان المحاسبي متفتح الذهن متقد العقل شديد الذكاء، واستقل عن طريق والده فزهد فيما عنده من مال، وقد برع في عدة علوم.
ونسبة لمكانته الفكرية والمعرفية الكبيرة في التصوّف فقد وصفه أبو نعيم الأصفهاني في «الحلية» فقال: «المشاهد المراقبي والمساعد المصاحبي، أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي، كان لألوان الحقائق شاهداً ومراقباً، ولآثار الرسول صلى الله عليه وسلم مساعداً ومصاحباً، وتصانيفه مدونة مسطورة، وأقواله مبوبة مشهورة، وأحواله مصححة مشهورة، كان في علم الأصول راسخاً وراجحاً، ومن الخوض في الفصول جافياً وجانحاً، وللمخالفين الزائفين قامعاً وناطحاً، وللمريدين والمنيبين قابلاً وناصحاً».

أسلوب بليغ

ترك المحاسبي الكثير من المؤلفات، منها: «فهم القرآن ومعانيه»، «التوبة»، «بدء من أناب إلى الله»، «شرح المعرفة وبذل النصيحة»، «كتاب الرعاية لحقوق الله»، و«مائية العقل وحقيقة معناه»، وهي مؤلفات تتحدث في معظمها عن ضرورة تهذيب النفس وترويضها، ومن أهم تلك المؤلفات «آداب النفوس» الذي يعتبر مرشداً قيماً في كيفية إصلاح النفس، على هدى الأخلاق التي وضعها الإسلام، ويتضمن الكثير من المواضيع التي تعين على ذلك بأسلوب وعظي رقيق، وهو ينقسم إلى جزأين الأول «أداب النفوس» والثاني يحمل عنوان «التوهم».
وفيما يتحدث الجزء الأول عن وعظ النفس والارتقاء بها وإصلاحها، يأخذنا الجزء الثاني في قصة متخيلة بأسلوب سردي يستدعي فيه المحاسبي موقف الإنسان يوم القيامة حتى يصير إما إلى الجنة أو إلى النار، وهذا الجزء هو دعوة لتخيل الموقفين حتى يتعظ الإنسان في دنياه قبل أن ينقلب إلى آخرته، ولعل إعمال الخيال الذي دعا إليه المحاسبي وسمّاه بالتوهم، هو واحد من الأساليب الناجعة في محاسبة النفس، فهو لا يدعو فقط لترك الشيء، بل وكذلك إلى تخيّل ما يقود إليه التمسك به، والمحاسبي يوصل تلك الرسالة بلغة عالية، وبأسلوب بليغ.
توفر كلمات المحاسبي متعة خاصة يشعر بها المرء وهو يقبل إلى الله تعالى، فحديثه ذو حلاوة وطلاوة، ويوظف الكثير من الاستشهادات حتى يدل على أن أقواله وأفكاره من صميم التعاليم الإسلامية، ولا غنى عن كتابات المحاسبي في التصوّف، والتي ركزت على أهم غاياته في الزهد وتهذيب النفوس، وتكتسب أهمية، إذ إن معظم أفكاره وأقواله جاءت في عصر انفتحت فيه دولة الإسلام على الكثير من الثقافات الأخرى، فأدرك أن هناك العديد من الأفكار ربما تجرف الكثير من المسلمين إلى الضلال، فكان لزاماً عليه أن يذكّر الناس بدينهم عبر أسلوب سلس وروحاني بليغ.