يتوهم البعض أن تعدد اجتهادات الفقهاء وتنوع الآراء الفقهية قد يعوق مسيرة العدالة التي تستهدفها تشريعات الإسلام، حيث يخضع الحكم في الأمور الاجتهادية لرؤية الفقيه وليس لعدالة المشرع الحكيم، وهذا قد يعوق العدالة في التشريعات الإسلامية .
فهل من الممكن أن يحدث هذا في شريعة معظم أحكامها مرنة وتخضع لظروف المجتمع الذي تطبق فيه ولمنظور الفقهاء الذين يصوغون أحكامها؟ وما فلسفة هذه الشريعة السماوية الخاتمة في قبول التعدد الفقهي والافتخار به كأحد أبرز ملامح اليسر والمرونة في أحكام هذه الشريعة؟ وما القواعد الضابطة لاجتهادات الفقهاء حتى لا تحيد عن طريق الحق والعدل وتحقق فلسفة التشريع الإسلامي العادل؟
تساؤلات كثيرة كان لا بد من عرضها على نخبة من كبار علماء الشريعة لإزالة اللبس وتوضيح الحقائق حيال خلافات الفقهاء التي يراها البعض من مظاهر السوء في حياتنا الإسلامية، بينما يراها الفقهاء ورجال الفتوى والتشريع الإسلامي "من مظاهر التميز للشريعة الخاتمة" .
فماذا قال الفقهاء والعلماء عن خلافاتهم الفقهية وضوابطها الحاكمة؟
في البداية يؤكد د . أسامة العبد أستاذ الفقه، رئيس جامعة الأزهر أن من أهم ما يميز شريعة الإسلام أنها تقوم على اليسر والسماحة، وتواكب كل أحداث الحياة المتجددة، وتلبي حاجة المسلمين في كل مكان وفي كل عصر . . ولذلك جاءت معظم أحكامها متغيرة وفقاً لما تقتضيه مصلحة المسلم .

مظهر رحمة وتيسير

ويقول: التميز التشريعي الذي تفتخر به شريعة الإسلام لم يأت من أحكامها الثابتة الراسخة وحدها، بل كان للأحكام المتغيرة والمتجددة نصيب وافر من هذا التميز التشريعي، حيث أراد الله هذا الاختلاف ليكون مظهراً من مظاهر الرحمة بالمسلمين والتيسير عليهم وربطهم بشريعتهم، ولذلك مارس فقهاء الإسلام العظام الاجتهاد في أسمى صوره، وشاعت في حياتهم عبارة: "اختلاف الفقهاء رحمة"، ولذلك رصدنا في عطاء فقهاء الإسلام في كل العصور أروع صور الحوار الفكري، وتعددت آراؤهم واجتهاداتهم، وأثروا حياتنا الفقهية والفكرية باجتهادات لا تزال تنير طريق الهداية للمسلمين، وتحضهم على إعمال عقولهم لخدمة دينهم وأمتهم .
وهنا يؤكد د . العبد أن تنوع الاجتهادات مثال رائع لاحترام الحرية الفكرية، وهذا التنوع في حقيقته مظهر من مظاهر المرونة والسعة الموجودة بالفعل في شريعة الإسلام ومن علامات "التميز والجودة"، والمسلمون في أمس الحاجة إلى هذه الخلافات المنضبطة في كل عصر وكل مكان، شريطة الحرص التام على الآداب والأخلاقيات الرفيعة التي شاعت بين العلماء والفقهاء في اجتهاداتهم وخلافاتهم والتي فرضت على كل واحد منهم أن يحترم آراء واجتهادات المخالفين له .

حتى لا يختلط الحابل بالنابل

وحتى تحقق خلافات العلماء والفقهاء في الأمور الاجتهادية أهدافها وتكون مظهراً من مظاهر التميز والجودة لتشريعات الإسلام في كل زمان ومكان، ودليل سعة ومرونة لشريعة الإسلام وبرهاناً على قدرتها على تحقيق العدل لا بد من ضوابط وقواعد حاكمة لهذه الخلافات، ولابد من تحديد واضح للساحة التي يجوز أن يتبارى فيها القادرون على الاجتهاد الفقهي، وكذلك توضيح المجالات التي لا يضر فيها الخلاف حتى لا يختلط الحابل بالنابل ويدخل ساحة الاجتهاد مزورون ومخربون ومخرفون يشوهون صورة الشريعة الإسلامية ويظهرون تشريعاتها المتنوعة على غير حقيقتها .
ويضيف د . العبد: خلافات العلماء والفقهاء واجتهاداتهم لها مجالات لا يجوز أن تتجاوزها حتى لا يتحول الاجتهاد إلى وسيلة لتشويه شريعة الإسلام وتزوير الأحكام الشرعية، فالاجتهاد والخلاف مجاله النصوص الشرعية التي ليس فيها دليل على أنها قطعية الثبوت، أو قطعية الدلالة . . فمثلاً، لا مجال للاجتهاد في أن القرآن الكريم كلام الله الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ليكون معجزته الخالدة الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه، إذ من المعروف عند كل عاقل أن القرآن قطعي الثبوت في أنه كلام الله المعجز، بدليل أنه سبحانه تحدى الناس جميعاً، أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا . . ومن هنا فلا اجتهاد في الأحكام التي ثبتت من الدين بالضرورة، ولا في النصوص التي هي قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، كالنصوص التي تأمر بإخلاص العبادة لله تعالى، وباتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وبأداء العبادات التي كلفنا الله بها، وباعتناق الفضائل، وباجتناب الرذائل كالزنى وشرب الخمر، وشهادة الزور، وقتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم وغير ذلك من الرذائل التي نهت عنها شريعة الإسلام .

سنة إلهية

ويضم الفقيه الأزهري د . محمد رأفت عثمان، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر صوته إلى صوت د . أسامة العبد، ويؤكد أن خلافات العلماء مظهر من مظاهر السعة والمرونة وأن تعدد اجتهادات العلماء لا يضاعف البتة من حالة الفرقة والخلاف بين المسلمين كما يتوهم البعض، ويقول: دوافع الخلاف الفقهي وأسبابه لا يمكن القضاء عليها والتخلص منها، فهي سنة من سنن الله في خلقه، فالله تعالى لو أراد أن يجمع الناس على رأي واحد لجعل نصوص الدين كلها قطعية الثبوت، قطعية الدلالة، فلا مجال فيها لخلاف ولكن لم يفعل ذلك، فدلنا على أنه تعالى لم يرد أن يمنع الناس من اختلاف الاجتهادات والآراء . . وقد اختلف الصحابة في اجتهاداتهم في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم كما في صلاة العصر في بني قريظة وغيرها، وبعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن وسع بعضهم بعضاً، وقدر بعضهم اجتهاد بعض . . هذا فضلاً عن أن طبيعة البشر أنهم يختلفون في طباعهم واتجاهاتهم ومواقفهم، فمنهم الميسر، ومنهم المشدد، ومنهم من يميل إلى الظواهر، ومنهم من يميل إلى المقاصد، ومنهم من يميل إلى الأثر، ومنهم من يميل إلى النظر، وهذا من أسباب تعدد المذاهب وتنوع المشارب .
ويوضح عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر أن الشريعة الإسلامية لا تقر اجتهاداً غير صحيح ولا تقبل بالاجتهاد أو الإفتاء أو الرأي في دين الله إلا من أهل العلم والتقوى الذين تسلحوا بعلوم الاجتهاد والإفتاء، من تفسير وعلوم قرآن وقراءات وأسباب نزول وعلوم حديث، وأسباب ورود ومعرفة الناسخ من المنسوخ، ومعرفة أصول الفقه والنحو والصرف وغير ذلك من العلوم .
والله عز وجل يأمر من لا علم لهم أن يسألوا العلماء المتخصصين وأهل الذكر العارفين، فيقول سبحانه: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"، ويحذر الإسلام من اتباع آراء من لا علم لهم لأنهم يَضلون ويُضلون، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" . فمن لا علم له حين يفتي في دين الله يضل من يفتيه ولا يهديه، وقد يعرض من يفتيه إلى الهلاك .
لكن د .عثمان يطالب بوضع الخلافات والاجتهادات الفقهية في إطارها الصحيح وعدم تحويل الخلافات الفقهية إلى خلافات شخصية، وعدم التسرع في الحكم على الآخرين أو تكفيرهم، فإن الأمر لا يصل إلى حد أن يكفر أحد أحداً، ولا أن يحكم أحد على المخطئ بالفسق والابتداع، لأنه لا يمكن لأحد أن يدخل قلوب الناس وأن يسيطر عليها، فلا يعلم ما في القلوب إلا علام الغيوب ولا يسيطر عليها إلا الله سبحانه وتعالى الذي خلقها .

واجب العلماء

والسؤال المهم في نهاية عرضنا لدوافع خلافات الفقهاء وحاجة الأمة الإسلامية إلى خلافات واجتهادات منضبطة هو: ما واجب علماء المسلمين في الظروف الراهنة التي تمر بها الأمة الإسلامية؟
يجيب د . رمضان عيد هيتمي، عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر بالقاهرة: العمل على توحيد مواقف المسلمين تجاه التحديات المعاصرة أهم واجبات العلماء اليوم . . ولذلك يجب أن يبتعد كل علماء ومفكري ودعاة الإسلام عما يفرق المسلمين ويتعارض مع هذا الهدف النبيل، فنحن نعيش في عصر لا مكان فيه للشعوب المتنافرة التي تشغلها المعارك الوهمية عن همومها ومشكلاتها الرئيسية .
لذلك يؤكد عميد كلية الشريعة بالأزهر ضرورة وضع الخلافات الفقهية في إطارها الصحيح والوقوف في وجه كل من يستخدمها أداة لتعميق الخلافات بين المسلمين . . فهي وسيلة في أيدي الفقهاء والعلماء لإثراء حياة المسلمين الفقهية ولا ينبغي أن تكون غير ذلك .
ويضيف: لو رجعنا إلى شريعتنا الإسلامية في مجال العبادات والمعاملات لوجدنا أن ما يوحد المسلمين في عقيدتهم وشريعتهم أكثر مما يفرقهم، وهذه خصوصية تميزت بها شريعة الإسلام، فقد وحد الإسلام الأمة الإسلامية بعقيدة تدعوها إلى عبادة إله واحد لا شريك له، وبعبادات تتمثل فيها وحدة صفوفها: في الصلاة خمس مرات في اليوم، وفي الزكاة التي توحد مشاعر المسلمين في تعاونهم مع إخوانهم المحتاجين، بما شرعه الله تعالى في أموالهم من حق معلوم للسائل والمحروم وفي الصيام الذي يوحدهم حيث يمتنعون عن الطعام والشراب في وقت واحد، ويطعمون ويشربون عند المغرب في وقت واحد . . وفي الحج إلى بيت الله الحرام الذي يلتقي فيه الناس من كل فج عميق ويجتمعون بزي واحد وفي وقت واحد، يلبون إلها واحداً لا شريك له ويتدارسون في مؤتمر الحج العالمي قضاياهم ومشاكلهم، فجاءت كل تشريعات الإسلام توحد بين جميع المسلمين أفراداً وجماعات وأمماً وشعوباً، وجعل الله الغاية من خلقهم من ذكر وأنثى ومن جعلهم شعوباً وقبائل أن يتعارفوا . . قال سبحانه: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا" . . وقال سبحانه آمراً بالوحدة والتضامن: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا" .
وهذه الوحدة التي تتجلى بوضوح في كل عبادات الإسلام ومعاملاته وتشريعاته والتي تغطي كل مجالات الحياة لا تتعارض معها ولا تقف في طريقها خلافات العلماء واجتهاداتهم عندما يكون المجتهدون في أمور الدين أهلاً لهذا الاجتهاد ويوظفون اجتهاداتهم فيما يعود على المسلمين بالفائدة في أمور دينهم ودنياهم .

خلافات مطلوبة

ويعود د . عثمان ليؤكد أن الخلافات في إطار الحق والصواب وفي ساحتها الحقيقية مطلوبة، ويقول: ما دامت هذه الخلافات فيما لم يرد فيه نص، ولم يصادر آية من كتاب الله تعالى، ولا حديثاً صحيحاً من أحاديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وما دام العلماء ملتزمين بآداب وأخلاقيات الحوار الفكري والفقهي الهادئ، وسائرين على المنهج النبوي الصحيح ويعرف كل واحد من علماء الإسلام وفقهاء الإسلام أنه ليس الوحيد الذي يملك الحق أو الوحيد القادر على الاجتهاد الصحيح، فسوف يؤدي الخلاف أهدافه ولا يضاعف من حالة الفرقة والخلاف بين المسلمين كما يردد البعض .
ومن هنا يؤكد عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر ضرورة أن يبذل فقهاء الإسلام المعاصرون كل جهدهم لتوظيف اجتهاداتهم بما يحقق مصلحة الإنسان، فواجبهم أن يجتهدوا في كل أمور الحياة وأن يبذلوا أقصى طاقاتهم الذهنية والعقلية وأن يتسابقوا لاستنباط أحكام واجتهادات تحقق مقاصد شريعة الإسلام وتلبي للإنسان حاجاته وتبرز جانب التسامح والرحمة وتؤكد مرونة الشريعة وقدرتها على التجديد ومواكبة كل تطورات العصر وأحداث الحياة المتغيرة .