عاد إلي صاحبي في يوم آخر ليقول لي: إذا افترضنا أن الشرائع مختلفة كما دلت عليه الآية الكريمة: لكل جعلنا شرعة ومنهاجاً فكيف يكون الدين واحداً؟
قلت له: لا نفترض ذلك، بل الله تعالى قال ذلك في كتابه: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى، أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه (الآية 13 من سورة الشورى)
أنظر إلى قوله تعالى: من الدين كيف دل على أن دين محمد صلى الله عليه وسلم جزء من دين نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، لأن من للتبعيض .
وإذا قلنا بأن من للبيان، فإن معنى الآية أيضاً أن الذي وصلنا عن طريق محمد هو ما نزل على الأنبياء السابقين .
ومن هذا يتبين أن الأنبياء والرسل جميعاً سعوا إلى إقامة دين واحد، لكن كل منهم آخذ منه بطرف، وخير دليل على صحة ما نقول حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا، فأحسنه وجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين (رواه البخاري)
ولذلك فإننا نحن المسلمين لا يكتمل ديننا إلا إذا آمنا بالأنبياء جميعاً قبل أن نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، كما نؤمن بالكتب جميعاً والملائكة واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره .
قال صاحبي: ولكن هناك اختلاف واضح بين هذه الشرائع المختلفة مع وجود قاسم مشترك بينها .
قلت: ذلك الاختلاف طبيعي، لأن كل شريعة كانت تنزل بما يتناسب مع وضع تلك الأمة في ذلك الوقت، ومع مرور الزمن تطورت الشرائع .
فإذا رأيت شريعة نسخت شريعة قبلها فلا يعني ذلك أن الشريعة السابقة ناقصة، فهي في وقتها كانت كاملة لأنها صادرة عن الله .
ألا ترى أن الصيام في الشرائع السابقة كان عبارة عن ثلاثة أيام من كل شهر، ولكن نسخ ذلك بصيام شهر كامل في السنة في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم؟
ويقول الدكتور محمد عبدالله دراز في كتاب الدين بأن شريعة التوراة مثلاً عنيت بوضع المبادئ الأولية لقانون السلوك مثل لا تقتل - لا تسرق، والطابع البارز فيها تحديد الحقوق وطلب العدل والمساواة بينها .
وشريعة الإنجيل جاءت لتقرر هذه المبادئ الأخلاقية وتؤكدها، ثم تزيد عليها آداباً مكملة مثل أحسن إلى من أساء إليك، والطابع البارز فيها التسامح والرحمة .
وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم جاءت لتقرر مبدأين هما إن الله يأمر بالعدل والإحسان، ثم وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله .
كما أنها أحلت كل الطيبات، وحرمت كل الخبائث، في حين أن الله حرم بعض الطيبات على بني إسرائيل تأديباً لهم .
ويلاحظ أن الاختلاف بين الشرائع في المتغيرات مع الإتفاق في الثوابت، ولذا قال عليه الصلاة والسلام نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات ديننا واحد (رواه البخاري)
قال صاحبي: وماذا تقصد بالقاسم المشترك بين الأديان؟
قلت: أقصد به تلك القواعد الأساسية التي يقول عنها سيد قطب في ظلال القرآن بأنها مبدوءة بتوحيد الله ومختومة بعهد الله .