د . محمود حمدي زقزوق
إذا عدنا بالذاكرة إلى البدايات الأولى للإسلام التي كانت المنطلق الحقيقي للأمة الإسلامية نحو بناء نهضتها وثقافتها ومذاهبها الفكرية والفقهية والعقدية وغيرها . نجد أن هذه البدايات في جوانبها الإيجابية من شأنها أن تضيء لنا مسيرتنا الحاضرة نحو الوحدة العملية للأمة .
وفي هذا الصدد ليس من غرضنا أن نقوم بسرد تاريخي لبعض الوقائع والأحداث، وإنما نود فقط أن نذكّر ببعض الحقائق المهمة في هذا المجال:
أما الحقيقة الأولى فإنها تتمثل في واقع الاختلافات بين البشر . فقد خلق الله الناس مختلفين في تفكيرهم وفي كثير من أمور دنياهم، ويترتب على ذلك بطبيعة الحال اختلاف الناس في تصوراتهم ووجهات نظرهم في الكثير من الأمور الدنيوية والدينية على السواء . وقد أكد القرآن الكريم هذه الحقيقة الواقعة في قوله تعالى: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين . إلا من رحم ربك" .
وهذا الاختلاف أو التنوع يعد عنصراً إيجابياً، ومن شأنه أن يثري الحياة الإنسانية على المستويين المادي والعقلي، ويدفع الناس إلى البحث عن أفضل السبل للارتقاء بحياتهم في جميع المجالات .
وثانية هذه الحقائق مشروعية الاجتهاد في الإسلام، فإذا كان الإسلام يعترف بحقيقة الاختلاف بين البشر فإنه يعترف في الوقت نفسه أيضاً بما يترتب على ذلك من نتائج تتمثل في اختلاف الرؤى والتصورات والاجتهادات .
وتتضح لنا مشروعية الاجتهاد في الإسلام في حديث النبي عليه الصلاة والسلام عندما أرسل معاذ بن جبل قاضياً إلى اليمن، فقد سأله: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ فكان رد معاذ أنه سيقضي بكتاب الله، فإن لم يجد فبسنة رسول الله، فإن لم يجد فإنه سيجتهد برأيه، أي أنه سيحكم عقله ويجتهد بتفكيره ثم يحكم بمقتضى ذلك . وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ومنذ ذلك الوقت أصبح الاجتهاد، أي: إعمال العقل والفكر في استنباط الأحكام الشرعية، مبدأ إسلامياً مقرراً يجب الالتزام به . ولا يجوز لأحد أياً كان أن يغلق هذا الباب، كما حدث في بعض فترات التاريخ الإسلامي .
أما الحقيقة الثالثة فتتمثل في نسبة اجتهادات الفقهاء والمتكلمين، فمنذ انطلاق مسيرة الفكر الإسلامي ملبية لمتطلبات الحياة المتجددة في المجتمع الإسلامي، ومواكبة لكل المتغيرات في الزمان والمكان، نشأت مذاهب الفقه الإسلامي التي لم يدّع أي منها أن ما أتى به هو الحق المطلق .
ومن هنا كان هذا القول المأثور عن الإمام الشافعي: "رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب"، وما روي أيضاً عن الإمام أبي حنيفة: "قولنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاء بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منا" . وقيل له: "يا أبا حنيفة هذا الذي يفتي به هو الحق الذي لا شك فيه" قال: "لا أدري لعله الباطل الذي لا شك فيه" .
ومن المعروف أن الإمام مالك بن أنس لم يوافق على اقتراح الخليفة أبي جعفر المنصور ومن بعده المهدي والرشيد بإلزام جميع البلاد الإسلامية بكتابه "الموطأ" -الذي هو كتاب في الحديث وفي الفقه معاً- وقد حاول الرشيد أن يجعله قانوناً، ويعلق نسخة منه بالكعبة ليعلمه الناس جميعاً، ولكن الإمام مالك لم يرتض ذلك ونهى عنه تيسيراً على الناس في أقضيتهم .
ولم تختلف أي من هذه المذاهب في أي من ثوابت الإسلام، وانصبت الاختلافات على الأمور الفرعية التي هي محل اجتهاد . وهذا أمر مشروع ولا ضرر فيه . وقد شجع الإسلام الاجتهاد وحث عليه، بأن جعل للمجتهد المخطئ أجراً واحداً وللمصيب أجرين .
وهناك إضافة إلى المذاهب الفقهية مذاهب كلامية تتعلق بشرح وتفسير أمور العقيدة، كما يتضح ذلك في مذاهب علماء الكلام . والمذاهب المعتبرة في هذا المجال متفقة في الأصول ولكنها قد تختلف في تفسير بعض القضايا التي لا تمثل -في رأينا- أي مساس بثوابت العقيدة الإسلامية، ولا يدخل في هذا الإطار بطبيعة الحال بعض الاتجاهات المتطرفة التي خرجت عن بعض ثوابت الدين .
أما الحقيقة الرابعة فإنها تتمثل في تحريم التكفير المتبادل بين المسلمين . فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من تكفير بعضنا للبعض الآخر، فقال: "أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" .
ومن هنا فإنه لا يجوز لأي مذهب أن يكفر أصحاب المذهب الآخر ويعتبر المذهب الوحيد الذي توصل إلى الحقيقة المطلقة، فكل الاختلافات بين المذاهب الرئيسية لا تعدو أن تكون اختلافات في وجهات النظر واجتهادات تخطئ وتصيب، والحكم في نهاية الأمر على مدى صحة أو عدم صحة أي من هذه المذاهب متروك أمره لله وحده كما جاء في القرآن الكريم: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد" .

* وزير الأوقاف المصري الأسبق