مما لا شك فيه أن الآباء المتعلمين يتمنون أن يصبح أبناؤهم أفضل منهم ولكن ليسوا هم فقط من يحرصون على تعليم أبنائهم وتفوقهم فهناك كثيرون لم يحصلوا على أي قدر من التعليم، وأبناؤهم أيضا متفوقون بل ويلحقونهم بمدارس أجنبية يتعلمون فيها أكثر من لغة، على الرغم من عدم إمكانية متابعتهم وعدم درايتهم بما يدرسونه، فإلى أي مدى يؤثر تعليم الآباء في تفوق الأبناء؟ وهل يشترط إتقان الآباء اللغات التي يتعلمها الأبناء للتواصل معهم؟

ذكاء الطفل عامل رئيس في تحديد تفوقه بصرف النظر عن مستوى تعليم الآباء، هذا ما تراه عناية جفار، ربة منزل، تقول: يلعب ذكاء الطفل دوراً كبيراً في تحديد مدى تفوقه وهذا ما لاحظته في تجربتي مع أبنائي، فابني الصغير عمره 4 سنوات ولم يذهب حتى الآن إلى المدرسة، لكنه يحفظ ما أشرحه له وأحرص على تعليمه اللغات بنفسي، بينما أخته الأكبر سنا لا أذاكر معها وتعتمد على نفسها في تحصيل دروسها وهي من المتفوقات في المدرسة .

توافقها الرأي نجلاء عدنان محمد، ربة منزل، تقول: نجاح الطالب وتفوقه يرجعان إلى نسبة ذكائه لا إلى مستوى تعليم الأهل، ومسألة الذكاء وراثية فالأب أو الأم اللذان يتسمان بالذكاء نجد أبناءهما أيضا أذكياء، فأبنائي متفوقون دراسياً على الرغم من أنني لا أدرسهم ويعتمدون على شرح المعلمة فقط، فالذكاء نعمة إلهية وليس لنا دخل فيها .

إن غرس أهمية العلم في نفوس الأطفال من الصغر عامل كبير في رأي يوسف موسى، صاحب ملحمة في الشارقة، الذي يقول: أبي لم يكن متعلما ولديه 4 أبناء أصبحوا مهندسين ووصلوا إلى درجات علمية كبيرة، لكن الأب كان دائما بداخله إصرار على أن يكون الأبناء أفضل منه ودائماً كان يحثهم على أهمية العلم ويذكر لهم القدوة والمثل وكيف وصل الآخرون ونجحوا في حياتهم واستطاعوا بناء مستقبل أفضل لهم ولأبنائهم من خلال العلم، فقد كان يغرس فيهم دائماً أهمية الاعتماد على النفس، وبالفعل استطاعوا تحقيق ما يتمناه وأكثر . وليس شرطاً أن يكون الآباء متعلمين، ولكن المهم أن يزرعوا في نفوس الأبناء أهمية العلم في تحديد مستقبلهم وتحقيق أحلامهم ومتابعتهم دراسياً، ولا أقصد هنا بتدريسهم ولكن بمعرفة ما أخذوه في المدرسة وهل انتهوا من مذاكرته أم لا وتهيئة الجو المناسب لهم في البيت .

تختلف معه سها نصري الجعفراوي، ربة منزل، تقول: بالتأكيد مستوى تعليم الآباء يلعب دورا كبيرا في تفوق الأبناء، فأنا حصلت على تعليم ثانوي وعندما أدرّس بعض المواد للأبناء أجد صعوبة في شرح بعض النقاط لهم، وأطلب منهم أن يتوجهوا لوالدهم لمساعدتهم في فهمها، فلو كان تعليمي جامعياً لسهل عليّ مساعدتهم، لأن الأب في أحيان كثيرة يكون في عمله، ولا شك فالأبناء الذين تلقى والداهم تعليماً جامعياً سيكونون أفضل، وعلى الرغم من ذلك فالأبناء جميعهم في مدارس منهجها بريطاني ويدرسون المواد باللغة الإنجليزية، لأننا نطمح في النهاية إلى أن يكونوا أفضل منا وتكون أمامهم فرص عمل كثيرة ومتنوعة في المستقبل، حتى لو لم نستطع تدريسهم بأنفسنا .

وتوافقها الرأي والدتها صباح سمارة، مدرسة متقاعدة، وتقول: في الماضي كانت المناهج سهلة وغير معقدة مثلما هي الآن، وكنت أقوم أنا بمهمة الشرح لأبنائي حتى الثانوية العامة، وكانوا يفهمون مني، أما الآن فالمناهج معقدة ويتم تدريسها باللغات الأجنبية لذلك هناك صعوبة في التواصل مع الأبناء إلا إذا كان الآباء تخرجوا في الجامعة، وليس شرطا أن يتوقف تعليم الأبناء على تعليم الآباء، فالآن أصبح الآباء لديهم طموح في أن يكون الأبناء مستواهم أفضل دراسياً .

وتوافقها أيضا شروق قاسم، ربة منزل، وتقول: تعليم الآباء له تأثير كبير في تعليم الأبناء والشاذ أن نجد الأبناء متفوقين وحدهم من دون أن يكون الآباء متعلمين، فهذا الذكاء يكون منحة إلهية، وتعليم الأبناء وتفوقهم مسؤولية مشتركة يتعاون فيها كل من البيت والمدرسة، وعندما يكون مستوى أحدهم أقل يضعف مستوى الطالب ولا يحقق التفوق ولكل قاعدة شواذ .

بينما ترى سماء سنكري، موظفة في سيتي سنتر الشارقة، أن تعليم الأهل يلعب دوراً كبيراً في تفوق الأبناء لأنهم يستطيعون متابعتهم دراسياً . وتقول: الأم بالتحديد يقع عليها عبء كبير في متابعة الأبناء عقب عودتهم من المدرسة ومعرفة ما أخذوه على مدى اليوم، ومتابعتهم في عمل الواجبات المختلفة وشرح ما صعب عليهم فهمه . لذلك إذا لم تكن متعلمة فسيضطر الأبناء إلى الاكتفاء بشرح المعلمة الذي يكون في أحيان كثيرة غير كافٍ، وهذا الزمن بالتحديد يتطلب من الأهل متابعة الأبناء دراسياً حتى يستطيعوا العبور بهم بنجاح، لأن المواد التي تدرس صعبة ومعقدة والكل يطمح إلى مستويات تعليم أكبر للأبناء حتى تتوافر لهم فرص العمل الجيدة في المستقبل .

ويركز باسم قاسم، تاجر في الشارقة، على أهمية تعليم الأم أكثر من الأب ويقول: تعليم الأم له تأثير كبير في تعليم الأبناء، فهي التي تجلس معهم مدة أطول في البيت خاصة بعد مجيئهم من المدرسة، كما يقع عليها العبء في تدريسهم ومتابعتهم دراسياً، والسؤال عنهم في المدرسة ومعرفة مدى تحصيلهم، لذلك إذا كانت متعلمة فسيكون لذلك مردود جيد على الأبناء ونجاحهم الدراسي، أما إذا لم تكن كذلك فسيؤثر فيهم سلباً .

وترى فاطمة عمر بيضون، ربة منزل، أن مسألة تعليم الأبناء ترجع في الأساس إلى الابن وليس لها علاقة بالأهل . تقول: لي أربعة أبناء وهم جميعا متعلمون تعليماً جامعياً، ومنهم مهندس الطيران ومهندس الديكور وكلهم وصلوا إلى أعلى الدرجات من دون مساعدة مني أو من والدهم، فالابن الذي يضع أمامه هدفاً ويسعى لتحقيقه يصل من دون مساعدة أحد .

أمينة الفلاسي، مساعدة المديرة في مدرسة الصفوح، تقول: ليس شرطا أن يكون الآباء متعلمين حتى يتعلم الأبناء، فقد كانت النصيحة لنا تكفي لمواصلة تعليمنا وكانت دافعاً لنا للالتحاق بالجامعة ومواصلة دراستنا الجامعية على الرغم من عدم تعلم الآباء، بينما الجيل الحالي معظمه متعلم ويركز على تعليم الأبناء وغرس أهمية العلم فيه، ويظهر ذلك جليا من الزيارات التي يقومون بها إلى المدرسة بانتظام للوقوف على مستوى تعليم الأبناء، لكن تفوق الطالب وتميزه لا يرتبطان بتعليم الأهل، فهما نابعان من ذاته ويكون أمامه هدف يريد أن يحققه .

يقول عبدالله الحوسني، الاختصاصي الاجتماعي في مدرسة الراشدية في عجمان، إن تعليم الأهل وتأثيره في تعليم الأبناء ليس قاعدة ثابتة، ففي حالات كثيرة هناك آباء وأمهات لم يحصلوا على قدر من التعليم ونجد أبناءهم من الأوائل ومتفوقين دراسياً، وهذا لا يمنعنا من الاعتراف بأن المستوى التحصيلي للآباء له دور كبير في تفوق الأبناء، من حيث المتابعة والتوجيه وحثهم على التحصيل الدراسي والتفوق الدائم وتوجيههم نحو اختيار التخصص السليم في مرحلة الجامعة .

يضيف: في أوقات كثيرة نفاجأ بأن هناك آباء متعلمين وحصلوا على درجات تعليمية أفضل من البكالوريوس وأبناؤهم غير متفوقين، وربما يرجع ذلك إلى الظروف الاجتماعية التي يعيشها الطالب، حيث ينشغل كل من الأب والأم بعالمه الخاص وبمحاضراته واجتماعاته وندواته وينسى أبناءه، فالتماسك الأسري يلعب دوراً كبيراً في تفوق الأبناء وغالبا ما يكون أهم من تعليم الآباء .

وتوافقه الرأي عائشة الحمادي، مدرسة لغة إنجليزية بمدرسة الشارقة النموذجية، وتقول: مسألة تعليم الآباء ليس لها علاقة بتفوق الأبناء الدراسي، ومن خلال تجربتي ومعايشتي للمجتمع من حولي فالأم المتعلمة والعاملة لا يكون لديها الوقت الكافي لتعليم الأبناء أو الاهتمام بهم دراسياً، فهي دائما تعود إلى البيت منهكة ولا تستطيع التوفيق بين متطلبات الزوج والبيت والأبناء، فيكون الضحية هم الأبناء الذين لا يستطيعون الشكوى من عدم اهتمامها بهم، بينما الأم التي حرمت من التعليم دائما بداخلها الرغبة لكي يكون الأبناء أفضل منها وتظل تحثهم على المذاكرة وتهيئة الأوضاع والمناخ الهادئ والمستقر حتى يستطيعوا التفوق والحصول على أعلى الدرجات، وإن كانت لا تستطيع متابعتهم فتظل وراءهم تساعدهم بالدروس الخصوصية أو بمتابعة المعلمين في المدرسة .

وبحسب د . محمد محمود أبو العينين، أستاذ علم الاجتماع في جامعة الإمارات، فإن الدراسات الحديثة أثبتت وجود علاقة طردية بين مستوى تعليم الآباء وتعليم الأبناء، فكلما زاد مستوى تعليم الأب والأم ساعد ذلك على زيادة المستوى التعليمي للأبناء والعكس صحيح، فالآباء غير المتعلمين، يكون لديهم حالات تسرب للأبناء من التعليم أو يحصل أبناؤهم على قدر بسيط من التعليم . ويقول: هذه ليست قاعدة، فهناك بعض الاستثناءات، فجيلنا الحالي جاء لآباء وأمهات غير متعلمين ولكن كان لديهم اقتناع بأهمية التعليم عاملاً رئيساً في تحسين مستوى المعيشة والأسرة، والآباء المتعلمون يساعدون الأبناء في تحصيلهم الدراسي بتشجيعهم على مواصلة تعليمهم وكذلك يرى فيهم الأبناء القدوة والمثل الأعلى، وعندما يكون الأب والأم متعلمين ينشأ الأبناء في وسط اقتصادي جيد، حيث يكون لديهما وظائف جيدة تدر عليهما عائداً جيداً يساعد الأسرة في دعم العملية التعليمية، وهذا على عكس الآباء غير المتعلمين فلا يكون لديهم وظائف جيدة ودخلهم أقل، فيؤثر ذلك في دخل الأسرة وفي دعمهم للعملية التعليمية، وكلما كان الأب والأم متعلمين كان عدد أبناء الأسرة أقل وبالتالي كان لحصة التعليم نصيب أكبر من دخل الأسرة، بينما الآباء غير المتعلمين ينجبون أبناء أكثر ويعدّونهم نوعا من الحماية والدعم ومصدر للدخل لهم ويقل إنفاقهم على تعليمهم، ولذلك يرتبط تعليم الأب والأم بدرجة كبيرة بتعليم الأبناء وتفوقهم الدراسي .

يضيف: لا يمكننا أن نستثني من ذلك وجود أسر غير متعلمة تشجع أبناءها على التعليم، وهم يرون في ذلك مخرجاً لهم من وضعهم الاقتصادي المتدني إلى وضع أفضل، كما يرجعه آخرون إلى نوع من الطموح والتقليد الاجتماعي والمحاكاة، أو لأن التعليم أصبح ثقافة عامة بدأت تنتشر في المجتمع وساعد على ذلك الإعلام عند تجسيده لشخصيات عظيمة في المجتمع مثل الطبيب والمحامي ووكيل النيابة، وهذا دعا الكثيرين لاتخاذهم مثلا أعلى يسعون إلى محاكاتهم، أو يرى الآباء أنهم عانوا كثيراً في حياتهم ويتمنون الأفضل لأبنائهم .