قال تعالى: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً"، (النساء: 1) .
وقال: "وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً"، (النساء: 2) .
السؤال: لِمَ قيل: "اتقوا ربكم" ولم يقل: اتقوا الله؟
الجواب: لأن من معاني الرب: الإصلاح والتربية والتدبير والإحسان، وفي ذلك حث للعباد على امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وعلى أن يجعلوا بينهم وبين سخطه وقاية ، ولأن المقام مقام ترغيب ، كان من الملائم إيثار التعبير بالربوبية هنا، وخولف ذلك بالتعبير بالألوهية في قوله تعالى: "واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام"، (النساء: 1) في الآية نفسها لأن المقام مقام تشريع فناسبه التعبير بالألوهية ، لإدخال المهابة والرَّوْع في نفوس المخاطبين والسامعين . والله أعلم .

قدرة الله المطلقة

السؤال: ما علاقة الأمر بالتقوى في قوله تعالى: "يا أيها الناس اتقوا ربكم" بخلق المخاطبين من نفس واحدة؟
الجواب: لأن في خلق البشر جميعهم من نفس واحدة أي من آدم - عليه السلام - ومن حواء دلالةً على طلاقة القدرة الإلهية، ومن تلك القدرة عقاب العصاة، فالتدبر في ذلك يؤدي إلى تقواه تعالى بتوحيده وتنزيهه - سبحانه - عن النِّد والشريك، والاعتراف له - سبحانه - بصفات الكمال .
ولأنه يدل على النعمة السابغة على البشر، حيث خلقهم - سبحانه - في أحسن صورة، وفي أحسن تقويم، فكان لزاماً على الناس أن يتقوا ربهم فلا يجحدونها ولا يفرطون في القيام بحق شكرها .
أو أن المراد بالتقوى تقوى خاصة وهي أن يتقوه - تعالى - فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله، فقيل: اتقوا ربكم الذي خلقكم من أصل واحد، ومن نسب واحد، وهذا من موجبات مراعاة حقوق الأخوة بينهم . والله أعلم .
السؤال: ما سر وصف الرجال بالكثرة دون النساء في قوله تعالى: "وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً"، (النساء: 1) مع أن النساء أكثر من الرجال؟
الجواب: للإشارة إلى أن للرجال عليهن درجة، ولأنهم أقوى وأظهر في مرأى العين، لما لهم من الظهور والانتشار، وللنساء من الاختفاء والاحتشام والاستتار . والله أعلم .

خلقان متفاوتان

السؤال: ما سرّ إعادة فعل (الخَلْق) في قوله تعالى: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها"، (النساء: 1)، حيث كان من الممكن أن يقال: الذي خلقكم من نفس واحدة وزوجها، بعطف مفعوله على مفعول الفعل الأول على غرار قوله تعالى: "يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم"؟
الجواب: لإظهار ما بين الخَلْقَيْن من التفاوت، فالخلق الأول وهو خلق آدم - عليه السلام - بطريق التفريع من الأصل وهو الطين، والخَلْق الثاني - حواء - بطريق الإنشاء من المادة، حيث إنها خُلِقَت من ضلع آدم - عليه السلام - والله أعلم .
السؤال: ما نوع (مِن) في قوله تعالى: "خلقكم من نفس واحدة"؟
الجواب: لابتداء الغاية ، لأن ابتداء الخلق للبشر بدأ - بآدم عليه السلام -والله أعلم .
السؤال: ما علة تقديم الجار والمجرور على المفعول به في قوله تعالى: "وخلق منها زوجها"؟
الجواب: للاهتمام بالمقدم، والتشويق للمؤخر وللاعتناء ببيان مبدئية خلق آدم - عليه السلام - لحواء . والله أعلم .
السؤال: من المقصود بقوله تعالى: (زوجها )؟ ولِمَ عُبِّرَ بالزوجية؟
الجواب: المقصود حواء . وعُبِّرَ بالزوجية توطئةً لما بعده من التناسل في قوله تعالى: "وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً"، (النساء: 1) . والله أعلم .
السؤال: لِمَ قيل: "وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً" ولم يُقَل: ذكوراً وإناثاً؟
الجواب: لتأكيد الكثرة، وللمبالغة فيها . والله أعلم .
السؤال: لِمَ كُرِّرَ الأمر بالتقوى في قوله تعالى: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة" وقوله: "واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام"؟
الجواب: لتأكيد التقوى، وللتنبيه عليها . والله أعلم .
أو أن المراد بالأمر الأول بالتقوى تقوى عامة كاتقاء عذاب الله، والتقوى الثانية تقوى خاصة كصلة الأرحام . والله أعلم .
السؤال: ما علة ذكر الأصل الإنساني في قوله تعالى: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً"، (النساء: 1)؟
الجواب: للتذكير بالرابطة الإنسانية التي ينتظم تحتها جميع العالم الإنساني، وذلك حَثَّاً على التعاطف والتواد والرحمة وعدم الاختلاف ، ولينبه بذلك على أن أصل الجنس الإنساني كان عابداً لله تعالى، ويفرده بالتوحيد والتقوى، طائعاً له، فكذلك ينبغي أن تكون سلالته التي نشأت منه . والله أعلم .

فضل صلة الرحم

السؤال: وردت في قوله تعالى: (تساءلون) و(الأرحام) قراءتان، فما هُما؟ وما توجيه المعنى بناء عليهما؟
الجواب: قرأ الجمهور (تسَّاءلون) بتشديد السين، والأصل (تساءلون) وأُدغمت التاء في السين بعد إبدالها سيناً لقرب التاء من السين في المخرج، واتحادهما في الصفة وهي الهمس .
وقرأ حمزة وعاصم والكسائي وخلف (تساءلون) بتخفيف السين، وحذفت تاء الافتعال تخفيفاً .
وقرأ الجمهور (الأرحام) بالنصب عطفاً على اسم الله تعالى، ومن الأحاديث التي تدل على فضل صلة الرحم أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرني بعمل يدخلني الجنة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تعبد الله، ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم"، (عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه) .
وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرحم شُجْنةُ متمِسكة بالعرش تكلم بلسان ذُلَق، اللهم صِلْ من وصلني واقطع من قطعني، فيقول تبارك وتعالى : أنا الرحمن الرحيم، وإني شققت للرحم من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن نكثها نكثته" .
وعن أبي ذر- رضي الله عنه - أنه قال: "أوصاني خليلي ألا تأخذني في الله لومةُ لائم، وأوصاني بصلة الرحم وإن أدبرت" .
وقرأ الجمهور بنصب (الأرحام) التقدير: واتقوا الأرحام أن تقطعوها . وقرأ حمزة (والأرحامِ) عطفاً على الضمير المجرور في (به) .
والمعنى على قراءة الجمهور يكون الأرحام مأموراً باتقائها على المعنى المصدري، وهو على حذف مضاف، والتقدير: اتقاء حقوقها .
وعلى هذه القراءة فالآية ابتداء تشريع، وهو مما أشار إليه قوله تعالى: "وخلق منها زوجها" .
وعلى قراءة حمزة يكون تعظيماً لشأن الأرحام أي التي يسأل بعضكم بعضاً بها، وذلك قول العرب (ناشدتك الله والرحم) . والله أعلم
السؤال: لم عبر ب (كان) الدالة على الانقطاع في قوله تعالى: "إن الله كان عليكم رقيباً" . حيث أفاد معنى أنه - سبحانه - اتصف بالحفظ فيما مضى وانقطع، وهذا محال على الله تعالى؟
الجواب: (كان) في الآية الكريمة وفي نظيراتها تفيد الاستمرار أي أن الله تعالى متصف بأنه رقيب على عباده أزلاً وأبداً، أي كان ولايزال وسيظل . والله أعلم .

حث على الأمانة

قال تعالى: "وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً"، (النساء: 2 ) .
إضاءة: في الآية الكريمة حث لأوصياء اليتامى على المحافظة على أموال اليتامى وصونها حتى يبلغوا الحلم فيردوها إليهم سالمة غير متعرضين لها بنهب أو طمع .
السؤال: اليتيم لا يُمَكَّن من ماله إلا بعد بلوغه الحلم وإيناس الرشد منه وحينئذ يرتفع اليتم عنه، فكيف جاز إطلاق الوصف - اليتامى - حين أخذهم أموالهم؟
الجواب: في لفظ اليتامى في الآية الكريمة مجاز مرسل باعتبار ما كان، والمقصود الذين كانوا يتامى، لأنهم حين أخذهم أموالهم كانوا بالغين، ولا يُتْم بعد البلوغ، فعدل القرآن عن أن يقول: أعطوا الذين كانوا يتامى وقد بلغوا سن الرشد أموالهم قصداً للإيجاز، وتحاشياً للإطالة . والمجاز هنا أبلغ من الأسلوب الحقيقي وأوفى بالمعنى ، ذلك لأن إطلاق اليتامى عليهم يذكر المخاطبين بالوعيد الشديد إن أكلوا شيئاً من أموالهم أو بدلوا الخبيث بالطيب، وأيضاً فإن في المجاز دعوة إلى وجوب الشفقة عليهم والرحمة بهم ، حيث إنهم حديثو عهد بيتم، وقصر تصرف . والمراد بإيتاء أموالهم قطع أوصياء اليتامى أطماعهم الفارغة عن أموال اليتامى، وكف أكفهم الخاطفة عن اختزالها، وتركها على حالها غير متعرض لها بسوء حتى تصل إلى اليتامى سالمة كما ينبئ عنه ما بعده من النهي عن التبدل والأكل .
والإيتاء بناء على هذا التأويل حقيقي، والمراد به حفظها وعدم المساس بها .
أما اشتراط الإيتاء بالبلوغ وإيناس الرشد كما يدل عليه قوله تعالى: "وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم"، (النساء: 6)، فإن التعبير باليتامى مجاز مرسل باعتباره ما كان، للإشعار بوجوب توصيل أموالهم إليهم لا مجرد عدم المساس بها، أو حفظها . والله أعلم .

عناية كاملة شاملة

السؤال: ما الغرض من تقديم لفظ اليتامى في الآية؟
الجواب: (إظهاراً لكمال وشمول العناية بهم، ولملابستهم بالأرحام، إذ الخطاب للأوصياء والأولياء، وقلما تفوض الوصاية لأجنبي ) . والله أعلم
السؤال: ما سر العدول عن حرف المصاحبة (مع) إلى حرف الانتهاء (إلى) في قوله تعالى: "ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم"، (النساء: 2 )؟
الجواب: في الآية الكريمة نهي للأوصياء عن إضاعة أموال اليتامى وذلك بالأخذ من أموال اليتامى بغير حق وإهلاكها بتصرفات جائرة .
وذهب بعض المفسرين إلى أن (إلى) بمعنى (مع) ومنهم الزمخشري حيث قال (ولا تنفقوها معها، وحقيقته: ولا تضموها إليها في الإنفاق، حتى لا تفرقوا بين أموالكم وأموالهم، قلة مبالاة بما لا يحل لكم، وتسوية بينه وبين الحلال) .
والحق أنني لا أستريح إلى القول بتضمين تأكلوا معنى تضموا أي: ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم في الأكل ولا القول إلى أن (إلى) بمعنى المصاحبة (مع) ، لأنه لو كانت (مع) بدلاً من (إلى) لفهم منه أنه نهي عن إضاعة أموال اليتامى وأموال الأوصياء معاً، ولا يشمل النهي عن سلب مال اليتيم وضمه إلى مال الوصي بما يفيد أكل مال اليتيم فحسب، وهو المقصود من النهي ابتداء . والله أعلم .