أنزل الله كتابه الخالد القرآن الكريم لتتلوه الألسنة، وتستمع إليه الآذان، وتتدبره العقول، وتطمئن به القلوب . . ولذلك كان هذا الكتاب العظيم هو أكثر الكتب السماوية تلاوة على وجه الأرض، كما قالت الموسوعة البريطانية .
لأن تلاوة القرآن الكريم بخشوع وتدبر عبادة وقربى إلى الله وتجلب لمن يحرص عليها السكينة والطمأنينة والفوائد الكثيرة والمتنوعة؛ فقد جاءت آيات الكتاب العزيز وأحاديث الرسول الكريم تحث على التلاوة وترغب فيها، وتعد عليها بالثواب الجزيل والأجر العظيم . . يقول الحق سبحانه وتعالى: إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور .
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: الذي يقرأ القرآن وهو به ماهر، مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن يتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران .
قال العلماء: إنما كان له أجران، لأنه يؤجر على القراءة ذاتها، ويؤجر على ما يعانيه من الشدة والتتعتع والمشقة، وفي هذا دليل على مزيد حرصه على القراءة وقوة رغبته فيها رغم مشقتها عليه، وكم من مسلم كانت قراءة القرآن ثقيلة على لسانه، فما زال يكابد ويقرأ، حتى لان لسانه بالقرآن .
ومن أبرز منافع وفوائد قراءة القرآن بخشوع وتدبر أن هذه القراءة الواعية المستوعبة كما يقول الدكتور محمد الراوي أستاذ علوم القرآن، عضو مجمع البحوث في الأزهر تشفع لصاحبها يوم القيامة . . يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه . . ويدعم هذا المعنى حديث آخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه: من قرأ حرفاً من كتاب الله، فله حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف .
وفي حديث ثالث يقول عليه الصلاة والسلام: يقول الرب تبارك وتعالى: من شغله القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه .
وعن عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة . . يقول الصيام: أي ربي منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم في الليل فشفعني فيه . . قال فيشفعان .
ولفضل تلاوة القرآن وعظيم بركتها على الإنسان الحريص عليها الملتزم بآدابها وأخلاقياتها كانت محل حسد من الناس . . يقول عليه الصلاة والسلام: لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له . . فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالاً، فهو يهلكه في الحق . . فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل .
والمراد بالحسد في الحديث: الغبطة، وهو أن يتمنى أن يكون له مثل ما للشخص المحسود من الخير والنعمة، وهذا محمود بخلاف الحسد بمعنى تمني زوال النعمة عن الغير فهذا من كبائر معاصي القلوب .
هداية المنافقين
قراءة القرآن، كما يقول الشيخ الراوي، تؤثر في الإنسان وتمهد لهدايته، حتى لو كان عاصياً أو منافقاً أو فاجراً . . يقول عليه الصلاة والسلام: مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة: ريحها طيب، وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة: لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق في رواية الفاجر الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة: ريحها طيب، وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر .
فهذا الحديث الشريف يبين أن قراءة القرآن لها نوع من التأثير أشبه بتأثير الرائحة الطيبة، حتى إنها تؤثر في المنافق أو الفاجر .
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: إن البيت الذي يتلى فيه القرآن اتسع بأهله وكثر خيره، وحضرته الملائكة وخرجت منه الشياطين، وإن البيت الذي لا يتلى فيه القرآن ضاق بأهله، وقل خيره، وخرجت منه الملائكة، وحضرته الشياطين .
وللقرآن كما يقول الداعية والفقيه الدكتور يوسف القرضاوي تأثير عجيب في قلب الإنسان، شهد به كل من سمعه من المسلمين والجاحدين برسالة الإسلام والمشككين في مصداقية القرآن، وهو ما جعل المشركين من أهل مكة يحاولون التشويش عليه عند تلاوته؛ خوفاً على نسائهم وصبيانهم وضعفائهم من سماعه، فقد يتأثرون به، ويؤمنون برسالة من بعثه الله به، يقول الحق سبحانه: وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون .
ولأن القرآن الكريم كلام الله وتلاوته عبادة يتعبد بها المسلم، فهناك آداب ينبغي أن يحرص عليها كل قارئ لكتاب الله، ومن أبرزها:
الترتيل: ويعني القراءة بتأنٍ وتمهل وتبين الحروف والحركات . . فالله سبحانه وتعالى يقول ورتل القرآن ترتيلاً .
تحسين الصوت بالقرآن، فالقرآن كلام حسن، بل هو غاية في الحسن، ولكن الصوت الحسن يزيده حسناً، فيأخذ بشغاف القلوب، ويهز المشاعر هزاً . . ولكن هناك خلافاً في المدى الذي يجوز للقارئ الانتهاء إليه، فهناك من تشدد، وهناك من رخص، وهناك من توسط، وخير الأمور الوسط، ولا خير في الإفراط ولا في التفريط .
من أعظم آيات التلاوة الباطنة التدبر لمعاني القرآن . . ومعنى التدبر: النظر في أدبار الأمور، أي في عواقبها ومآلاتها، وهو قريب من التفكر، وقد بين لنا الحق سبحانه وتعالى أنه لم ينزل القرآن إلا لنتدبر آياته ونتفهم معانيه، فقال عز وجل يخاطب رسوله: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب .
ويقول عز وجل محرضا على تدبر القرآن عند تلاوته أو الاستماع إليه أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، وقال أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها .
يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا في عالم ليس فيه تفهم، ولا في قراءة ليس فيها تدبر .
الخشوع والبكاء عند تلاوة القرآن . فالله سبحانه وتعالى يقول: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، فإن لم يجد له قلباً يخشع، ولا عيناً تدمع، ولا نفساً تحزن، فليتكلف ذلك وليحاوله ما استطاع، وهذا مطلوب عند تلاوة القرآن، وعند الاستماع له . . يقول الحق سبحانه: ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون . وقد ذكر الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين بعض ما ينبغي للمسلم عند قراءة القرآن، وأبرزها: فهم أصل الكلام، ثم التعظيم، ثم حضور القلب والتدبر والتأثر .
ومن لوازم التدبر والتأثر بالقرآن الذي يقرؤه المسلم أو يستمع إليه أن يتجاوب القارئ مع القرآن الذي يتلوه، ويتفاعل بعقله وقلبه، مع التلاوة، بأن يكون في حالة حضور ويقظة واستجابة لا حالة غيبة وغفلة وإعراض . . وصفة ذلك أن يشغل قلبه بالتفكر في معنى ما يلفظ به، يعرف معنى كل آية، ويتأمل الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك، فإن كان مما قصر عنه في ما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مر بآية رحمة استبشر وسأل، أو آية عذاب أشفق وتعوذ، أو آية تنزيه نزه وعظم، أو آية دعاء تضرع وطلب .
الإنصات
وإذا كان القرآن الكريم يتعبد بتلاوته، فإنه كما يقول الشيخ الراوي يتعبد باستماعه، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استمع إلى القرآن من الصحابة . . استمع إلى أبي موسى الأشعري وهو يقرأ القرآن بصوته الجميل، فقال: لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود . فبلغ ذلك أبا موسى، فقال: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيراً، واستمع ذات ليلة إلى عبدالله بن مسعود ومعه أبو بكر وعمر فوقفوا طويلاً، ثم قال: من أراد أن يقرأ القرآن غضاً طرياً كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد .
وللاستماع إلى القرآن آداب ينبغي أن يتحلى بها كل مستمع لكلام رب العالمين ومن أهمها:
الإنصات والإصغاء . . فالله سبحانه وتعالى يقول: وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون . . فالإنصات يساعد العقل على التدبر، والقلب على التأثر، وكلاهما يساعد الإرادة على التوجه .
التدبر والتأثر والتجاوب . . فالله سبحانه وتعالى يقول في وصف المؤمنين: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً . . ووصف سبحانه عباد الرحمن بقوله: والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً .