يتفنن مهربو المخدرات في تمرير سمومهم عبر منافذ السفر من خلال وسائل مبتكرة، فبين الأجهزة الكهربائية، والكتب، والملابس، والفاكهة، هناك الجديد دائماً، لكن الغريب أن تتحول أحشاء الإنسان نفسه إلى حاوية لتهريب المخدرات، إذ تطالعنا كل يوم الصحف باكتشاف أناس هانت عليهم حياتهم، يهربون كبسولات أدخلوها في بطونهم للمرور عبر المنافذ الجمركية .
من هم هؤلاء البشر القادرون على تحمل أعراض الموت، والصيام لأيام حتى لا يضطروا لإخراج ما ابتلعوه من سموم؟ وما المقابل لتلك المهام الانتحارية؟ وهل لذلك آثار سلبية في صحتهم؟
أسئلة توجهنا بها إلى بعض المعنيين بالقضية في محاولة للإجابة عنها .
يقول الرائد د . جمعة سلطان الشامسي، مدير إدارة التوعية والوقاية بالإدارة العامة لمكافحة المخدرات في شرطة دبي، إن تهريب المخدرات داخل أحشاء الإنسان من الأساليب القديمة التي تطورت خلال العشرين سنة الماضية، وخلال عملي كرئيس قسم المطارات، كانت عصابات تهريب المخدرات تستخدم مطار دبي كموقع استراتيجي . تمر منه بعض الجنسيات الإفريقية والآسيوية، التي تحمل داخل أحشائها كبسولات وحاويات صغيرة تحمل مواد مخدرة . وبعد دخول دبي يتم تفريغ تلك الكبسولات، وتهريبها في وسائل أخرى ونقلها إلى إفريقيا وأوروبا .
وحول طريقة اكتشاف هؤلاء الأشخاص يقول: هناك أمران يعتمد عليهما شرطي المخدرات في ضبط تلك الضبطيات، الأول هو الاشتباه في الشخص من خلال لغة الجسد، إذ تبدو عليه بعد علامات الاضطرابات الناتجة عن خوفه الشديد، إضافة إلى حالته الجسدية، إذ تبدو عليه آثار الإجهاد والتعب الشديد، وآثار جفاف الفم الذي تصدر منه رائحة كريهة، كما أنه يتجشأ كثيراً لأن الشخص المحمل بتلك السموم يدخل جسده كمية كبيرة من الكبسولات، قد يصل عددها إلى أكثر من 80 كبسولة، قبل دخوله الطائرة بست ساعات، ويصل إلى مطار دبي، وتكون طائرته بعد نصف يوم أو أكثر، فتبدأ عليه أعراض الوهن لأنه لا يأكل ولا يشرب إلا بقدر يبقى على حياته فقط، حتى لا يضطر إلى إخراج ما في بطنه .
وحول الاجراءات المتبعة حيال المشتبه في حملهم كبسولات مخدرة داخل أجسادهم يقول: تجري العادة في قضايا المستخدمين لمطار دبي للمرور إلى دولة أخرى ألا ندخله دبي، ونكتفي بضبطه واستكمال أوراقه وتسليمه إلى البلد المتجه إليه . لأننا في حال أدخلناه سنسجله في عدد الضبطيات المسجلة داخل دبي، وهذا يعطي أرقاماً خاطئة . كما أنه سيكلف الكثير من الوقت والجهد، حيث يمكث المضبوط في المشفى من خمسة إلى ستة أيام حتى يخرج ما بجسمه من كبسولات . ثم يحول إلى النيابة ويأخذ حيزاً من التوقيف، والحراسة، والغذاء، والعلاج، ثم يحول من النيابة إلى المحكمة، ويأخذ بعض الوقت هناك، ثم يحكم عليه بعدة سنوات، وبعد عام يبعد إدارياً .
ويؤكد الشامسي أن نسبة كبيرة من هؤلاء المهربين بعد الكشف عليهم تبين أنهم مصابون بمرض نقص المناعة الإيدز . وعندما يفقد كل منهم الأمل في العلاج والشفاء، يمتهن تلك المهن الخطرة التي قد تكلفة سنوات عدة في السجن .
ويقول مع تطور استراتيجية التهريب، طورت إدارة مكافحة المخدرات من أدائها والتقنيات، واستعانت بماسح ضوئي يظهر ما في داخل جسم الإنسان . ومن ثم بدأنا في تعريض المشتبه للمسح الجسدي، ومن ثم نرسل الحالات المتأكد منها إلى المستشفى للتأكد طبياً من ذلك .
ويشير إلى أن هناك عمليات تهريب تضبط بعد تمكن بعض المهربين من الخروج بكبسولات مخدرة .
وحول طريقة إدخال المهربين للمخدرات إلى داخل الجسم، وطريقة إخراجها يقول د . سمير العوضي، رئيس قسم الجهاز الهضمي بمستشفى راشد، إن مهربي السموم يحفظون المواد المخدرة في كبسولات مصنوعة من القصدير، حتى لا تتفاعل مع عصارات المعدة ويتم امتصاصها .
ويؤكد أن هناك طريقتين لإدخال تلك الكبسولات المحملة بالسموم ، أولاهما عن طريق البلع ويكون نهايتها في المعدة . أما الثانية فتكون عن طريقة الشرج، وفي تلك الحالتين يقلل حامل تلك الكبسولات في جسمه من تناول الطعام، وشرب الماء ويصبح في حالة تشبه الصوم، حتى لا تنقبض عضلات المعدة وتتكون عنده رغبة في الإخراج .
ويشير العوضي إلى أن بعض الحالات التي عرضت عليه، تبين بعد فحصها أنها تحمل أكثر من 100 كبسولة تحوي بداخلها مواد مخدرة . ويصل وزن الواحدة منها أحياناً إلى 100 غرام . وهو ما يعرض حياة من يحملون تلك السموم إلى خطورة بالغة، في حال تسرب أو انفجار إحدى الكبسولات داخل المعدة .
ويضيف: لا ننصح الأطباء بإخراج الكبسولات المحملة بالمخدرات عن طريق منظار المعدة أو القولون، ولكن هناك طرق أكثر أماناً . وهو ما تقرره الحالة الصحية للشخص نفسه، ويمكن للشخص الذي يحمل عدداً بسيطاً من الكبسولات، والصحة العامة له مستقرة، أن يترك تحت الملاحظة والمتابعة اليومية، حتى يخرج ما في بطنه بشكل طبيعي مع إعطائه بعض المسهلات التي تساعده على ذلك .
أما في الحالات الخطرة التي يدخل صاحبها في غيبوبة شبه تامة، يفقد السيطرة فيها على جسمه، ينصح بالتدخل الجراحي المفتوح، للتخلص من تلك السموم خارج الجسم .
هناك مهربون تسوء حالتهم الصحية ويحتاجون عند ضبطهم إلى إسعافات، يقول د . عمر الثقاف، مدير إدارة الدعم الفني واستشاري فني طب الطوارئ بمؤسسة خدمات إسعاف دبي: إن أغلب هذه الحالات يظهر عليها علامات ضيق شديد في التنفس، وشبه فقدان تام للوعي، وهو ما تظهره حدقة العين . كما أن بعضهم يكون لديه هبوط حاد في الدورة الدموية، وعدم توازن يفقده التركيز والتحكم في جسمه وتدفعه المواد المخدرة إلى التقيؤ والإسهال . ومنهم من يصاب بنزيف داخلي من كثرة عدد الكبسولات الموجودة في أحشائه، كما يصاب أغلب تلك الحالات بحالة شديدة من الارتعاش، وضبابية الرؤية .
ويضيف: هناك بعض المهربين يدخلون أعداداً كبيرة من الكبسولات، عن طريق عمليات تجرى لهم تحت التخدير الكلي . حتى لا يشعر المهرب بألم بعده يحصل على كمية من المسكنات حتى يبدو طبيعياً أثناء مروره في منافذ السفر .
يعتبر د . أسامة الموسى اختصاصي العلاج النفسي والسلوكي، أن مهرب المخدرات داخل أحشائه مريض نفسي بما تحمله الكلمة من معنى، إذ تصل به قناعاته ومعتقداته النفسية إلى طريق مسدود، ويشبه المريض المصمم على الانتحار . وهو ما يدفعه إلى إلقاء نفسه في التهلكة ولا يبالي بالسجن والإعدام .
ويضيف: يبحث مهربو المخدرات في الدول الفقيرة عن تلك النوعية من الأشخاص ليكونوا حاويات للتهريب، لحاجتهم الشديدة للمال، لأن منهم يكون على استعداد لفعل أي شيء مقابل توفير أبسط سبل العيش لعائلته .
كما يستخدم هؤلاء المجرمون المرضى بأمراض عضوية خطرة مثل السرطان أو الإيدز، ويستغلون الحالة المعنوية المتدنية التي عليها هؤلاء الضعفاء، لأنهم يكونون على علم من الأطباء والمحيطين أن تلك الأمراض لا شفاء منها، ومنهم من يحدد له الطبيب عدد السنوات أو الأشهر التي سيعيشها . ومن ثم يكون المريض في حالة هستيرية تدفعه لفعل أي شيء، وليس لديه مانع أن يقتل أو يسرق أو يهرب المخدرات، رغم علمه بعواقب تلك الأفعال ونتيجتها المهلكة .
ويؤكد الموسى أن العلم الحديث لم يقف عاجزاً أمام الحاويات الآدمية لتهريب المخدرات، ليس من خلال الأجهزة التي تكشف ما بداخل الإنسان فقط، لكن هناك تقنيات يتدرب عليها مسؤولو الضبط في المطارات وأقسام مكافحة المخدرات، فمن خلال لغة الجسد، والشكوك التي يرسمها حوله المهرب، يمكن للأجهزة المعنية التعرف إليه، لما يحدثه من حركات خوف، واضطراب داخلي، وخطوات ونبرات صوتية يعرفها المتخصصون .
كبسولات الموت
بحسب الرائد د . جمعة سلطان الشامسي، مدير إدارة التوعية والوقاية بالإدارة العامة لمكافحة المخدرات في شرطة دبي، عثر أحد عمال النظافة بجوار حاوية المهملات في أحد شوارع دبي، على حقيبة سفر بداخلها جثة لرجل . وبالكشف عليه من خلال الطب الشرعي، تبين أنه كان يحمل في أحشائه عدداً كبيراً من الكبسولات المحشوة بالمخدرات، وتوفي بعد انفجار أغلبها في بطنه .
كما توفيت إحدى الإفريقيات أثناء بلع عدد من الكبسولات، إذ فتحت أحد الكبسولات بمجرد دخولها إلى جسمها، ما أدى إلى موتها في الحال، وتم التعرف إليها بعدما صدر من غرفتها رائحة كريهة .
ودولياً، لاحظ مفتش الأمتعة في مطار ميامي الدولي أحد الركاب ويدعى غوميز، يتعرق بإسراف وكأنه يعاني اضطرابات مرضية، وعند سؤاله عن الحقائب أجاب أن معه حقيبة واحدة . في هذا الوقت بدا الراكب غير قادر على الوقوف، وكانت يداه ترتجفان بشدة، طلب المفتش منه أن يتناول دواءه إن كان مريضاً، فادعى أنه مخموراً، لكن المفتش لم يشتم منه رائحة للكحول . في هذه الأثناء تدهورت حالته الصحية بشدة، ما جعل رجال المطار يتصلون بالمساعدة الطبية، ويستعينون ببعض الركاب الذين قدموا له الإسعافات الأولية حتى حضور سيارة الإسعاف .
داخل سيارة الإسعاف، وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة اعترف غوميز أن أحشاءه الداخلية تحمل كريات محملة بالمخدرات، وطلب منهم سرعة إنقاذه، لكن القدر لم يمهلهم، إذ وافته المنية قبل الوصول إلى المستشفى .
بعد نقله إلى الطب الشرعي، استخرج الأطباء من أمعائه 48 كرة صغيرة تحتوي على مخدر الكوكاين، أدخلها عن طريق المستقيم . وتبين سبب الوفاة هو انفجار إحدى كريات الكوكايين داخل جسمه .