ربانا رسول الله صلى الله عليه وسلم على القيم التربوية والأخلاقية التي تحفظ للمسلم نقاء عقيدته وتقوي صلته بخالقه وتمنحه الثقة في نفسه، وتضبط سلوكه تجاه الآخرين، وبالتالي تحقق له الاستقرار النفسي .
وقد تنوعت التوجيهات النبوية الكريمة التي تتلاقى لتحقق هذا الهدف النبيل، فالاستقرار النفسي يحتاج أولاً إلى الالتزام بالحلال والحرام، وتجنب كل ما يتنافى مع الخلق الكريم .
يقول عبد الله بن عباس في الحديث الصحيح: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف .
هذه الوصية النبوية الكريمة وكما يقول الدكتور أحمد عمر هاشم، أستاذ السنة النبوية، الرئيس الأسبق لجامعة الأزهر تغرس في كل المسلمين الثقة بخالقهم سبحانه وتعالى، فهو وحده القادر على أن ينفعهم أو يضرهم، وعندما يؤمن الإنسان بذلك سيقوى إيمانه في خالقه وتقوى ثقته في نفسه، فلا يلجأ لأحد لا يملك له نفعاً ولا ضراً، وسيعتمد على عمله وجهده كي يحقق طموحاته وأهدافه في الحياة .
والوصية الأولى التي أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عباس في هذا الحديث الشريف هي احفظ الله يحفظك، وحفظ الله عز وجل يكون بالإيمان به والعمل بأوامره واجتناب نواهيه . وهذه الوصية تؤكد حاجة المخلوق إلى خالقه في كل أحواله . فإذا كان الإنسان ينشد السعادة والاستقرار والطمأنينة في حياته الدنيوية فإن طريق ذلك كله هو الالتزام الديني . والالتزام الديني يعني أن يدرك الإنسان حقيقة رسالته ودوره في الحياة، ويدرك أنه لن يستطيع أن يعيش من دون هدف، وهدف الإنسان المسلم تحدده له عقيدته ورسالته الدينية والدنيوية .
يقول الحق سبحانه وتعالى على لسان نبيه إبراهيم في وصفه لربه: الذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالذِي يُمِيتُنِي ثُم يُحْيِينِ . وَالذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدينِ، فالحياة الطيبة التي ينشدها كل إنسان في دنياه وأخراه لا بد للحصول عليها من الإيمان والعمل الصالح .
إذن فالإنسان الذي يحفظ الله كما أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف هو الذي يؤدي ما عليه من واجبات تجاه خالقه لكي يجني ثمرة ذلك حياة طيبة، يحفظه الله فيها من كل مكروه ويوفر له كل عوامل الطمأنينة والاستقرار . يقول الحق سبحانه إِن الذِينَ قَالُوا رَبنَا اللهُ ثُم اسْتَقَامُوا تَتَنَزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنةِ التِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدعُونَ، نُزُلاً منْ غَفُورٍ رحِيمٍ .
الاستعانة بالله
الوصية الثانية التي أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عباس في هذا الحديث الشريف هي قوله وإذا استعنت فاستعن بالله وهذه الوصية تبعث الثقة في النفس، فالإنسان الذي يحفظ الله ويؤدي ما عليه من واجبات دينية ودنيوية ليس في حاجة إلى أحد لكي يعينه على واجباته . . إنه يعرف طريقه جيداً .
يقول الدكتور محمود حمدي زقزوق، المفكر الأزهري المعروف: وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرض على الإنسان أن يرفض رفضاً قاطعاً كل أعمال الدجل والشعوذة والاعتقاد في الخرافات والأوهام واللجوء إلى من يزعمون علم الغيب، أو الاستعانة بأصحاب الأضرحة والقبور من أجل طلب الشفاء أو هلاك الأعداء أو قضاء الحوائج، فكل هذه أمور لا يقبلها عقل ولا دين .
إن موقف الإسلام من الذين يلجأون إلى هذه الوسائل المرفوضة واضح وحاسم، فاستعانة الإنسان ينبغي أن تكون بالله وحده، بعد اتخاذ جميع الوسائل الموصلة إلى الأهداف المرجوة . فالله سبحانه وتعالى هو وحده الذي يعلم الغيب، وهو وحده الذي بيده مقاليد كل شيء عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً، وهو سبحانه قريب من عباده، وليس في حاجة إلى وساطة من أي نوع والقرآن الكريم يطمئن الإنسان إلى هذه الحقيقة، وعندما يطمئن الإنسان إلى هذه الحقيقة تستقر نفسه ويشعر بالرضا .
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف .
العفو عند المقدرة
علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نتحلى بفضيلة ضبط النفس، وكيف نسيطر على مشاعر الغضب التي تنتابنا من وقت لآخر، وكيف نكون قدوة طيبة لغيرنا في التسامح والرحمة والعفو عند المقدرة .
والتوجيهات والوصايا النبوية التي تحمل هذه المعاني الجميلة والسلوكيات الحضارية كثيرة ومتنوعة . . منها قوله صلى الله عليه وسلم:
ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب .
وسأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: يا رسول الله، أوصني . فقال صلى الله عليه وسلم: لا تغضب، فردد مراراً، فقال: لا تغضب .
وسأل ابن عمرو رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ماذا يباعدني من غضب الله؟ فقال: لا تغضب .
مقاومة الغضب
لقد ركَب الله في الإنسان غريزة الغضب، كما ركز فيه غريزة الشهوة، لحكمة يعلمها سبحانه، فبالشهوة إلى الطعام يسعى في الأرض ويعمرها، وكذلك الشهوة الجنسية . هذه الغريزة تدفع الإنسان إلى أن يشبعها بالزواج، فيأتي النسل ويستمر هذا العمران، وتتحقق إرادة الله في بقاء هذا النوع الإنساني إلى ما شاء الله .
وركب الله في الإنسان الغضب، غريزة بها يُدافع عن نفسه، ويدفع عن حرماته، لكن كل شيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، فإذا استسلم الإنسان للشهوة، أو استسلم للغضب، خرج عن طَور الرشد الإنساني، وأصبح حين يستسلم لشهوته كالبهيمة، وحين يستسلم لغضبه كالسبع وكالوحش المفترس، لهذا أوصى الدين الإنسان بأن يكون ضابطاً لزِمام نفسه، قادراً على شهوته، وعلى غضبه، متحكِماً في هواه، والراشد من الناس هو الذي يضبط إرادته، بحيث يسيطر على الغرائز ويستعلي عليها، ويحكمها وفقاً لأوامر الله وإرشاده .
استقرار وسكينة
في مواجهة حمية الغضب المرفوضة التي تؤدي إلى التنازع والتقاتل بين الناس رسخ رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفوسنا كل القيم الفاضلة والأخلاق الحميدة التي تحمينا من كل الأزمات وتوفر لنا حياة سعيدة مستقرة، فأخلاقيات الإسلام توفر للإنسان السعادة والرضا وتزيل كل ما في نفسه من أحقاد وضغائن تجاه الآخرين .
وتعلمنا من رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أن أخلاقيات الإسلام كل لا يتجزأ، فالمسلم مطالب بالتخلق بقيم الرحمة والعفو والصبر والشكر والأمانة والوفاء والصداقة والتعاون على البر والتقوى والتواضع والحياء وغير ذلك من الفضائل التي جاء بها الإسلام .
والتزام الإنسان بكل هذه القيم لا شك يوفر له الاستقرار النفسي والسكينة والسعادة ويخلق له حالة من الرضا الداخلي ويحسن علاقته بالآخرين .
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه مثلاً أعلى للخلق الذي يدعو إليه، وكان يغرس في أصحابه هذا الخلق السامي بسيرته العطرة، قبل أن يغرسه بما يقوله من حكم وعظات .
قال عنه خادمه أنس بن مالك، رضي الله عنه: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما قال لي أف قط، ولا قال لشيء فعلته لم فعلته، ولا لشيء تركته لم تركته . كانت الخادمة تأخذ بيده فتنطلق به إلى السوق ليعاونها في قضاء ما كلفت به .