إعداد: عبير حسين
حروف متشابكة أو متفرقة، مفهومة أحياناً، غامضة أغلب الأوقات؛ لكنها معقدة على الدوام. هكذا تذيل عادة الأوراق المهمة بتوقيعات ترسم معالم عالم جديد عبر قرارات فاصلة، أو معاهدات دولية تغير الوضع القائم، وتؤسس لآخر قادم. والتوقيعات ظاهرة قديمة عرفتها الحضارات السابقة بأختام وصكوك الملوك والأباطرة، التي كانت توسم بها المراسلات المهمة مع الممالك الأخرى، أومع عمالهم على الأقاليم البعيدة، التي تمتد إليها سيادتهم وسيطرتهم. ثم تطورت لتصل إلى ما يُعرف تاريخياً ب«الطغراء»، وهو نقش خاص معقد ينفرد به السلطان أو الإمبراطور، ثم أصبح التوقيع الشخصي اليدوي الأكثر انتشاراً منذ القرون الوسطى وحتى ابتكر العلم الحديث تقنية «التوقيع الإلكتروني»، الذي استخدمه الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون، وتوسع في الاعتماد عليه بيل كلينتون، وتسبب في إحراج دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، بعدما أثارت صحيفة «نيويورك تايمز» انتقادات حادة له؛ لاعتماده التوقيع الإلكتروني في خطابات العزاء الموجهة إلى أسر ضحايا الجيش الأمريكي في أفغانستان والعراق.
آلاف التوقيعات، على اختلاف أشكالها، رسمت ملامح عالمنا اليوم، أهمها كانت تلك المنقوشة على معاهدات سلام ، بينما هدمت أخرى صروح إمبراطوريات كبرى وقسمتها إلى دول أصغر، وثالثة حاولت حماية الأرض من مخاطر التغير المناخي، أو حماية الفضاء الخارجي من سوء استخدام الإنسان، وغيرها الكثير. عند كل موقف مهم، ومحطة فارقة، يبرز توقيع أشخاص، أو دول على وثائق تترك آثارها إما الجيدة أو المدمرة على حياة الملايين. وإذا كانت أغلب التوقيعات وأهمها جاءت على أوراق عبر قرارات محلية أودولية، تبقى التوقيعات على القنابل والقذائف قبل إنزالها على رؤوس الأبرياء أكثرها غرابة ودماراً وهي «الصرعة» التي ابتكرها الأمريكان خلال الحرب العالمية الثانية.
أعاد توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على قراره الأخير بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس واعتبارها عاصمة للكيان التذكير بالتوقيعات المهمة التي أثارت جدلاً واسعاً، وتلك التي كانت نقطة بداية لرسم عالم جديد. وما بين التوقيع على وثيقة الاستقلال الأمريكية 1776، ومعاهدة فرساي 1919، وإعلان «ألما آتا»1991، ومعاهدة «ماستريخت» 1992، ومعاهدة الفضاء الخارجي 1967 وغيرها حاولنا هنا رصد بعض أهم التوقيعات التي اعتبرت نقاطاً فاصلة في تاريخ تشكيل عالمنا اليوم.
اندلعت حرب الاستقلال الأمريكية، وسط ظروف مثيرة للدهشة؛ إذ كانت القوات البريطانية في أوج قوتها وإحكام سيطرتها على عشرات الولايات بعد هزيمتها لنظيرتها الفرنسية من جانب، وطردها عشرات القبائل الهندية من أراضيها من جانب آخر، إضافة إلى ذلك، كان من حق المستعمرات انتخاب ممثليها لجمعية تشريعية تسن القوانين وتفرض الضرائب؛ لكن كان لحاكم المستعمرة الحق في نقض أي من تلك القوانين. وبدا أن الأمور مستقرة لها في العالم الجديد الذي شرعت فور اكتشافه في استغلاله اقتصادياً.
من المفارقات الغريبة، أن الاقتصاد كان هو السبب الأول لاندلاع حرب الاستقلال الأمريكية التي بدأت برفض المستوطنين البيض قرارات الحاكم البريطاني بحرمانهم من بناء مستوطنات في الأراضي الواقعة غرب جبال الأبلاش، التي خصصتها لإسكان قبائل الهنود الحمر. واندلع القتال بعد ذلك؛ بسبب ما عرف تاريخياً ب«قانوني تاونزهند» اللذين أقرهما البرلمان البريطاني نسبة إلى وزير الخزانة البريطاني وقتها، وفرض أحدهما ضريبة على الرصاص والأصباغ والورق والشاي، بينما فرض الآخر إنشاء مكتب للجمارك لجمع الضرائب في بوسطن.
رفض سكان عدة ولايات أمريكية دفع الضرائب؛ بحجة عدم تمثيلهم في البرلمان البريطاني، وأتلف بعدها الأمريكيون حمولة باخرة شاي، وهو ما جعل الوضع يتطور إلى مقاطعة اقتصادية برفض استهلاك البضائع الإنجليزية.
وعلى الرغم من إلغاء الضرائب التي فرضها القانون بعد نشوب احتجاجات عنيفة ضده، إلا أن المواجهات تصاعدت بين الفريقين بشكل سريع، وبدأ على الفور تشكيل جيش من المتطوعين قاده جورج واشنطن بدعم من الجيش الفرنسي، الذي انتهى بإعلان ممثلي الولايات الاستقلال في عام 1776. صاغت وثيقة الاستقلال لجنة من توماس جيفرسون وبنجامين فرانكلين وجون آدامز ووقّع عليها 57 مندوباً للولايات، وطبعت وعممت في جميع أنحاء أمريكا على شكل «متسعات»، وكانت هذه المتسعات أوراقاً كبرى تطبع عادة على وجه واحد، وكان استخدامها شائعاً في القرن ال 18، وكانت أسرع وأشهر وسيلة لنقل المعلومات المهمة، وتلصق على واجهات البلديات والمباني الكبرى .
بتوقيع وثيقة الاستقلال الأمريكية انتهى النفوذ البريطاني في العالم الجديد، وبدأ بزوغ دولة جديدة ستنجح بعد أقل من قرن في أن تصبح قوى عظمى.
وأنهت «معاهدة فرساي» 1919 أولى الحروب العالمية التي صنفت على أنها واحدة من أعنف الصراعات في التاريخ، خضبت فيها مساحات هائلة من الأراضي بدماء أكثر من 9 ملايين قتيل، إضافة إلى 30 مليون مصاب بإصابات متفرقة، إلى جانب خسائر اقتصادية تجاوزت المليارات. دارت رحى الحرب العظمى بين معسكرين: الأول قوات الحلفاء أو الوفاق الثلاثي (فرنسا، بريطانيا العظمى، والإمبراطورية الروسية) ضد دول المحور (الإمبراطوريات الألمانية والنمساوية المجرية والدولة العثمانية ومملكة بلغاريا) وانتهت بفوز المعسكر الأول.
بالتوقيع على «معاهدة فرساي» اختفت الإمبراطوريات النمساوية المجرية والروسية والدولة العثمانية، واستعادت كثير من الدول استقلالها، وتشكلت دول جديدة. وكانت «عصبة الأمم» أهم إنجازات المعاهدة، التي هدفت إلى الحيلولة دون وقوع حرب كبرى ثانية. أما الأكثر إثارة تاريخياً فكانت بنود المعاهدة المجحفة بحق ألمانيا التي فرضت على قواتها العسكرية قيوداً صارمة، وتعويضات خيالية وصلت إلى 132 مليار مارك، فكانت سبباً في بزوغ «النازية» وصعود هتلر إلى الحكم فأعلن إلغاء المعاهدة، وتسبب فيما بعد في إشعال حرب عالمية ثانية.
في صباح 19 أغسطس/آب 1991 استيقظ سكان موسكو على مشهد في غاية التوتر والغرابة، وكأنه أحد المشاهد في أفلام المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي، فالدبابات منتشرة في الشوارع، والأنباء عبر الإذاعة تشير إلى اعتلال صحة الرئيس ميخائيل جورباتشوف. وقبل ذلك بيومين، اتفق رؤساء روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا، التي كانت جمهوريات سوفيتية مستقلة خلال لقائهم في منتجع «بيلو فيجسكايا بوشا» على تفكيك اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية، وإقامة رابطة دول مستقلة بدلاً منه.
ولم يستمر التعجب كثيراً؛ إذ سرعان ما صدر إعلان«آلما آتا» في 21 من نفس الشهر في العاصمة الكازاخستانية حول أهداف ومبادئ رابطة الدول المستقلة ال 11 التي أعلنت استقلالها. وكان التوقيع على هذا الإعلان هو المسمار الحقيقي في نعش الاتحاد السوفييتي الذي انتهى رسمياً بإعلان جورباتشوف بعد ذلك يوم 26 تنحيه عن منصبه؛ ليتغير شكل العالم الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، واعتمد على ما عرف ب «ثنائية القطبية» و«التوازن بين القوى» لتبسط الولايات المتحدة الأمريكية بعد ذلك نفوذها على الساحة العالمية. وكانت أوروبا على موعد مهم مع مرحلة تاريخية مختلفة للتعاون والاندماج في 1992 عند التوقيع على «معاهدة ماستريخت» التي رسمت شكل أوروبا الجديدة المنتقلة من مرحلة «التعاون» التي مثلتها المجموعة الأوروبية، إلى «الاندماج والوحدة» بتشكيل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، ومتجاوزة بذلك التاريخ المظلم للقارة العجوز، التي أنهكتها الحروب والصراعات الدموية طوال قرون، ولتضع أسس «مواطنة أوروبية» تمنح للجميع كل الحقوق وتلزمهم بالواجبات نفسها في خطوة جديدة غير مسبوقة للتكامل والاعتماد المتبادل.
تحمل المعاهدة اسم المدينة الهولندية، التي وقعت بها، واشتهرت بأنها أهم تغيير في تاريخ التعاون الأوروبي منذ تأسيس «المجموعة الأوروبية» نهاية الخمسينات من القرن الماضي.
أدخلت معاهدة الاتحاد الأوروبي عدة تغييرات على قوانين المجموعة الأوروبية، كما شكلت أساس الدستور الأوروبي، الذي أقر لاحقاً في عام 2004.
«وعد بلفور» توقيع من لا يملك لمن لا يستحق
كانت مجرد رسالة وقعها آرثر جيمس بلفور قبل قرن، واعتبرت وعداً من البريطانيين بمنح اليهود أراضي فلسطين لإقامة وطن عليها. في العام 1917 وجّه بلفور؟، وزير الخارجية البريطاني، رسالته إلى اللورد روتشيلد قائلاً «إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة مقام قومي في فلسطين لليهود، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه الانتقاص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر».
اتخذت الحركة اليهودية العالمية من الوعد مستنداً قانونياً لتدعم به مطالبها في إقامة الدولة اليهودية في فلسطين. وتحقق حلم اليهود بالحصول على تعهد من إحدى الدول الكبرى بإقامة وطن قومي لهم، يجمع شتاتهم بما ينسجم وتوجهات حركتهم، بعد انتقالها من مرحلة التنظير لأفكارها إلى حيز التنفيذ في أعقاب مؤتمرهم الأول، الذي عقد في مدينة بازل بسويسرا عام 1897، والذي أقر بأن الحركة تكافح من أجل إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين.
وتمكن اليهود من استغلال تلك القصاصة الصادرة عن بلفور، ومن ثم صك الانتداب، وقرار الجمعية العامة عام 1947، القاضي بتقسيم فلسطين ليحققوا حلمهم بإقامة «إسرائيل» في الخامس عشر من مايو/أيار 1948، وليحظى هذا الكيان بعضوية الأمم المتحدة بضغط الدول الكبرى، ولتصبح بذلك أول دولة في تاريخ النظام السياسي العالمي التي تنشأ على أرض غيرها، وتلقى مساندة دولية جعلتها تتوسع وتبتلع المزيد من الأراضي الفلسطينية والعربية، وتبطش بمن تبقى من الشعب الفلسطيني على أرضه دون رحمة.
حماية التراث المشترك للإنسانية في الفضاء
تحمي توقيعات 98 دولة على معاهدة الفضاء الخارجي التراث المشترك للإنسانية في الفضاء الذي يعتبر ملايين الأجرام السماوية السابحة في الكون البعيد، والموارد الطبيعية التي تزخر بها، ملكية عامة للبشرية لا يحق لدولة السيطرة عليها دون الدول الأخرى. في 1967 وقّعت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أولى المعاهدات الخاصة بحماية الفضاء الخارجي وتعرف قانوناً ب «معاهدة المبادئ المنظمة لأنشطة الدول في ميدان استكشاف واستخدام الفضاء»، وتعد حتى اليوم الإطار القانوني الذي يلتزم به العالم في اكتشافه للكون الواسع.
وتنص الديباجة على أن استكشاف الفضاء الخارجي يجب أن يكون متاحاً للجميع ويهدف لمنفعة البشرية. وحظرت المعاهدة على الدول والأطراف وضع أسلحة نووية أو أي أسلحة أخرى من أسلحة الدمار الشامل في مدار الأرض، أو تثبيتها على سطح القمر أو أي جرم سماوي، أو محطة فضائية. وتنص المعاهدة صراحة على الاستخدامات السلمية للأجرام السماوية مع حظر إجراء أي اختبارات لأي نوع من الأسلحة، أو إجراء مناورات عسكرية، أو إنشاء قواعد عسكرية. ومع ذلك، فإن المعاهدة لا تحظر نشر الأسلحة التقليدية في المدار الأرضي. تمنع المعاهدة على أي حكومة المطالبة بالموارد الطبيعية الفضائية، لأنها تراث مشترك للبشرية، بينما ينص البند الثاني منها على أن «الفضاء الخارجي، بما في ذلك القمر والأجرام السماوية الأخرى، لا يخضع للتملك الوطني بادعاء السيادة عن طريق استخدامه أو احتلاله، أو السيطرة عليه بأية وسيلة أخرى». ومع ذلك، فإن الدولة التي تطلق مركبة فضائية تحتفظ بحق السيطرة على المناطق التي هبطت عليها. وتؤكد المعاهدة ضرورة حماية الفضاء من التلوث، وتفرد ملحقاً خاصاً عن أهمية إجراءات التعقيم التي يجب أن تجريها البعثات الفضائية قبل الرحلات الفضائية وبعدها.
«باريس للمناخ».. محاولة لإنقاذ الأرض
عاماً بعد الآخر، يسجل العالم أعلى درجات حرارة منذ قرون، ما تسبب في معاناة مناطق واسعة في العالم من جفاف شديد، بينما غرقت أماكن أخرى وسط فيضانات عارمة، وراحت أماكن ثالثة ضحية لأعاصير اجتثت في طريقها الأخضر واليابس. لذلك لم يكن مستغرباً أن تحظى قمة باريس للمناخ التي عقدت في العاصمة الفرنسية 2015 باهتمام عالمي واسع، إذ اعتبرت «قمة إنقاذ الأرض» وسجلت أكبر حضور دبلوماسي بعد الجمعية العامة للأمم المتحدة، بحضور 195 دولة، و158 رئيس دولة وحكومة.
اكتسبت القمّة أهمية خاصة، لأنها كانت المرة الأولى التي سيترجم فيها العالم بشكل قانوني التفاهمات التي صيغت عبر عدة مؤتمرات دولية لمكافحة التغير المناخي، وكان أحدثها وقتها «قمّة ليما 2014».
ذهبت جميع الأطراف المشاركة إلى «قمّة باريس» مدركة أن التغيرات المناخية لم تعد مسألة رفاهية، بل «حياة أو موت»، إذ تتعدى المخاطر المتوقعة من ارتفاع درجة حرارة الأرض مجرد الكوارث الطبيعية، لتصل إلى تأثيرات ديموغرافية تتمثل في موجات نزوح وهجرة واسعة من المناطق المنكوبة إلى أماكن أخرى مع ما يترتب على ذلك من تأثيرات اجتماعية وسياسية، إضافة إلى تهديد التنوع البيولوجي الذي ينذر بانقراض عشرات الأنواع من الحيوانات والنباتات.
ناقش المشاركون في القمة نتائج أحدث الدراسات التي أصدرها «فريق الأمم المتحدة المعني بالتغير المناخي» قبل أشهر على موعد انعقادها، وأشارت إلى أن سرعة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون تضاعفت متجاوزة حد 3% سنوياً خلال العقد الأخير، تلك التي بدورها تؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض بأكثر من 5 درجات مئوية حتى 2100 أي أكثر ب 3 درجات عن الحد الأقصى الذي حدده العلماء.
نجحت القمة في الحصول على تعهدات واضحة من الدول الأكثر تلويثاً للغلاف الجوي بتخفيض انبعاثاتها من الغازات الدفيئة بنسب متفاوتة، فبينما تعهدت الهند ثالث أكبر الدول المطلقة لغاز ثاني أكسيد الكربون بخفض انبعاثاتها بنسبة 35% بحلول 2030، تعهدت البرازيل بالخفض بنسبة 43%، والاتحاد الأوروبي بنحو 40% عن مستويات 1999. وبعدما تفاءل العالم بانضمام الولايات المتحدة والصين، أكبر مصدرين للغازات الدفيئة عالمياً إلى الاتفاقية، لكن إدارة الرئيس ترامب قبل شهرين أعلنت انسحابها منها.

