إعداد: محمد هاني عطوي

يسميها العلماء بالمادة الشبح لأنها مكونة من جسيمات مراوغة ومتطابقة لكنها معكوسة عن تلك التي تشكل المادة. ومع ذلك فعلماء الفيزياء يعرفون اليوم كيف يولدون الذرات المضادة وهو إنجاز يمكن أن يفتح لهم أبواب عالم غير مستكشف بعد.
ويصف بعض العلماء السجال بين المادة والمادة المضادة بالمعركة بين العمالقة، فقبل 13.7 مليار سنة وحين كان الكون صغيراً جداً حدث ما يعرف بالانفجار العظيم الذي أنجب العالم الذي نعرفه اليوم، وحينها انتصرت المادة على المادة المضادة.
ويبدو أن ذلك النصر كان كاملاً لأننا لم نزل حتى اليوم نتأمل تلك النتيجة، فالشمس، والكواكب، وحتى أنت، بل وكل شيء، مصنوع من الذرات. ولكن هل تعلم أن الأمر كان يمكن أن يكون غير ذلك؟، فمثلاً كان يمكن أن يكون هناك «الشمس المضادة» التي تدفع بشعاعها نحو «الأرض المضادة»، في حين أنه كان من الممكن أن يكون الأنا المضاد الخاص بك مستلقياً على «كرسي مضادة»، لأن كل المادة المضادة تتألف من ذرات مضادة، والتي يمكن اعتبارها انعكاساً في المرآة للذرات التي تشكلنا جميعا مع كل ممتلكاتنا.
كيف يمكن أن يكون شكل هذا العالم المضاد بالفعل؟، سيقول البعض: من المستحيل أن نعرف ذلك، لأنه لم يعد هناك مكان لأي مادة مضادة في الكون.. لا عليك ولا تتوهم فالمادة المضادة اليوم يعاد توليدها من جديد في مختبر سيرن، أي مركز البحوث الأوروبية الواقع عند الحدود الفرنسية السويسرية. هناك، وحول ما يسمى بال LHC، وهو مصادم الجسيمات العملاق الموجود على عمق 100 متر تحت سطح الأرض، ثمة فرق من الباحثين قادرة على تصنيع الذرات المضادة ودراسة خصائصها الغريبة.

اكتشاف جنوني

كيف يعمل هؤلاء لإعادة شيء قد اختفى تماما منذ اللحظات الأولى للكون؟، ربما يبدو الأمر جنونياً وذلك كما كان الحال عند اكتشاف المادة المضادة في العام 1928. في تلك السنة، وضع الفيزيائي البريطاني بول ديراك المعادلة التي يمكن أن تصف سلوك الإلكترون، والحقيقة أن النتيجة تترك المرء حالما.. ولفهم ذلك، تخيل أنك تريد حل معادلة من النوع س(تربيع) = أ(تربيع) هذه المعادلة لها حلان: واحد موجب (س = أ) وآخر سالب (س = - أ )، والمعروف أنه في الرياضيات البحتة، لا يمثل هذا الأمر أي مشكلة، أما في الفيزياء التي تمثل فيها حدود المعادلة عناصر حقيقية مثل الكتلة أو الشحنة الكهربائية فالأمر يختلف. وفي حالتنا السابقة يمثل الحد (أ) كمية الطاقة، والحل الأول لمعادلة ديراك يصف جسيما له كمية «موجبة» من الطاقة وهو الإلكترون مع شحنته الكهربائية، التي يمكن قياسها، وهنا لا يوجد مشكلة. ولكن في المقابل نجد أن الحل الآخر يمثل جسيما مماثلا في جميع النواحي للإلكترون، ولكن يمتلك كمية «سالبة» من الطاقة، وهو أمر غريب جدا في الفيزياء.

مشتبه به ممكن

أمام هذه النتيجة الغريبة لم يجد بول ديراك نفسه يائسا بل على العكس تماماً، فعن طريق هذا الحل السالب للمعادلة، تمكن من وضع رسم تخطيطي لجسيم استثنائي له كتلة مشابهة، ويوجد في كل مكان لكنه معاكس بشحنته للإلكترون أي يحمل (شحنة موجبة) في حين أن للإلكترون شحنة سالبة. العلماء أطلقوا عليه اسم بوزيترون لكن هذا الإلكترون المضاد يبقى فضولا نظريا لأن أحدا لم يشاهده أبداً.
ولكن بعد أربع سنوات من مسألة ديراك، أي في العام 1932، اكتشف الفيزيائي الأمريكي كارل أندرسون عن طريق الصدفة أنه يوجد في الأشعة الكونية التي تعبر الغلاف الجوي، جسيم له نفس كتلة الإلكترون، ولكن له شحنة كهربائية معاكسة، وهو ما يقابل في جميع النواحي البوزيترون. فهل يمكن إذن أن يكون هناك جسيمات مضادة أخرى؟ لِمَ لا؟ فهذا أمر منطقي. فقد لاحظ العلماء بين عامي 1928 و 1932، أن ما اكتشفه ديراك للإلكترون، على الورق، يمكن تعميمه على البروتونات والنيوترونات. فإذا كان البوزيترون موجودا، فالبروتون المضاد والنيوترون المضاد يجب أن يكونا بالضرورة موجودين أيضاً.
وهكذا بدأ الباحثون في تتبع هذه الجسيمات المضادة في مصادمات الجسيمات، ولكن لماذا هنا على وجه التحديد؟، لأن المصادمات هي أجهزة تحول الطاقة إلى مادة والعكس بالعكس. ولفهم ذلك، تخيل أنك تريد حذاء جديدا، ولكن ليس لديك المال لتشتريه حينها يمكنك أن تأخذ ثلاثة أزواج من الأحذية القديمة التي لا تزال أنيقة بعض الشيء، وتبيعها على موقع «لوبون كوان» مثلا، وبهذه الحالة تغير أحذيتك إلى المال. بعد ذلك يمكنك تبديل هذا المال بالأحذية الجديدة التي كنت تريدها. الأمر يحدث تقريبا بنفس الطريقة في الفيزياء. فعلماء الفيزياء يقومون بإحداث تصادم وبسرعة عالية قريبة من سرعة الضوء بين الجسيمات. وعند تصادمها فإنها تتحول إلى طاقة نقية بفضل معادلة أينشتاين E = MC2، أي m كتلة الجسيمات، C سرعة الضوء و E الطاقة. هذه الطاقة هي بطريقة أو بأخرى المال المجني من بيع ثلاثة أزواج من الأحذية. وبنفس الطريقة التي سيتحول فيها المال إلى أحذية جديدة. فالطاقة E أعيد تحويلها إلى جسيمات.

مطاردة

الفرق من خلال هذه التجربة هو أن الفيزيائيين ليس لديهم القدرة على اختيار الجسيمات التي يريدونها بل يعتمد الأمر على الطاقة المعنية، وكذلك على الحظ أو ربما الصدفة، ففي كل مرة يظهر فيها جسيم ما، يرافق ذلك إجباريا ظهور جسيم مضاد. وهكذا، فإنه في العام 1955، شوهد البروتون المضاد في جامعة بيركلي في الولايات المتحدة تلاه مشاهدة للنيترون المضاد بعد سنة، وفي نفس المكان. وعلى مدى عقود تالية غدت مسألة مطاردة المادة المضادة مثمرة. ولكن مع فجر التسعينات 1990، تمكن الباحثون من مشاهدة ما هو أكبر من الجسيمات أي الذرات بطبيعة الحال، والتي هي تجمع للجسيمات. فالهيدروجين، على سبيل المثال، وهو أبسط ذرة، يتكون من بروتون (موجب) يدور حوله إلكترون سالب. ولكن ماذا سيحدث لو حاولنا مزاوجة بروتون مضاد مع بوزيترون؟ هل سينجذبان، كما يحدث بين الزوج البروتون - الإلكترون في الهيدروجين الكلاسيكي؟، وهل الهيدروجين المضاد سوف يكون مستقراً أو أنه سوف يختفي في جزء من الثانية؟، التجارب الأولى حدثت في سيرن في العام 1995، في نفس موقع جهاز ال LHC المستقبلي ولكن في جهاز يسمى LEAR، وهو عبارة عن حلقة يدور فيها البروتون المضاد بسرعة عالية ثم يرمى البروتون المضاد بسرعة تقرب من سرعة الضوء على ذرة ثقيلة (نواتها تتألف من عدد كبير من البروتونات والنيوترونات). سنلاحظ هنا أنه تم تحويل جزء من الطاقة المنطلقة جراء الصدمة إلى إلكترون يصاحبه نقيضه وهو البوزيترون، ومن خلال هذه التجربة لوحظ أن الإلكترون يرتد بفعل الشحنة السالبة للبروتون المضاد. أما البوزيترون، فعلى العكس فإنه يتمسك بهذا البروتون المضاد وهكذا تكون قد ولدت الذرة الأولى من الهيدروجين المضاد في التاريخ.

اختفاء وظهور

هذه التجربة هي دليل على أن الذرات المضادة يمكن أن تولد وتبقى.. حتى لزمن بسيط، ولكن لسوء الحظ هذا البقاء لا يلبث سوى لجزء من 40 مليار جزء من الثانية، وهي مدة زمنية صغيرة للغاية ولكنها كافية لهذه الذرات المضادة السريعة جدا لقطع مسافة قدرها 10 أمتار تفصلها عن كاشف الجسيمات (تذكر أنها تتولد نتيجة اصطدام بين جسيمات منطلقة بسرعة فائقة)، وأنه بمجرد لمسها لهذا الكاشف، فإنها تتفكك. الواقع، أنه عند حدوث أدنى اتصال بين المادة والمادة المضادة، يبيد كل منهما الآخر في طرفة عين، ولذا فإن الذرات المضادة سريعة جدا كي نتمكن من دراستها ولا بد من اعتراضها أو الإيقاع بها، ولكن كيف سيتم ذلك دون لمسها؟ لتحقيق ذلك، شيد الباحثون فخاً ذكياً قادراً على حبس البروتونات المضادة من خلال حصارها بمجالات كهربائية ومغناطيسية وما أن يتم ذلك فلا يبقى لنا سوى أن نعرضها لغيمات من البوزيترون (بعض الذرات المشعة طبيعيا)، آملين تشكل أكبر عدد ممكن من أزواج «البروتون المضاد، البوزيترون». وعندما يرتبط هذان الزوجان بجاذبية ناتجة عن قوة مماثلة لقوة المغناطيس، فحينها يمكن القول إن الباحثين بات لديهم ذرة هيدروجين مضادة جديدة.. وبالتالي يمكنهم دراستها لأنها لا تتحرك بسرعة عالية. بهذه الطريقة أعلن CERN عن نجاحه في العام 2011 في الحفاظ على 300 ذرة مضادة على «قيد الحياة» لمدة 16 دقيقة. وهو ما يعتبر بمثابة الثورة الكبرى في فيزياء الجسيمات.
هذا العالم جديد تماما بالنسبة للباحثين خاصة وأن علماء الفيزياء يتتبعون بدقة أصغر فرق بين المادة والمادة المضادة، وهو ما سيسمح لهم ربما الرجوع إلى سبب اختفاء المادة المضادة عند بداية الكون.
والآن يمكننا أن نطرح هذا التساؤل: هل ذرة الهيدروجين المضادة، على سبيل المثال، متعادلة مثل نظيرتها الهيدروجين؟ علينا أن نتذكر، أنه في ذرة الهيدروجين تقابل الشحنة الموجبة للبروتون الشحنة السالبة للإلكترون وبالطبع يمكن للمرء أن يتوقع أن يكون الشيء ذاته بالنسبة للهيدروجين المضاد: أي أن الشحنة السالبة للبروتون المضاد ينبغي أن تلتغي بفعل الشحنة الموجبة للبوزيترون.

تطبيقات

حتى يتأكد علماء الفيزياء من الأمر فكروا في إخضاع ذرات الهيدروجين المضادة لحقل كهربائي قوي، فإذا كانت هذه الذرات محايدة، فسوف لا تتأثر بهذا المجال أما إذا كان الأمر مخالفا لذلك، فسوف تبدأ بالحركة، تماماً مثل المراكب الشراعية التي تتعرض لنسيم البحر. وبالفعل وفي فبراير/‏‏شباط من العام 2016، جاء الخبر مع نتائج التجربة ALPHA في سيرن: «الهيدروجين المضاد محايد». لقد كان الأمر تحديا حقا، إذ لم ينجح الباحثون فقط من تصنيع ذرات مضادة فحسب، ولكن أصبحوا قادرين على دراستها بدقة مماثلة لدقة دراسة المادة نفسها.
وهذه ليست سوى البداية: فالفيزيائيون يبحثون الآن عن معرفة ما إذا كانت المادة المضادة تخضع للجاذبية مثلنا، كما يهتمون بقياس مستويات الطاقة في الذرات المضادة، والضوء الذي يمكن أن ينبعث منها.. هذا فقط من الناحية النظرية، لأن للمادة المضادة أيضا تطبيقاتها العملية حيث تستخدم الجسيمات المضادة بالفعل في الطب في علاج بعض أنواع السرطان من خلال تقنية التصوير المقطعي بإصدار البوزيترونات (PET) وهي التقنية التي توفر تصوير الخلايا السرطانية باستخدام الذرات المشعة لمادة الفلور 18 حيث تصدر هذه الذرة المشعة بوزيترون وحينها لا بد له من مواجهة الإلكترونات في أجسامنا فيبيد كلاهما الآخر وينبعث من ذلك فوتونان (ضوء)، يغادر كل منهما في اتجاهين متعاكسين وحينها يمكن للأطباء من خلال جهاز الكشف عن هذا الضوء أن يروا على الشاشة، الجزء المعتل من جسم المريض وهو المكان الذي توجد فيه الخلايا السرطانية. الحقيقة أن الأطباء يأملون في السنوات الأخيرة، استخدام المادة المضادة في قتل الخلايا السرطانية فقد أظهرت التجارب الأولى أن البروتون المضاد أكثر فعالية بأربع مرات من البروتون، ويستخدم حاليا للقضاء على الخلايا السرطانية. ولذا يبدو أن الذين راهنوا على العودة المظفرة جدا للمادة المضادة بعد 13.7 مليار سنة بعد اختفائها سيحققون نصراً مظفراً خلال السنوات القادمة دون منازع.

ثورة الجاذبية المضادة

هل المادة المضادة خاضعة للجاذبية الأرضية، مثلها مثل أي كائن له كتلة؟ لمعرفة ذلك أجرى مركز CERN التجربة AEgIS، لدفع الهيدروجين المضاد في الفراغ حيث يتم تسريع الذرات المضادة بواسطة حقل كهربائي قوي، ثم يتم قطع كل شيء.
هذه التجربة لم تبدأ بعد، ولكن يمكننا أن نضع بعض الافتراضات. فمن غير المرجح أن يكون هناك وجود للجاذبية المضادة، لأن بعض القياسات التي أجريت بالفعل بخصوص المادة المضادة التي كانت تتعلق بخصائص أخرى، مثل الشحنة الكهربائية، أظهرت أنها لا تختلف عن المادة. ولكن إذا كان الهيدروجين المضاد يخضع بنسبة كثيرة، أو قليلة للجاذبية مثل الهيدروجين، فإنها ستكون مفاجأة لطيفة للعلماء. فحتى الآن، يبدو أن الجاذبية لا تؤثر إلا في الكتلة. ولكن الجسيم له ميزات أخرى، مثل «عدد الكم».
ومن المعلوم أن الهيدروجين والهيدروجين المضاد لديهما أعداد كم مختلفة، لأنهما يتكونان من الجسيمات نفسها. ولكن في المقابل لديهما الكتلة نفسها. فإذا كانت الجاذبية لا تؤثر بالطريقة نفسها في كل واحد منهما، فهذا يعني أنها ليست حساسة للكتلة فقط، ولكن لخصائص أخرى، وهو ما يعتبر بمثابة الثورة.
وأخيراً، إذا نظرنا إلى مسار الجسيمات المضادة، سنجد أنها إذا لم تخضع سوى لوزنها فهل ستنجذب إلى الأرض مثل الذرة الكلاسيكية؟ أو أنها ستهرب صعوداً، وتخضع لنوع من الجاذبية المضادة؟