في عام الوفود جاء المدينة وفد بني تميم وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئنا نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا .

فابتسم الرسول صلى الله عليه وسلم وقال لهم: قد أذنت لخطيبكم، فليقل وقام خطيبهم عطارد بن حاجب، ووقف يزهو بمفاخر قومه .

ولما انتهى، قال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس: قم فأجبه .

ونهض ثابت فقال: الحمد لله، الذي في السموات والأرض خلقه، قضى فيهنّ أمره، ووسع كرسيّه علمه، ولم يك شيء قط إلا من فضله . . ثم كان من قدرته أن جعلنا أئمة، واصطفى من خير خلقه رسولاً . . أكرمهم نسباً، وأصدقهم حديثاً، وأفضلهم حسباً، فأنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين . . ثم دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن به المهاجرون من قومه وذوي رحمه . . أكرم الناس أحساباً، وخيرهم فعالاً . . ثم كنا نحن الأنصار أول الخلق إجابة . . فنحن أنصار الله، ووزراء رسوله .

هكذا كان ثابت خطيب رسول الله والإسلام، كما كان حسان بن ثابت شاعر الرسول والإسلام . . فقد كانت الكلمات تخرج من فمهما قوية، صادعة، جامعة رائعة .

وهكذا كان للنبي صلى الله عليه وسلم رجال يعتمد عليهم في معركة الكلمة، وآخرون يعتمد عليهم في معركة السيف، ورجال يعتمد عليهم في مختلف الميادين وشتى المعارك .

وبهذه الفصاحة وذلك البيان صار ثابت بن قيس عضواً بارزاً في قافلة الذود عن الإسلام باللسان، وهي القافلة التي ضمت حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وغيرهما من المبرزين في ميدان المبارزة بالكلمة .

كرم وشهامة

وإلى كل هذه الصفات كان من صفات ثابت الكرم والشهامة وإقراء الضيف حتى ولو على حساب نفسه وأهله، ومما يروى عنه أنه استضاف أحد ضيوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ذهب به إلى بيته وسأل زوجته عما يملك أن يقدمه لضيفه لم يجد إلا القليل القليل، فقدما ما لديهما للضيف وأطفأ السراج حتى يأكل الضيف، بينما بات هو وزوجته وأولاده جياعاً .

وفي موقف آخر يبدو الوفاء والإقرار بالمعروف والمحافظة على العهد، فقد كان لا ينسى معروفاً قدم إليه ولو من كافر، فقد أجار أحد يهود بني قريظة في غزوة بني قريظة، ثم وهبه أهله وأولاده وماله، فسأله اليهودي عن كعب بن أسد سيد بني قريظة، وحيي بن أخطب من كبار يهود بني قريظة، وعن غيرهما وعن المجالس والناس، ولما علم اليهودي بمقتلهم جميعا قال لثابت: أسألك الله وبيدي عندك أي جميل سابق لي عليك إلا ألحقتني بالقوم، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصابر لله، حتى ألقى الأحبة .

فقدمه ثابت فضرب عنقه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ أبا بكر رضي الله عنه ما قاله اليهودي ألقى الأحبة قال: يلقاهم والله في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا .

بشارتان بالجنة

وكان مع قوة شكيمته وعلو حجته ذا نفس أوابة وقلب خاشع وروح شفافة، وكان رجلاً قرآنياً من أكثر المسلمين حياء من الله سبحانه وتعالى، فعندما نزلت الآية الكريمة إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، اعتكف ثابت في داره وأغلق عليه بابه وجلس يبكي، وافتقده النبي صلى الله عليه وسلم فبعث من يطلبه، فلما جاء سأله النبي عما به، فقال ثابت: يا رسول الله إني أخشى أن أكون هلكت، ينهانا الله أن نحب أن نحمد بما لا نفعل وأجدني أحب الحمد، وينهانا الله عن الخيلاء وإني امرؤ أحب الجمال، وينهانا الله عن أن نرفع أصواتنا فوق صوتك، وأنا رجل رفيع الصوت .

فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: يا ثابت أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة، فكانت هذه بشارة من النبي له بدخول الجنة .

ولما نزل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ، أغلق ثابت على نفسه باب بيته واعتزل الناس ومضى يبكي .

وبعث النبي صلى الله عليه وسلم من يدعوه إليه، ولما سأله عن سبب غيابه عن مجلسه قال: يا رسول الله إني امرؤ جهير الصوت، وقد كنت أرفع صوتي فوق صوتك، وإذاً فقد حبط عملي وأنا من أهل النار .

فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: إنك لست منهم بل تعيش حميدا وتقتل شهيدا ويدخلك الله الجنة، فكانت تلك بشارة ثانية من النبي صلى الله عليه وسلم، وما أعظم أن يتلقى امرؤ بشارتين بالجنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ولثابت قصة كانت سبباً في نزول آيات من القرآن الكريم وتشريع الخلع، فقد ذهبت زوجته حبيبة بنت سهل إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشتكي من كراهتها له، ولا تعيب عليه في خَلق ولا في خُلق، وكان قد أمهرها حديقة، فسألها النبي أتردين عليه الحديقة فأجابت بالإيجاب، فأمره النبي بأن يطلقها تطليقة، فأقامت في أهلها فترة من الزمن ثم تزوجها أبي بن كعب رضي الله عنه .

مقاتل في حفرة

وعاش ثابت بن قيس ليشهد المحنة التي ألمت بالمسلمين بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي لم يخرجهم منها سوى موقف أبي بكر رضي الله عنه حين ذكّر المسلمين بقول الله عز وجل: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ، ثم قولته المشهورة التي حفظها التاريخ: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت .

وساعد على اجتياز هذه المحنة أيضا موقف كبار الصحابة من الأنصار من أمثال أسيد بن حضير وسعد بن عبادة وغيرهما ممن أبوا أن يكون اختيار الخليفة محل نزاع بين المهاجرين والأنصار، ووافقوا على أن تكون الخلافة في المهاجرين فتم اختيار أبي بكر وأخمدت شرارة الفتنة في مهدها .

وكان على المسلمين بعد أن تجاوزوا هذه الفتنة أن يواجهوا فتنة أكبر هي فتنة الردة، فقد ارتد كثير من العرب عن الإسلام ومنعوا الزكاة، وظهر بينهم الكذبة وأدعياء النبوة، يمنونهم الأماني الكاذبة، ويتقولون على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم الأقاويل، وكان على رأس هؤلاء مسيلمة الكذاب الذي التف حوله خلق كثير، وكثير منهم كانوا من زعماء القبائل وصناديد العرب .

ولم يكن أمام الخليفة أبي بكر رضي الله عنه إلا أن يقابل هذه الفتنة بكل حزم وقوة، وأن يجند لحرب هؤلاء المرتدين كل قوى الإيمان والحق، وألا تأخذه في الله لومة لائم .

وأسند أبو بكر قيادة جيش المسلمين لواحد من صناديدهم الشجعان ذوي الخبرة والحنكة وهو خالد بن الوليد، وكانت معركة اليمامة: المعركة الفاصلة بين الحق والباطل وبين الإيمان والكفر، وبين الأمة الوليدة والجحافل الجاهلية

والتقى الجيشان في معركة ضارية، وكان ثابت بن قيس في جيش خالد بن الوليد، فأبلى بلاء حسنا وصار يصول ويجول ويعمل سيفه في أعداء الله، وبدا في الجولة الأولى أن الكفة تميل لمصلحة المرتدين بسبب اختلال ميزان القوى المادية بين الجيشين، وهنا انبرى ثابت بن قيس ومعه سالم مولى أبي حذيفة إلى مقدمة الجيش، ونادى في المتراجعين عن مواقعهم بقوله: يا أبطال الإسلام يا جنود الرحمن، ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حفر كل واحد منهما حفرة فثبت فيها، وقاتلا حتى قتلا بعد أن فتحا ثغرة في صفوف الأعداء نفذ منها فرسان الإسلام إلى قلب الأعداء، وكانت دماؤهما التي سالت على أرض المعركة بداية النصر المؤزر من الله عز وجل .