إذا كانت رواية جمال ناجي عندما تشيخ الذئاب تنسج عالماً من صور وممارسات لذئاب بشرية في حبكة فنية خيالية وثيقة الصلة بالواقع، فإنها كشفت في الوقت ذاته عن وجود ثعلب في الرواية، هو كاتبها، هذا عمل بقدر ما يبدو واضحاً يسير القراءة والمتابعة، إلاّ أنه ينطوي على مكر روائي مدهش من شأنه أن يجعل القرّاء يركزون اهتمامهم على ظاهر البناء الفني للرواية وشخصياتها ومضامينها فيما تكمن في ثنايا هذا العالم بنية فنية تحتية شيدت بدهاء فني دقيق، تضمن النص إشارات إليها، وأخفى أحداثاً ذات صلة، ونثر على ألسنة الشخصيات هنا وهناك عبارات أو تعليقات تبدو كما لو أنها جُمل أو مفردات عابرة تجري مجرى الحديث العادي في ثنايا الحوار أو الاسترجاع أو التأمل.

تبدو أهمية التفاصيل في تكوين المشاهد والأحداث والتطورات، وضرورة إعمال قوى التحليل والربط والتركيب من أجل لملمة هذا النثار اللغوي الإشاري والذي يقتضي قراءة دقيقة واعية للنص. إن قراءة من هذا القبيل من شأنها أن تجعل القارئ يلعب دوراً رئيساً في تفكيك العديد من المشاهد والعبارات، وإثارة أسئلة مشروعة ذات صلة بأحداث الرواية وتماسكها وبنائها وتطورها ومغزاها، وتقدير احتمالات من حقه أن يرجح فيها خياراً على آخر، ممارساً حقه في الاجتهاد المستند إلى شواهد نصية وربط عقلاني للعلاقات بين الشخصيات والتطورات.

في رواية محكمة البناء، دقيقة الرصد الداخلي والخارجي للشخصيات، جريئة المحتوى والدلالات، متنوعة في مستوياتها اللغوية، ومتعددة الشخصيات الرئيسة، من الطبيعي أن يتباين تلقي القراء للعمل، وبشكل خاص في ما يتصل بالشخصية المحورية الأبرز في رواية تتنافس فيها على هذا الموقع ثلاث شخصيات هي: سندس والجنزير وعزمي، واستناداً الى قراءتي الخاصة للرواية، أبادر إلى القول إن (سندس) هي الرافعة الفنية للرواية، والأكثر تأثيراً في معادلة الجذب والطرد.

وإذا كنا نقول إن سندس تؤدي وظيفة فنية مهمة تتمثل في كونها المحرك الأساس للأحداث وتطوراتها في الرواية، فإن أبرز مثال على هذه الوظيفة هو مفاجأتها التدميرية لعزمي بأن رباح الوجيه ليس أباه، وأنه ليس من صلبه، ما أفقده صوابه وجعله يبدأ رحلة جديدة لم يعد يبالي بعدها أن رجال الأمن يطاردونه، وأنه مطلوب للعدالة. هذه الرحلة هي رحلة البحث عن الأب التي استهدف فيها الجنزير في خيمته حيث كان يؤدي العمرة تكفيراً عن ذنوبه وابتغاءً لمرضاة الله. وحين يواجهه مستفسراً أريد أن أعرف من هو أبي، يجيبه الجنزير، هناك امرأة واحدة تعرف من هو أبوك، وهي التي امتلكت قلادة الليرات العثمانية التي تخص أمك، إنها رابعة زوجة خالك جبران.

وسوف نرى أن الكاتب يواصل لعبة السرد الماكر إمعاناً في التعمية والإيهام حين ينهي الرواية بسؤالين اثنين، أتراني كنت حالما؟ أم أن عزمي زارني في خيمتي؟ والحقيقة أن الزيارة كانت حدثاً فعلياً ولم تكن حلماً، وهو ما سيتضح في الصفحات اللاحقة، ونبدأ هنا بطرح الأسئلة على النحو الآتي:

لماذا اختار عزمي الجنزير بالذات ليسأله عن أبيه الفعلي؟(2) ما سر القلادة في السياق السردي برمته؟(3) ما دور رابعة في هذه المسألة؟ وكيف حصلت على القلادة؟ (4) ما حقيقة جليلة وزيارات الجن لها؟(5)من هو الأب الفعلي لعزمي؟

أما لماذا قصد الجنزير ليعرف منه من هو أبوه الحقيقي، فلأن عزمي هو خير من يعرف سيرة الجنزير على الأقل خلال مدة تقرب من عشرين عاماً كان فيها مطلاً على سلوكه المالي و العلاجي والديني والسياسي وغير ذلك، ويعرف دواخله النفسية حيال النساء، وهو قد فقد ثقته بالجنزير بعدما كشفه في سرقة جزء من أموال المحسنين في الخارج. والجنزيز ركن من أركان الحي في جبل الجوفة يعرفه الجميع ويعرف الجميع، وتنتهي عنده أسرار البيوت باعتباره الطبيب، فهو أخطبوط الجبل، ولا يتورع عن ارتكاب الإثم.

والجنزير ذاته هو الذي كشف لعزمي سر مكان القلادة العثمانية، ما يعني ترابط هذه الجزئيات. فالقلادة من حيث الأصل ورثتها جليلة عن جدتها السابعة بالتتالي، وهي قلادة ثمينة من النوع القديم الذي يُحتفظ به الآن في المتاحف. تختفي القلادة عن أعين الجميع، وتبرر جليلة هذا الاختباء كذباً مرتين: فمرة تقول لرباح إنها مخبأة في دارنا ومرة أخرى تقول إنها خارج الدار.

والحقيقة أن أحداً لا يعرف أين هي إلاّ ثلاثة هم: جليلة ورابعة والجنزير.

أما وقد ماتت جليلة فقط ظل السر بين الإثنين. ومسألة القلادة ليست أمراً تفصيلياً عابراً، ولا تكمن أهميتها في قيمتها العالية، بل في سرها ومغزاها وعلاقتها بخيوط قصة سرية لا تفصيل لها في الرواية، وبالتالي فهي سر ينطوي على دلالات شديدة الخطورة. هل كان الجنزيز صادقاً حول مكان القلادة؟ نعم، والرواية تؤكد ذلك. فبعد أن يستقيل جبران/الوزير من وظيفته، تمر بجانبه زوجته رابعة في صباح اليوم التالي لافتةً انتباهه عن قصد فتقول ألا تريد رؤية ما برقبتي؟ فإذا هي قلادة جليلة. يستغرب جبران وصول القلادة إلى رابعة وهي لم تكن تحبك، لكن رابعة تجيبه بعبارة واثقة وخطيرة في الوقت ذاته: تفاهم نسوي قديم بيني وبينها، وإذ يحاول جبران معرفة السبب، ترد رابعة بقولها برغم أن هذه القلادة تساوي مبلغاً كبيراً، فإن معرفتك بكيفية حصولي عليها من جليلة، ستجعلك تتمنى لو دفعت أضعاف ثمنها مقابل عدم العلم بذلك.

بشيء من التحليل والربط والتركيب، نقول إن لفظة تفاهم في هذا السياق تعني وجود صفقة تم الاتفاق عليها بين جليلة ورابعة، والصفقة تعني في نهاية الأمر تبادلات متقابلة، أي قلادة مقابل خدمة ما. والخدمة التي دفعت ثمنها جليلة قلادة جدتها الموروثة والغالية، هي ترتيب مسألة الحمل ومن ثم الولادة وهذا يعني اتضاح أطراف الصفقة وهم: جليلة ورابعة والجنزير بدليل أنه على علم تام بمكان القلادة.

في تحليل أشبه بالحفر تحت السطور، لا في ما بينها، يمكن القول إن النسيج القصصي الخفي ينطوي على تلميح مفاده أن جليلة بعد تسعة شهور من زواجها برباح الوجيه لم تحبل، وكانت تعتقد أنها هي السبب، كما هو الحال في مجتمع ذكوري مقفل يحمّل المرأة على الدوام كل شرور الدنيا، ويبرئ الرجل من كل العيوب، بما في ذلك العقم. وهنا تستعين جليلة برابعة زوجة شقيقها جبران لحل هذه المعضلة، وفي مجتمع كهذا من الطبيعي أن يكون الحل لدى الجنزير وليس عند الأطباء المختصين. جليلة كانت تخشى إن تأخر حبلها أكثر من ذلك أن يعمد رباح الى تطليقها أو الزواج بأخرى تأتيه بالذرية، ويبدو أنها كانت مستعدة لفعل أي شيء لقاء الحمل والإنجاب بعد الشهور التسعة وسوف نعود إلى قصص الجن تحمل جليلة.

في سياق كهذا تحصل رابعة على القلادة العثمانية من جليلة، وهنا يبرز احتمالان: إما أن تكون رابعة (التي وصفها رباح الوجيه ذات يوم بأنها دودة، تحب الذهب) قد اشترطت على جليلة إن هي حملت أن تتعهد بإعطائها القلادة هبة لا تُرد مقابل احتفاظها بالسر مدى الحياة، أو وهذا احتمال ضعيف أن تكون جليلة قد نذرت العقد هدية لرابعة إن هي حملت بالطريقة إياها وحافظت على السر في البئر كما يقال. والمهم هنا أن القلادة انتهت في حوزة رابعة على علم من الجنزير.

هذه الفعلة انعكست في قاع النفس البشرية لكل من الثلاثة على التوالي، وأولهم جليلة، التي خرقت تعاليم الشرع، والتي خسرت قلادتها بقيمتها المعنوية والمادية، والتي لم تعد للحياة المادية والعادية قيمة في نظرها. لمس شقيقها جبران هذه الحالة عندما أبلغها بأن ثروة سقطت عليهما من السماء كوارثين لأب متوفى امتلك أرضاً يفوق ثمنها ثلاثمائة ألف دينار (وكان ذلك في السبعينيات) لكنها استقبلت النبأ بفتور ولم يبد عليها الفرح.

يقول جبران تعليقاً على ذلك كان واضحاً أن في قلبها وعقلها ما ينزع بهجة الحياة ويحرمها منها، ويرغمها على نوع غريب من الزهد الذي لم يكن واحداً من صفاتها في صباها. حاولت أن أفهم، فوجدتها تنطوي على أعماق حذرة يصعب كشف ما يجول فيها. وهكذا تكون فعلتها قد خلفت ندوباً عميقة في الروح، وفي إقبالها على الحياة إلى درجة فقدانها لمعناها ومباهجها. لكن انعكاس تلك الفعلة على رابعة اتخذ منحى آخر. ففيما كانت في غاية البهجة لامتلاك القلادة، إلاّ أنها ظلت على كراهيتها واحتقارها - لجليلة، وصارت تنظر الى عزمي باعتباره مخلوقاً غير شرعي، من هنا كانت تشمئز منه وترفض أن يلعب مع ولديها وعد و ناتاشا. وعندما غدا شاباً رفضت رفضاً قاطعاً أن يبيت ليلة واحدة في بيتها، يوم زواج رباح من سندس. وحين حصل تصادم في الآراء بين رابعة وجليلة في منزل الأولى، وكاد الموقف أن يشتعل بينهما، تذكرت الاثنتان مسألة التفاهم الذي لا يعرف عنها جبران بالقطع شيئاً، فيعلق بقوله فالتقت عينا المرأتين، أطالتا النظر إلى بعضهما، ثم صمتتا، كأنما هما على اتفاق. وهنا، وفي مواقع أخرى يبدو جلياً دهاء جمال ناجي في نثر إشارات هنا وهناك من شأنها أن ترسم أجزاء باهتة من الصورة أو القصة، ولكنها لا تُصرّح ولا تقول شيئاً مباشراً، وعلى القارئ أن يكون واعياً متيقظاً لكل كلمة وتعليق.

مفارقة

من خلال هذا الغوص في التفاصيل، والتي هي إشارات مهمة في النسيج الخفي للرواية، تتضح أشياء كثيرة، منها أن جليلة (لاحظ مفارقة الإسم الآن) لم تكن جليلة كما بدت صورتها على السطح: فقد أنجبت بطريقة غير شرعية، وكذبت على زوجها في ما يتعلق بالقلادة مرتين، وأهدت القلادة الموروثة لمن لا تستحق، ناهيك عن حالة الدمار الداخلي الذي عاشته جراء تلك الفعلة. أما رابعة (التي لا علاقة لها بما يوحيه اسم رابعة العدوية مثلاً) فقد اتضح أنها ضالعة في المؤامرة، والغاية عندها تبرر الوسيلة، وهي موغلة في وصوليتها وانتهازيتها الى حد مقيت.

ويبقى السؤال صارخاً: من هو الأب الفعلي لعزمي؟ سوف أبادر الى الزعم بأن الفاعل الحقيقي هو الجنزير نفسه، وهذا بالطبع يقتضي تقديم الأدلة النصية في الأساس، مع شيء من إعمال العقل في التحليل والتركيب، وأيضاً استناداً إلى عالم الرواية ذاته، والحقيقة أن الناقد مصطفى الكيلاني في قراءته القيّمة للرواية قد توصل إلى هذا الموقف ولكنه قدّم رأياً تقريرياً من دون استناد إلى النص وتفاصيله، علماً بأن الرواية لا تفصح عن ذلك بصورة مباشرة، بل يتعين على القارئ أن يتتبع الكثير من التفاصيل كي يخلص إلى استنتاج كهذا.

ولكن ماذا يقول النص أيضاً عن الجنزير وعزمي؟ بمعنى آخر، كيف ينظر الجنزير الى عزمي منذ أصبح شاباً في مقتبل العمر وسعى الى استمالته وجعله واحداً من مريديه؟ سأتوقف هنا أمام أربعة اقتباسات مباشرة من كلام الجنزير عن عزمي، وبشكل تدريجي مُتّسق مع تنامي أحداث الرواية وتطوراتها:

لذا خصّصتُ له حجرة في عقلي (ص 23)، لقد أحسستُ في وقت ما بأن له رقيباً داخل نفسي (ص 105)، احتفاظه بمكانة خاصة في حجرات قلبي (ص 219)، رأيت فيه استدراكاً واستكمالاً لما كان ينقصني،وامتداداً لي في هذه الحياة (ص 274).

أخلص إلى القول إن رواية جمال ناجي عندما تشيخ الذئاب تقوم على معمار فني متماسك، وهو إن بدا واضحاً إلاّ أنه يخبئ في ثناياه نسيجاً قصصياً آخر، منبثقاً من النص ومن علاقات الشخصيات وتعليقاتها، لكنه يعتمد على قدرة القارئ على التقاط التفاصيل وتفكيكها وتركيبها. لقد كتب جمال ناجي روايته هذه بكثير من الجرأة النقدية للمجتمع، لكن دهاءه الفني كان أهم وأبرز.