من المؤكد في التاريخ الثقافي والحضاري العالمي أنه ما من شعب أو أمة إلا وتأثرا بثقافة الجوار، ثقافة الشعوب التي تحدهما جغرافيا، وتشتبك معهما تاريخيا في المصالح والعلاقات التجارية والاجتماعية والسياسية، وهو ما يجعل الحديث عن العلاقة مع ثقافة الجوار ذا دلالة مهمة في الوقت الذي تنحو فيه التنظيرات العولمية إلى التأكيد على المشترك الإنساني العام، وهو مشترك لا يمكن فصله تاريخيا عن المشترك الأصغر، وهو الثقافات المتجاورة، والتي قد تمتزج وتتماهى في الكثير من خصائصها، بحكم التداخل في هويات الشعوب المتجاورة، وهو تداخل ما انفك عبر التاريخين القديم والحديث يترك أثره في الثقافة والإبداع، بأشكالهما المتعددة.
في هذا المضمار يغدو من نافل القول إن الحضارة العربية الإسلامية على سبيل المثال قد عرفت من التداخلات الثقافية والإبداعية كماً كبيراً، وذلك بحكم طبيعتها وتكوينها البنيوي، حيث كانت الفتوحات الإسلامية تعيد وتصوغ وتنقل الرؤى الثقافية، والفكرية، وأعمال المبدعين من شعب إلى آخر في ظل حوار فرضته طبيعة التكوينات الجديدة لتلك الحضارة، وهو ما يمكن أن يبرز أثره في أكثر من مجال، ما زالت الكثير من رموزها وشواهدها باقية حتى يومنا هذا، وليس أقلها انتشار الصوفية كفلسفة أو انعكاس لها في الأعمال الإبداعية المختلفة في بلدان مثل تركيا وإيران والقوقاز وإسبانيا، كما تركت فلسفة العمران بمدلولاتها ذات الصبغة الهندسية أثرها في الكثير من الشواهد الأثرية التي امتدت على طول طريق الحرير، بما فيها الصين. في هذا المقام يمكن رصد جملة من المكونات الحضارية التي شكلت أساسا للتلاقح الحضاري مع الثقافات الأخرى، وذلك من خلال المشروع الثقافي الذي قدمه العرب للعالم في العصر الوسيط، تجاوز أبعاده الجغرافية إلى كونية حضارية تتفاعل فيها الذات مع الآخر تقوم في جزء كبير منها على ما يعرف اليوم بمصطلح الأنسنة، وهو ما يؤكده د. أحمد محمد الأصبحي في بحثه حول أثر الثقافة العربية في ثقافات الجوار فيقول: قدم العرب في العصر الوسيط مشروعاً حضارياً كونياً، وسم الثقافة العربية بالعالمية المتأسسة على قيم البناء الحضاري، وإشاعة أجواء الأمن والسلام، وتحرير البشرية، من أشكال وصنوف القهر والظلم والاضطهاد والاستبداد، والعمل على تأمين الحقوق، وكفالة الحريات وصونها لجميع الأجناس والأعراق، وتعميم الخير، وأسباب الرخاء والرفاه للبشرية جمعاء.
ويعود هذا التميز الحضاري الانساني لعالمية الثقافة العربية الى انطلاقها من فلسفة تقوم على العدالة والمساواة والحرية والكرامة التي تحتمها وحدة الأصل البشري، ووحدة الجماعة الانسانية، فتذوب بين أعضائها حواجز العِرْق واللون، وحدود الأرض والزمان، ولكن بهدف سيادة علاقات الأخوة والتعاون والتعارف، وعلى أنسنة الكون والأشياء، فكل ما في الكون من جماد ونبات وحيوان، وفضاءات وأجرام، تنتظمها جميعاً سنن وقوانين، وهي مسخرة للانسان، والتعامل معها بألفة وأنسنة، يشكل عاملاً قوياً في الحفاظ على البيئة، وإصحاح الحياة البشرية النفسية والبيئية، بالإضافة إلى التوازن بين الثابت والمتطور في الحياة، فتحقق بهما معاً جدية الوجود، وهدفية الحياة، وضبط الأداء، واستمرارية الفعل الحضاري وايجابية انجازاته. كما شكلت الواقعية الأخلاقية التي تعترف للطبيعة البشرية بآدميتها المكونة من مادة وروح وما يصاحبها من خصائص القوة والرغبة والكراهية، والنوازع والأشواق والقدرة والفاعلية والأنفعال، والتفاعل. من جهة أخرى يؤكد د.كويلر بونج استاذ العلاقات الاجنبية في جامعة برنستون في واشنطن تأثر الغرب بالمنهج العلمي العربي الإسلامي فيقول: كل الشواهد تؤكد ان المنهج العلمي الغربي مدين بوجوده الى الثقافة العربية الاسلامية، كما ان المنهج العلمي الحديث القائم على البحث والملاحظة والتجربة، والذي اخذ به علماء اوروبا، إنما كان نتاج اتصال العلماء الاوروبيين بالعالم الاسلامي عن طريق دول العرب بالاندلس.
من جهة أخرى يمكن رصد الكثير من الميادين التي حفلت بذاك التأثير ومنها اللغة، وذلك من خلال الفروع العلمية والتجارية والصناعية التي ازدهرت في ذلك العصر، وبقيت مفرداتها ماثلة في لغات الشعوب التي تأثرت بالثقافة العربية، وواحد من تلك الادلة على ذلك نلمسه في اقتباس لغات اوروبية لكلمات عربية، ومن ابرز هذه الكلمات في اللغة الانجليزية (أمير الرحل أو أمير البحر) AdmiraI و(حبل) Cabe و(السلوب: وهو مركب شراعي وحيد الصاري) shaIIop او sIoop و(موسم) Monsoon.
فقد كان العرب اصحاب الفضل في اتساع معارف الاوروبيين الجغرافية وفي اتسام هذه المعارف بقدر اكبر من الدقة، وبرعاية ملكين من ملوك صقلية هما روجر الثاني (1127-1154م) وابنه ويليام الاول (1154-1166م)، قام العالم الادريسي (1100-1166م)، بكتابة وصف كامل للعالم المعروف وقتئذ للمسلمين ضمن في كتاب يحوي سبعين خريطة (عشراً لكل اقليم من الاقاليم السبعة) ويعرف الكتاب احياناً بكتاب رجار.
تجليات
أما مظاهر تأثير الإبداع العربي في الثقافات واللغات الأخرى خصوصاً منها الفارسية والتركية والأردية واللغات الأوربية الحديثة فإنها تتمثل في انتقال الكثير من القصص المعروفة بأصولها العربية مثل مجنون ليلى، والبلبل والوردة، والإسراء والمعراج، التي اتخذت أشكالاً متعددة في الآداب الأخرى، ورسالة الطير للغزالي، وحكايات ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة وغيرها. فقد انتقلت قصة مجنون ليلى، إلى الأدب الفارسي، ثم الأدب الأردي والتركي. ونجد تجلياتها في قصة وامق وعذرا وهو ما يؤكده الباحث الراحل عبد السلام كفافي بقوله: إن أول ظهور لقصة وامق وعذرا، كان في عهد الأسرة الطاهرية (205-259ه)، قدمت لعبدالله بن طاهر أمير خراسان من قبل المأمون، قدمها له شخص على أنها حكاية صنفها الحكماء لكسرى أنوشروان، فأمر عبدالله بغسل الكتاب بالماء كما انتشرت القصة من الفارسية إلى الأردية، لغة المسلمين الهنود، والتركية، فنظم فيها الشعراء الترك، ومن هؤلاء علي شيرنوائي وحمدي 941ه، وفضولي البغدادي963ه.
أما قصة البلبل والوردة فهي تؤشر الى اتساع استثمارها في الآداب العالمية وعدم القدرة على تحديد الانتماء الأصلي لها إلى ما يعرف بالتداخل إلى حد غياب الأصل وهو ما يسميه فان تيجم مودة أدبية عالمية فيقول: حين يكون تأثير كاتب معين أو عدد من الكتاب، يجمعهم نجاحهم في الخارج، واقعا على مختلف الآداب في واحد، قيل إن هناك مودة أدبية عالمية وذلك لأنه من البديهي أن بعض التأثيرات المتنقلة لم يكن مركزها مؤلفا واحدا. ومن الشعراء المعاصرين الذين تأثروا بالقصة فدوى طوقان ومعروف الرصافي، كما كتب الشاعر الألماني غوته من وحيها، وأوسكار وايلد، والشاعر الروسي بوشكين في قصيدة آه يافتاة ياوردة، إنني في الأغلال وقصيدة أخرى تحت عنوان البلبل والوردة التي نظمها عام 1872 التي يقول فيها:
في صمت الحدائق، في الربيع، في ظلمة
الليالي،
يشدو البلبل الشرقي أعلى الوردة.
لكن الوردة الحبيبة لا تشعر، لا تصغي؟
أما في التراث العربي والإسلامي فقد وظفت القصة توظيفا رمزيا عند المتصوفة. وهو ما يشير إليه أ.د.غريغوري بالقول: البلبل والوردة يشكلان أهم العناصر الصوفية والشعرية، فالبلبل وقع في حب الوردة وهي زرقاء، وكان أخرس، ولما اقترب منها حيته، فلم يرد التحية، مما أغضب الوردة، فلم تكلمه، فأحزنه ذلك، ودعا الخالق أن يمنحه صوتا، فاستجاب لدعائه ووهبه أجمل صوت في الكون. عاد إلى الوردة وغنى لها تعبيرا عن حبه، لكنها لم تعره سمعا، فانسحب كسير القلب. شعرت الوردة بالندم. في الصباح، عاد البلبل فرأى الدموع على أوراقها فأسرع لمعانقتها، لكن أشواكها طعنته فمات فانساح دمه عليها واصبحت حمراء.
أما إذا ما أتينا على بعض النماذج المعاصرة في بعض بلدان الوطن العربي فإننا سنجد أن الثقافتين التركية والإيرانية كان لهما النصيب الأكبر من التأثير في الثقافة في بلاد الشام سوريا والعراق.
فالقرب الجغرافي، والعلاقات التاريخية العميقة إضافة إلى العامل الديني، جعل من اليسير التفاعل مع هذه الثقافات والتواصل معها، سواء أكان ذلك من خلال ترجمات الأدبين: التركي والفارسي، أم من خلال زيارات الوفود الأدبية من اتحادات الكتاب ووزارات الثقافة لهذه الدول.
بالنسبة للأدب التركي كانت حركة الترجمة هي العامل الأهم في التعريف بهذا الأدب وفي الأخص القصة والرواية، فمنذ ترجمات الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت والتي أسهمت الإيديولوجيا السائدة آنذاك في انتشارها انتشار النار في الهشيم، إضافة إلى المسحة الإنسانية الطاغية في كتاباته أسهمت في التأثير في الكثير من الكتابات القصصية العربية في تلك الفترة.
وجاء الدور بعدها على العلامة الفارقة في الأدب التركي وصاحب التأثير الأكبر في القصة والرواية والدراما العربية وأقصد الكاتب التركي الساخر عزيز نيسين، الذي ترجمت له قصص وروايات ومسرحيات، وجسدت الكثير من قصصه في الدراما السورية والعربية ومنها (الدغري) لدريد لحام، والكثير من لوحات برنامج مرايا لياسر العظمة، وكذلك بعض لوحات مسلسل بقعة ضوء، إضافة إلى تأثر غالبية كتاب القصة الساخرة بأسلوب عزيز نيسين، إذا ما استثنينا بالطبع حسيب كيالي وزكريا تامر.
وجاء الدور بعدها على روائيين تركيين كبيرين هما: يشار كمال، وأورهان باموق، الأول بأسلوبه المتفرد الذي لم تستطع الترجمة النيل من جماليات سرده، والثاني من الشهرة الطاغية التي طالته بعد حصوله على جائزة نوبل للآداب وتهافت دور النشر العربية على ترجمة رواياته وملاحقة أخباره، هذان الروائيان أثرا بدورهما في الكثير من الروايات العربية التي صدرت خلال عقد التسعينات.
ولا بد من ذكر الروائي التركي لالش قاسو الذي ترجمت له روايتان إلى العربية في أكثر من طبعة وهما: نقمة الحرية، ترجمة فواز عبدي، وأيام حسو الثلاثة، ترجمة إبراهيم محمود، وهاتان الروايتان تقاطعتا كثيراً في التعاطي مع المكان والشخوص مع البيئة العربية ولاسيما بيئة الشمال السوري.
في المقابل نلاحظ فقر حركة الترجمة في الاتجاه المعاكس أي من العربية إلى التركية، وهذا يجعل تأثر الأدب التركي بالأدب العربي محصوراً ضمن إطار ضيق، نتيجة عدم توفر الأسباب المفضية إلى ذلك التأثر، والذي توقف تقريباً بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، واتجاه تركيا وانفتاحها المطلق على الغرب.
ترجمة نشطة
بالنسبة لإيران، وعلى عكس تركية، كانت حركة الترجمة أنشط بين اللغتين الفارسية والعربية، وساهم في ذلك إتقان الكثير من الإيرانيين للغة الغربية، والدور الهام الذي لعبته المستشاريات الثقافية الإيرانية في نقل الثقافة الفارسية والتعريف بها، وكان الشعر الفارسي هو واجهة التأثر والتأثير بالنسبة للثقافة الفارسية، فترجمت الكثير من كتابات الشعراء الإيرانيين القدامى والمعاصرين، وساهم دخول الكثير من المفردات العربية إلى اللغة الفارسية نتيجة الترجمات الدينية وتأثر الشعر الفارسي بنظيره العربي المتقدم تاريخياً عليه، فانتقلت العروض العربية إلى الشعر الفارسي والمحسنات البديعية وأساليب التصوير، فيما قدم الشعر الفارسي عمق الرؤيا الشعرية والبعد الحضاري المتوارث شفاهاً وتدويناً.
ومن الشعراء الإيرانيين البارزين الذين تأثروا وأثروا في الشعر العربي بروين اعتصامي، وهي الشاعرة الإيرانية التي قضت في زهرة شبابها وكتبت أجمل أشعارها ما بين السابعة والرابعة عشرة من عمرها حيث أتت بصور مبتكرة وغير مألوفة في التعبير عن الألم الذاتي، وتأثرت بوالدها الذي أنشأ أول دار للنشر في تبريز وكان يتقن العربية والفرنسية والتركية إضافة إلى الفارسية.
وفروغ فرخزاد وكانت نموذجاً للتمرد النسوي على العقلية الشرقية السائدة، في تعاطيها مع المرأة، وكان شعرها إضافة إلى تحديه للقيم الاجتماعية، مملوءاً بالحيوية وبالتجديد، وبالتأثر بالمناخات الشعرية العربية النسوية المحتجة على واقع المرأة الأليم.
وسهراب سبهري الشاعر العرفاني الذي تمتد جذوره في الفلسفة المانوية الإيرانية القديمة. وقد جرب في الأشكال التعبيرية الشعرية، وكتب على شاهد قبره في كاشان: وأنت تجيء إليّ جئ أكثر صمتاً كي لا تخدش وعاء العزلة.
طبعاً لا بد أن نذكر أيضاً البعض من الشعراء المتصوفة الذين يعتبرون من أعلام التمازج الثقافي بين الحضارات المتجاورة، ولعل الشاعر المتصوف الكردي الملا أحمد الجزري أوضح مثال على ذلك. فقد كتب قصائده بمزيج من اللغات الكردية والعربية والفارسية وفي نفس البيت ترد اللغات الثلاث جنباً إلى جنب ليكون خطابه الشعري جامعاً روح التصوف الإسلامي بعد أن أحاط الجزريّ بدقائقه حتى كاد شعره يكون سفراً في المعاني الصوفية التي تضافرت وانسجمت في إحكام غريب.
تأثر الجزريّ بابن عربي وابن الفارض وحافظ الشيرازي وسعدي الشيرازي وإخوان الصفا وغيرهم من الفلاسفة والمتصوفة المسلمين، وأثر فيمن جاء بعده ممن حاولوا تقليده في موضوعاته وأساليبه، حتى أصبح أنموذجاً يحاكى.
علاقة تاريخية
ومن جهة أخرى تجمع مصادر الثقافة الموريتانية على أن العلاقة الروحية والمعرفية بين موريتانيا والسنغال ضاربة في أعماق التاريخ مثلما هي متجذرة في الجغرافيا.
وإن نحن انطلقنا من تلك الحقبة الزمنية التي غطى فيها إشعاع الإسلام أدغال إفريقيا جنوب الصحراء بفعل التجار والدعاة الموريتانيين، فإننا لا نعدم وجود رابط روحي كبير هو الإسلام، سيظل الحلقة الفولاذية التي تربط بين البلدين ثقافيا وفكريا.
ولقد حفظت لنا مصادر التاريخ بين البلدين أن أول تلاق ثقافي ملموس كان مسرحه المد الصوفي القادم من المغرب الأقصى والذي ترك في كل من السنغال وموريتانيا طلابا ومريدين حملوا لاحقا لواء الطرق الصوفية المشهورة في هذا الجزء الغربي من إفريقيا مثل: التيجانية، القادرية، الشاذلية وغيرها. على أن الجزء الثقافي والأدبي لهذا المد الصوفي بالغ الأهمية التأثير ويحتاج لمزيد من الدراسات. والمطلع على تاريخ الحركات الصوفية بين البلدين يجد أن التأثير كان متبادلا والمشيخة الروحية مقسمة بالتساوى، فتارة يكون شيخ الطريقة موريتانيا وتارة يكون سنغاليا، ولهذا فليس من المستغرب أن تتشابه أسماء الأعلام في البلدين بفعل ذلك التأثير والتلاقي الروحي.
كما أن مثقفي السنغال لا يتركون فرصة تضيع دون التنبيه إلى دور الموريتانيين في نشر اللغة العربية وتعاليمها في بلدهم وفي غيره من البلدان، ومن بين هؤلاء نجد عبد القادر سيلا المثقف السنغالي الذي ألف عدة كتب عن تاريخ العربية والإسلام في السنغال، وقد أطنب في دور مدن موريتانية مثل شنقيط وولاتة ووادان وتيشيت في تجذير الإسلام في مملكتي مالي القديمة والسانغاي التي تعتبر جمهورية السنغال الحديثة وريثا شرعيا لها.
كما نجد الباحث الموريتاني الخليل النحوي يتحدث عن الشعر العربي في السنغال ضمن كتاب مشترك صدر منذ سنتين عن الاسيسكو، فيرصد مجموعة أسماء منها الشاعر ذو النون الذي ولد في سنة 1888 في جابة في السنغال حيث قرأ القرآن ثم رحل إلى موريتانيا لمواصلة تعليمه وعاد إلى مدينة سان لويس وتوفي عام 1927 ويمكن أن يعتبر الشاعر ذو النون من أبرز شعراء السنغال بالعربية فقد كتب الشعر في الأغراض التقليدية من مدح ووصف وحكمة وغزل ورثاء وإخوانيات مثل قوله:
الحبّ ما حال بين النفس والنفس
فألجأ العاشق الهاوى إلى الخرس
ذو النون نون وهذا الشوق كان
له بحرا وليس يعيش النون في اليبس
وكذلك الشاعر السنغالي أحمد عيان سي الذي عارض قصيدة مشهورة لشاعر موريتاني معروف هو الشيخ محمد اليدالي، حيث يقول :
أخو الدّلال برح الخيال ردّ السلاما لنا وقاما يبدى ابتساما مثل الهلال
والشاعر حامد آن تلر الذي يعرف بشعره المشابه للشعر الجاهلي ومنه قوله مفتخرا :
يا غاديا تركب الأهوال والخطرا
وتطلع البيد كيما تدرك الوطرا
فبلّغن كل قحّ من بنى زمني
أنّى توجّهت أنى أشعر الشعرا
وغير هؤلاء كثير. إلا أن أهم ما يميز الشعراء السنغاليين أنهم درسوا اللغة العربية جميعا في موريتانيا وتأثروا بشعرائها، يقول سوف عبيد: بين الأدب السنغالي المكتوب باللغة العربية وبين الأدب الموريتاني صلات وثقى فقد تعلم أغلب أدباء السنغال في موريتانيا التي تعتبر عكاظ الأدب العربي في إفريقيا بفضل مدينة شنقيط وقد كلف الأدباء في السنغال بجمع الكتب حتى صارت بعض الديار الخاصة أشبه بالمكتبات التي تتوارث جيلا بعد جيل.
أما من حيث تأثر الشعر الموريتاني بالثقافة السنغالية فنجد أن اتجاهات هذا الشعر قد اشتملت على مدرسة شعرية رائدة تدعى: (المدرسة الشعبية) اهتم روادها بتطعيم خطابهم باللهجة المحلية باللهجات الإفريقية الأخرى كالولفية مثلا. وحول هذا الأمر يقول الدكتور محمدن ولد المحبوبي: كان لهذه اللهجة بحكم الألفة والجوار والتلاقي اليومي بين الشعب الموريتاني والشعب السنغالي حضور كبير في الأوساط الموريتانية، وخاصة المنطقة المحاذية للنهر. فقد كان من القوم تجار يقضون معظم أيام السنة بين السنغاليين يبيعون ويشترون ويعلمون الناس الكتاب والحكمة. كما كان السنغاليون يعبرون النهر إلى البلاد الموريتانية بحثاً عن العلم والعمل؛ زد على ذلك دور أشياخ التصوف الذين كانت لهم حضرات متميزة في مختلف أنحاء الربوع السنغالية. وبذلك وقع نوع من التآلف والانسجام والتلاقي بين اللغتين العربية والولفية، وبالتالي برزت بعض الألفاظ الولفية واضحة في بعض القصائد الموريتانية؛ كما اشتهر بعض الشعراء باعتماد هذه الظاهرة الأسلوبية والصدور عنها في نصوصه، فكثيراً ما كانوا يطعمون شعرهم ببعض الألفاظ الولفية، خاصة إذا كان المخاطب ممن يستهلك تلك اللهجة أو يستعملها في خطابه اليومي.
ومن الشعراء الموريتانيين الذين اهتموا بهذا الجانب نجد الشاعر باباه ولد ابته المجلسي أورد في قطعة له تعبيرين ولفيين: أولهما ورد في خاتمة البيت الأول وهو (سبص) ومعناها رزقك، ونصيبك، وثانيهما ورد في أعقاب البيت الثاني وهو (دكمص) ومعناه لن تذوقه. يقول:
يَا حَاسِداً فَاضِلاً رَب الْعِبَادِ يَخُصْ مَن شَاءَ بِالْفَضْلِ لاَ تَطْمَعْ بِغَيْرِ سَبُصْ
مَا خَص فَاضِلُنَا رَب الْعِبَادِ بِهِ لَوْ طِرْتَ مِنْ حَسَدٍ نَحْوَ السمَا دُكَمُصْ
وغيره كثير، اهتموا بهذا الجانب الطريف، كما انه وبحكم إدارة المجال الموريتاني خلال فترة الاستعمار الفرنسي من مدينة سان لويس السنغالية، فان شعراء موريتانيا القدماء تعرفوا الى أغلب مستحدثات العصر انطلاقا من السنغال وهذا ما أدى بدارسي هذا الشعر إلى اعتبار الشعراء الذين بهرهم القطار والسيارة والمذياع والتلفزيون والهاتف وأنواع الفواكه يشكلون مدرسة منفردة تصنف ضمن الاتجاه الكلاسيكي في الشعر الموريتاني.
ولقد ظل التواصل الثقافي بين البلدين مستمرا حتى بعد نيلهما استقلالهما من الإدارة الفرنسية، وهكذا كان الجيل الأول الذي حكم البلاد الموريتانية مرتبطا ثقافيا بالسنغال نظرا لأنه جيل فراكفوني تعلم أغلبه في المدارس الفرنسية في داكار وباريس.
كما أن الأرشيف السنغالي اليوم يشكل أحد أهم مظان التاريخ الموريتاني الذي يلجا إليه مؤرخو البلدين وغيرهم من الباحثين عن أصل ثقافة المنطقة الغربية لإفريقيا. ومن دلالات التلاقي الثقافي والاجتماعي بين البلدين أن أهم كتاب عرفه أهل المشرق العربي عن الشعر الموريتاني نشأت فكرته في الديار السنغالية.
خزانات علم
فقد ذكر مؤلفه اللبناني يوسف مقلد الذي كان يمارس التجارة هناك أن سبب تأليفه لكتابه هو تعرفه الى بعض التجار الموريتانيين في السنغال حيث وجدهم عبارة عن خزانات علم وأدب متنقلة، فشعر بالخجل من أن يكون المشارقة على جهل بمثل هؤلاء الأشقاء، عندها نشأت فكرة تأليف الكتاب الذي طبع في ستينات القرن المنصرم.
ولا تزال إلى يومنا هذا تتالى البعثات العلمية بين البلدين فالجامعات السنغالية تستقبل سنويا عددا لا يستهان به من الطلبة الموريتانيين والحال نفسه مع المعاهد والكليات الموريتانية والجامعات العلمية البدوية (المحاظر) التي تستقبل هي الأخرى الطلبة السنغاليين الدارسين باللغة العربية والمتخصصين في الشريعة الإسلامية.
والحقيقة أن المتتبع للتواصل الثقافي بين موريتانيا والسنغال سيلاحظ أن الفرق شاسع بين الأمس واليوم، بحيث نجد أن ثقافة أي منهما تكاد تنعدم في المناهج التربوية للآخر، ففي جامعة نواكشوط - على سبيل المثال- لا يتم تدريس أي نتاج ثقافي سنغالي باستثناء المرور لماما بالملحمة السنغالية المشهورة (صمبا كالاديو) وذلك في مادة الأدب المقارن.
أو التعرض بشيء من الاختصار المخل للحركة الوطنية السنغالية والشاعر الرئيس ليوبولد سيدار سينغور ضمن مقررات التاريخ والأدب.
إلا أن بروز جيل جديد من المبدعين الموريتانيين ذوي الثقافة المزدوجة (عربية فرنسية) اخذ يعطي الأمل بإعادة التواصل ثقافيا من جديد، فقد بدأت ترجمة الروايات السنغالية والشعر السنغالي في الأعمال الجامعية ولكن بكم خجول وغير مقنع.
ومع ذلك، ونظرا لوجود أقلية إفريقية في موريتانيا ذات أصول مشتركة مع الإثنيات التي تشكل سكان السنغال، فإن للثقافة السنغالية حضورا في أوساط موريتانية سواء من حيث الشعر الشعبي السنغالي، أو الموسيقا والغناء، كما أن مثقفي الأقلية الإفريقية الموريتانية على اطلاع معقول بالثقافة السنغالية الحديثة، لكن ذلك لا يمتد بالنسبة لمثقفي الأغلبية العربية في موريتانيا إلا لأشخاص محدودين جدا أغلبهم من الباحثين والأكاديميين.
تأثير واضح
كثيرة هي انجازات الثقافة العربية التي كان لها تأثيرها في الثقافات الاخرى ويكفي ان نشير الى ان الكثير من مفردات اللغات الاوروبية والمصطلحات العلمية ذات جذور عربية، ومنها كلمات ذات صلة بنظام الري الذي تدل عليه وفرة الكلمات الاسبانية المشتقة من العربية كالساقية Acequia والبركة AIberca والقنطرة AIcantariIIa.
كما كان للموسيقي الأندلسي زرياب فضلا كبيرا في تطوير الموسيقا وانتاج الآلات الموسيقية كالعود Lute والقيثارة Guitar والربابة Reqec والنقارة Naker.