بعض الأشخاص يسارعون إلى توجيه اللوم إلى الآخرين عند حدوث مشكلة ما أو عندما تكون النتائج سلبية، وذلك بدل التركيز على حلها، وثقافة اللوم نهج يسير عليه الكثيرون ممن يشعرون أنهم ضحية ما يجري حولهم، متجاهلين حقيقة أن الإنسان مسؤول عن تصرفاته، وهي من أشد الآفات خطورة على حياتنا ومجتمعاتنا، لأنها تدفعنا نحو استسهال لوم الآخرين لتبرير أخطائنا، عوضاً عن تحمل مسؤولية اختياراتنا وتصرفاتنا، والتمتع بالشجاعة الأدبية والنظرة الواقعية في تقييم الأمور ومحاسبة أنفسنا.
تتحدث لقاء عمر ( صيدلانية) عن أسلوبها في التعامل مع الأحدث السلبية التي تمر بها، قائلة: عندما تحدث مشكلة ما في حياتي الشخصية أو الأسرية، فإنني لا أضيع وقتي في إنكار مسؤوليتي عن الخطأ، حتى لو شاركني في نتيجته أشخاص آخرون، فكل ما يهمني هو الجزء الخاص بي، وأنا بطبيعتي لا أقف كثيراً عند الإخفاقات، أتخطاها وأركز على البحث عن الحلول، ولا شك في أن تراكم الخبرات والتجارب الشخصية، له دور كبير في فهم أنفسنا والتعامل مع مشاكلنا.
يحمّل بسام محمد (طبيب أسنان ) الآخرين مسؤولية نتائج اختياراته، مبرراً بأنه يتأثر بنصائح المحيطين به، يقول: عندما تمنح الآخرين فرصة المشاركة في اتخاذ قرارات مصيرية في حياتك، فإنك بالتأكيد ستوجه اللوم لهم إذا لم تكن النتائج إيجابية، ولهذا من الصعب علي الاعتراف بخطئي، لاعتقادي أن عوامل أخرى كانت السبب في وقوع هذه الأخطاء، وفي حال كنت مؤمناً بأنني المسؤول الوحيد عن خطئي، فإنني أعترف بمسؤوليتي عن نتائجه، وهذا ما يفسر أننا في كثير من الأحيان نعاني عدم قدرتنا على تحسين واقعنا، بالرغم من النوايا الجميلة والصادقة التي نحملها في دواخلنا.
وتقارن ليلى الظاهري ( موظفة ) بين حالتها عندما تتحمل مسؤولية اختياراتها، وعندما تلوم الآخرين عليها، قائلة: أحياناً لا أكون قادرة على مواجهة أخطائي وتصحيحها، بسبب افتقادي للرؤية الصحيحة، أو استسلامي لضغوط الحياة التي تدفعنا أحياناً إلى الهروب من أنفسنا وأخطائنا، وتوجيه اللوم إلى غيرنا، ولا شك أنني في هذه الحالة أشعر بالعجز والإحباط، وأنني في دوامة من الصعب الخروج منها، وعندما أواجه أخطائي، وغالباً ما يحدث ذلك إذا شعرت أنني قادرة على تقييم نفسي والتعامل بموضوعية، أجد أنني شغلت بكيفية إيجاد الحلول والخيارات الأفضل لحياتي، وأشعر بالرضا والراحة الداخلية بغض النظر على نتائج اختياراتي.
وتقول مها شراب (مهندسة كمبيوتر): لست ممن يلومون غيرهم على اختياراتهم وتصرفاتهم، وفي المقابل لا أحب أن يحملني أحد مسؤولية أخطائه، فنحن نمتلك من الوعي والمعرفة والخبرة ما يعيننا على إدارة حياتنا وحل مشاكلنا، فالبحث عن حلول لها هو خيارنا الوحيد بدلاً من تضييع الوقت في لوم الآخرين عليها.
تقول الأخصائية النفسية هبة كلوسة: في مجتمعنا كثير من الآفات المتعمقة في نسيجه، ومن أشدها خطورة ثقافة اللوم، لأنها تنمو وتتطور معنا في كل مراحل حياتنا، وتبدأ بالفرد، فالأسرة ثم المجتمع، وهي تصيب الأشخاص الذين يعانون تدني تقدير الذات، ما يجعلهم غير قادرين على إدارة حياتهم بطريقة صحيحة، ويكون البديل تقليد سلوكيات الآخرين والإحجام عن التفاعل مع معطياتهم الإيجابية، وفي هذه الحالة تزيد نسبة الوقوع في الخطأ ولوم الآخرين عليه، ولا شك أن هؤلاء الأشخاص بحاجة إلى تعزيز ثقتهم بذاتهم، ليكونوا أكثر إيجابية وقدرة على تحمل مسؤولية اختياراتهم، و يدركوا أنهم قادرون على تغيير الأحداث بتغيير سلوكياتهم إزاءها.
وتضيف كلوسة : تتشكل الشخصية اللوامة في سنوات العمر الأولى، وغالباً ما يكتسبها الطفل من الأهل والبيئة المحيطة، فعندما يتم توجيه اللوم له على كل كبيرة وصغيرة، فإنه يكتسب هذه السمة لا إرادياً، وتضعف ثقته بنفسه وتقديره لذاته، وهناك العديد من صور اللوم والانتقاد السلبي، التي تبدأ في محيط الأسرة، أهمها الانتقاد الدائم من الآباء للأبناء تجاه سلوكهم وتحصيلهم الدراسي، والأزواج لبعضهم بعضاً، وهناك انتقاد الرئيس لمرؤوسيه لضعف أدائهم أو لأخطاء العمل، لا شك أن الانتقاد ليس دائماً بسوء نية، ولكن المشكلة أن الشخص الذي يوجه اللوم قد لا يدرك المخاطر والآثار السلبية الخطيرة لهذا الفعل.
وعن كيفية التحرر من ثقافة اللوم، تضيف كلوسة: الخطوة الأولى نحو التحرر من هذا النظام الدفاعي السلبي، البحث في دواخلنا عن الأسباب الحقيقية لسلوكياتنا، وتحليلها بموضوعية، ونستطيع أن نقوم بذلك بمفردنا أو بمساعدة معالج نفسي، لنكتشف الأسباب العميقة الكامنة وراء هروبنا من مسؤولية اختياراتنا، ولوم الآخرين عليها، وبالطبع التغيير ليس مسألة سهلة، ولكنها ليست مستحيلة أيضاً، والمحاولة هي الخطوة الأولى، فنحن كبشر نملك الحق بأن نخطئ ونصيب ونعاود الكرة بطريقة مختلفة، والتأني في تحديد السلوك أو القرار المناسب لنا، وتقييم سلوكياتنا، وجمع المعلومات اللازمة للتأكد من صحة ما نتوصل له، يساعدنا على الاستفادة من تجاربنا، أيضاً الاستعانة بخبرات الآخرين، وطلب المشورة ممن يعرف عنهم رجاحة العقل وحسن التصرف، يساعدنا كثيراً على فهم الموقف وعدم التسرع في ردود أفعالنا، حتى نصل إلى الاستقرار النفسي والسعادة التي نتطلع إليها في حياتنا.
أسبابها التنشئة السلبية وتدني القدرات
ثقافة اللوم.. آفة مدمرة بين الناس
11 يناير 2019 02:27 صباحًا
|
آخر تحديث:
11 يناير 02:28 2019
شارك
تحقيق:هديل عادل