يزخر التراث الثقافي الإماراتي بالعديد من المعطيات الجميلة التي تجعل منه نمط حياة متكاملة، وفصول السنة ومواسمها هي فصول للإبداع والأدب والفكر، لاسيما فصل (الصيف) المسمى القيظ، فهو موعد للتغيير الشامل لطريقة المعيشة، وفصل مميز لانقلاب تام لنمط الحياة. في هذا الفصل قديما كان ينقسم سكان الساحل أي المدن الواقعة على الساحل- إلى قسمين، الأول قسم الشباب والعارفين في البحر يتوجهون إلى البحر في رحلة الغوص الشهيرة والبحث عن اللؤلؤ، والقسم الآخر يتألف من النساء والأطفال وكبار السن من الرجال والشباب ممن منعتهم ظروف قاهرة عن رحلة الغوص هؤلاء يتوجهون عبر قوافل منظمة على ظهور الإبل إلى الواحات في مناطق معروفة في أقصى الشرق من الإمارات الحالية، إلى مناطق مثل مسافي وكلبا ودبا، وفي الشمال شعم والرمس ونواح من ساحل الباطنة في عمان، وهذه تسمى رحلات المقيظ أو لحْضاره.

الصيف فصل جميل كباقي فصول السنة رغم (الحر، والرطوبة، والغبار) ولمعاناتهم من ذلك يكررون المثل الشعبي خذ وخل يأخذون من خير الصيف ويدعون (يخلون) منغصاته، ومن وصفهم للقيظ وخيراته:

الراعبي في نايف العود

يلعي طلب ويعدّل اصوات

باغي يشم العطر والعود

فرحان بشْلول الكريّات

امشاهدنّه ترف لخْدود

غضّ الصّبا عذْب الثّنيّات

يا سعْد من شلّه على وْرود

شقْر ولهن في الهين بنّات

وان روّحن وانته ابهن اتقود

ومن الدّجر تضرب بكيفات

على المطارح دوشقن عود

حرير وامْضرّب ابفاقات

وان نش غبشه والملا ارقود

بتشوف عند الضّو يولات

يحضا المدالي بنٍ ابعود

وايخبص وايسوّي لقيمات

هب من عسر هذا من يود

مر وخطف وطر الشراغات

ومما قيل أيضا في المقيظ:

بالرّوف سيّر يا بن اشحام

لا تغث من حلوه معانيه

امقيظٍ في ظل وانعام

شرتا الصّبا قيّل يزاغيه

محروز عن علات واسقام

ما ضاق باله يوم تلفيه

حافظ على من لف لجدام

واوما بقيلانٍ معاليه

ومما قيل أيضا في رحلتي المقيظ والغوص هذان البيتان:

هلّ الشّهر واْوفن تمامي

هذا الشّهر لي فيه لفراق

حد نهي بحر الظلامي

وحد نهى ع ظْهور خِفّاق

فصول السنة في الإمارات أربعة، لكن أسماءها تختلف عن التسميات الشائعة، وهي كالتالي:

القيظ: فصل الصيف أوله برج السرطان وهو شديد الحرارة يليه برج الأسد ثم السمبله التي تبشر بنهاية القيظ، وللقيظ معان كثيرة منها بشارة نضوج الثمر، فيقولون (قاظت نخلكم) أي هل بانت تباشير نضوجها، والقيظ عند العرب حمّارة الصيف. و(قاظ) بالمكان و(تقيّظ) به أقام به في الصيف والموضع مقيظ. و(قاظ) يومنا اشتد حرّه (الصحاح).

الشتاء: فصل الشتاء معروف، حيث يبرد فيه الجو وتهطل فيه الأمطار ويسمى (دخول البرد).

الصيف: فصل الربيع، أما تسمية ربيع فهم يقولون بأنه لنا أربعة مرابيع جمادات اثنين ومرابع اثنين، وكذا عند العرب قديما (الربيع) عند العرب ربيعان ربيع الشهور وربيع الأزمنة، فربيع الشهور شهران بعد صفر ولا يقال فيه إلا شهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر، وأما ربيع الأزمنة فربيعان: الربيع الأول هو الذي تأتي فيه الكمأة والنوْر وهو ربيع الكلأ. والربيع الثاني تدرك فيه الثمار وفي الناس من يسميه الربيع الأول. والعرب تجعل السنة ستة أزمنة: شهران منها الربيع الأول وشهران صيف وشهران قيظ وشهران الربيع الثاني وشهران خريف وشهران شتاء (الصحاح).

اصفري: فصل الخريف وسمي بذلك لاصفرار أوراق الأشجار فيه وذبولها وسقوطها، والأصل في التسمية الصفري أي المصفر.

وللإماراتي في الصيف طبق غني بالفواكه أسوة بباقي بلاد الدنيا، وهو طبق منوع بفواكهه جميلة، ذات ألوان رائعة وروائح عطرة ومذاق طيب، وقد كان الناس في ما مضى ينتظرون تلك الفواكه حسب فصول السنة، لكن أغنى الفصول كان القيظ، ولهم في تلك الفواكه حكايات ونوادر وأشعار.

فما هي فواكه الإمارات، وكم عددها؟

لمن نسي، ولمن لا يعلم، فإن عدد فواكه الإمارات يربو على 20 نوعا نحصيها بشكل سريع:

رطب: البلح، فاكهة صيفية ذات أجناس وسلالات وألوان، وشجرتها هي النخلة المباركة التي لا تماثلها شجرة أخرى في الدنيا، ومن أول الصيف حتى مطلع الشتاء، تتوزع سلالات الرطب بأشكال وألوان وأحجام مختلفة، وعند تجفيفه يصبح تمرا ويسمى محليا (سحْ) بتسكين الحرف الأخير.

همبا: هي فاكهة المانجو، ومنجة الإمارات تكاد تكون من أصغر أنواع المنجة في العالم تقريبا.

همب و(بو الروّان): همب وتصغير لكلمة همبا، وهي فاكهة صيفية مستديرة بقدر حبة العنب الكبيرة، لونها أصفر وفيها نواة كبيرة وسائل لزج حلو المذاق، استخدم هذا السائل في الماضي كصمغ عند أهل الإمارات.

همب و(بو الحصا): هو بحجم همب وبو الروان لكنه من حيث الشكل يختلف قليلا، أما السائل الذي بداخله فهو ليس لزجا وطعمه حامض.

لومي حلو: فاكهة صيفية شبيهة بالبرتقال من حيث الحجم لكنها أكثر حلاوة من البرتقال ولون قشرتها أخضر.

لوز: ويسمى بيذام وهي فاكهة تأتي على لونين أحمر وأصفر، نواتها كبيرة، وإذا جففت تحت أشعة الشمس تكسر ويستخرج منها ما يشبه اللوز المعروف.

فرصاد: هو التوت.

نبج: هو النبق وقد قلبت القاف إلى جيم، كقولهم الشارجه بدل الشارقة، والنبق معروف فهو نبات شجرة السدر.

جيكو: بالجيم المكشكشة التي تقابلها الجيم الفارسية المنقوطة بثلاث نقط، وهي فاكهة لذيذة ذات مذاق حلو ولونها بني، وهي شبيهة بثمرة الكيوي.

بطيخ: البطيخ عند الإماراتيين هو الشمام الأصفر.

يح: اليح عند الإماراتيين هو المسمى عند البعض البطيخ، أ وعند باقي الخليجيين وعند العراقيين الرقي، وفي بعض نواحي السعودية يسمى حبحب.

قلم شكر: هو قصب السكر.

فيفاي: هي فاكهة الباباي المشهورة والتي تشبه في شجرتها شجرة العرش أو العرشة.

زيتون: الفاكهة التي يسميها الإماراتيون بهذا الاسم ليست هي النبتة المعروفة وإنما المقصود من هذه التسمية هي الجوافة.

تين: التين معروف.

موز فرضي: موز صغير أشبه بعقلة الإصبع، وهو حلو المذاق.

موز برحي: موز ثخين وقصير، وطعمه قليل الحلاوة.

رمان: الرمان معروف.

ترني: هي فاكهة الأترج وهي من الحمضيات.

شخاخ: من أسرة الليمون وهي كبيرة الحجم وذات قشرة غليظة تؤكل.

صبّير: وهو الصبار الحلو، له قشرة حمراء رقيقة ولب أبيض هش وفيه نوى أسود.

هذا ما استطعت حصره في عجالة، وأعتقد أن هناك أكثر من هذا العدد، علاوة على مجموعة من الفواكه التي تستخرج من لب ولحاء بعض الأشجار وهي حلوة المذاق، ك الحيب الذي يستخرج من لب النخلة.

السفر

عادة السفر عند الإماراتيين ليست حديثة، لكنها طبع قديم، فقد اعتاد أهل الإمارات على الحياة في بيتين مختلفين كل عام، فلديهم (المشتّى) أي بيت الشتاء، و(المقيظ) بيت الصيف، أما بيت الشتاء فهو البيت الأساسي الثابت الكبير، لكن بيت الصيف هو البيت المؤقت البسيط الذي يكون غالبا بين البساتين وقرب مياه العيون والآبار والأفلاج والشرائع، وكانوا إما يرحلون إلى أماكن قريبة من مدينة الساحل في العمق وتسمى النخل، أو يرحلون إلى أماكن بعيدة جدا.

ورحيلهم يسمى مقيظ أو حضارة أما (لحْضَارَهْ) فهي رحلة القيظ للسكن في مكان آخر مؤقت غير السكن الأصلي وكما ورد في الصحاح فإن الحضارة تعني الإقامة في الحضر، والقيّاظة يسمون الحضّار، وهما سواء في المعنى تقريبا، فقولهم بنقيّظ أ وبنحضر مثلا أي سنرحل إلى هناك في رحلة الصيف ومن أمثالهم:

بنحضر دبا وبنشوف مقيظها أو بنقيظ في دبا وبنشوف مقيظها

ومما قالوه شعرا:

مرّوا على حمده سوامي

غبشه تلايا الليل رافاق

من صبّحوا يتنا المزامي

همبا ورطب زيتون وارناق

قيظ الفلي لو ما السهامي الذيد فيها الليْ مصفاق

اللعب

لا تزال ألعاب الأمس حاضرة في الوجدان، ولا أزال أسمع تلك الصرخات والصيحات، ودبيب تلك الأقدام الصغيرة يدوي في مسمعي، ينادي تلك الأيام الجميلة التي مضت سريعا وكأنها حلم من تلك الأحلام الجميلة التي لا تتكرر أبدا.

إن قائمة الألعاب الشعبية كبيرة وقد سطرت فيها الكتب والدراسات والمقالات، ولكن الجميع يعلم أن الأطفال في الماضي لم يكونوا يلعبون كل تلك الألعاب، فهي لا تعنيهم في مجملها، وكانت كل مجموعة أو على الأقل كل فريج له ألعابه وله اهتماماته، كما أن بعض الألعاب كانت موسمية من دون جدل، كلعبة الطّيّارات (الطائرات الورقية) كان موسمها هبوب رياح الشمال على البلاد، ولعبة التّيلهْ تلك البلّورات الزجاجية الملونة والجميلة لها موسمها أيضا، وكذلك الألعاب الأخرى لها مواسمها كلعبة عْظيم سرا أو كما يسميها البعض عظيم لوّاح لا تلعب إلا في شهر رمضان المبارك، وأحيانا لها أماكنها كالمزارع التي تزدهر فيها لعبة خيل يريد أي خيل جريد النخل.

ولكن يبقى للفتيان وللفتيات ألعابهم الدائمة التي تلعب في كل وقت وكل مكان، وأحيانا يختلف هذا التعميم من مكان لآخر، فأتذكر أننا في فريجنا كانت لنا ألعابنا الغالية التي لا تفارقنا أبدا وهي : (قِلِي ماطوع، وعمبر، وسيوف) هذه كانت لعباتنا المفضلة والدائمة.

كنا نلعب تلك الألعاب على التوالي، فنقسمها على مدار اليوم فالصباح نلعب قِلِي ماطوع والعصر نلعب عَمْبَرْ والمغرب نلعب سْيوف.

أما في فصل الصيف، خصوصا في أماكن المقيظ، فتكثر ألعاب بعينها، لكن ما يميز ألعاب القيظ أنها العاب ذات علاقة بالزروع ومياه الري والسباحة في البحر أو في الأحواض، ومن الألعاب (ديك وديايه، الصقله، القحيف، قرقعانه).

كما يلعب الأطفال ببعض الحشرات، منها (الصرناخ) وعند البعض يسمى (سرّاح) وهو أهم حشرة صيفية على الإطلاق، والصرناخ هو زيز الحصاد، الذي ما أن يولد حتى يطلق صفّارة طويلة كبشرى للصيف الطويل، يعمد الأطفال إلى الإمساك بالصرانيخ (جمع) ووضعها في علب فارغة للاستئناس بصوتها والتسلي بذلك. كما يلهو الأطفال أيضا بحشرة (بو بشير) وهي حشرة اليعسوب، وأذكر أن الناس بعدما شاهدت الطائرات وخاصة الطائرة العمودية منذ منتصف القرن العشرين تقريبا أطلقوا على بو بشير (اليعسوب) اسم (علي كبتر) أي هيليكوبتر تشبيها له بتلك الطائرة، واليعسوب عاشق للماء يحوم حول البرك والأحواض وجداول المياه، ومنه ألوان كثيره الأخضر والأحمر والأزرق وغيرها من الألوان.