فقلن: بلى، ولكننا أحببنا أن نكثر لأنفسنا وذرياتنا من بركة تسليمك.
فقال: جاريتكن هذه أبطأت عنكن وخشيت العقوبة فهبن لي عقوبتها.
فقلن: وهبنا لك عقوبتها وقد أعتقناها لممشاها معك، فهي حرة لوجه الله.
فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «ما رأيت ثمانية أعظم بركة من هذه الثمانية، أمن الله بها خائفاً، وكسا بها عاريين، وأعتق بها نسمة، وما من مسلم يكسو مسلماً، إلا كان في حفظ الله ما دامت عليه منه رقعة».
أسخى منا وأكرم
خرج عبدالله بن عباس- رضي الله عنهما- في سفر، ومعه تابع له، فلما جن الليل، قصدا إلى أقرب بيت في طريقهما ونزلا ضيفين على صاحبه، وكان رب البيت رجلاً فقيراً ولم يعرف ابن عباس، فرحب به وأحسن لقاءه، ثم دخل إلى زوجته فقال لها: لقد قصدنا الليلة ضيف كريم، فهل عندك ما يصلح لعشائه؟
فقالت الزوجة: ليس عندنا سوى هذه الشاة الصغيرة، وإن ما تدر من لبن هو إدامنا وغذاء طفلنا
قال الأعرابي: لابد أن أكرم ضيفي بذبحها، والله يتولى أمرنا ثم قام إلى الشاة فذبحها، وأعد من لحمها طعاماً لضيفه.
وكان حديث الرجل مع زوجته قد سرى في سكون الليل إلى سمع ابن عباس، فلما أشرق الصباح قال لتابعه: كم معك من نقود؟
قال: معي ألف دينار.
قال: أعط الأعرابي سبعمئة دينار قال: أنعطيه سبعمئة دينار من أجل شاه لا تساوي ديناراً واحداً؟
قال: ويحك! إنه والله أسخى منا وأكرم، لقد جاد علينا بكل ما يملك، ونحن نجود عليه ببعض ما نملك.
صدق الإيمان
قال الأصمعي: خرج الحجاج ذات يوم فأصحر، وحضر غداؤه فقال: اطلبوا من يتغدى معنا، فطلبوا، فلم يجدوا إلا أعرابياً في شملة، فأتوه به، قال له: هلم، فأجاب: قد دعاني من هو أكرم منك فأجبته، قال: من هو؟ قال: الله تبارك وتعالى دعاني إلى الصيام، فأنا صائم.
قال: صوم في مثل هذا اليوم الحار؟ قال: صمت ليوم أشد منه حرارة، قال فأفطر اليوم وتصوم غداً، قال: ويضمن لي الأمير أن أعيش إلى غد؟
قال: ليس ذلك إلي، قال الأعرابي: فكيف تسألني عاجلاً بآجل ليس إليه سبيل؟
قال: إنه طعام طيب، قال: والله ما طيبه خبازك ولا طباخك ولكن طيبته العافية.
قال الحجاج: تالله ما رأيت كاليوم، أخرجوه عني، أخرجوه عني.