تعدّ مجموعة الوصول بلا نهاية إحدى المجموعات الشعرية اللافتة، في تجربة شعراء العقد الأول من الألفية الجديدة بشكل خاص، وفي خريطة القصيدة الإماراتية الجديدة، بشكل عام، وهي تنمّ عن فهم عميق من قبل الشاعر أحمد عبيد المطروشي للحداثة، بل إنها تشكل من خلال خمسة وثلاثين نصاً، تجسيداً لمفهوم النص المفتوح، وذلك على صعيد البناء والمفردة والصورة، وحدود علاقة الشعر بالسرد ضمن النص الجديد . منذ عنوان المجموعة يضع الشاعر المتلقي أمام عنوان فنتازي، لا يمتّ إلى الواقع بصلة، لأن الوصول يقترن-عادة- بنهاية ما، ولو مؤقتة، بيد أن الوصول هنا منقوص، وهو ما ينمّ عن أن هذا الوصول غير مستنفد، أو هو مجرد محطّة في طريق مديد، يحيل فيه الوصول إلى فضاء شعري، مفتوح، ما يثير انتباه المتلقي، ليترجمه عبر النصوص التي تحتويها المجموعة .

إن عنوان المجموعة بحدّ ذاته يضع المتلقي والنصوص أمام إشكال متعمّد، لأن كلمة الوصول تشير إلى موقع مكاني، ضمن فضاء زمني محدد، بيد أنه-هنا- يقطع أية علاقة بهذين الفضاءين، لنكون أمام فنتازيا مشفوعة ببعدها الرؤيوي، مادام الوصول بلانهاية، وهو ما قد يكشفه المتلقي على ضوء ارتباط الحالة الشعرية بقلق وجودي طافح، يشغل الشاعر ونصوصه في آن واحد .

بدهي، أن الشاعر الذي تنسكن روحه بحرائق القصيدة، لتستهويه ذراري الشعرية، كي يبقى-دائماً-مسكوناً، مشغولاً بقلقه الوجودي، يكاد ألا يبارحه ما دامت روحه تستضيف هذا اللهب السرمدي، الذي لا ينطفىء . هذا القلق يبتدي إشارياً من خلال علامة العنونة، لنكون أمام عتبة تكتنز شعريتها، وتفتح باب الرؤيا واسعاً، بعكس تلك العتبة التي تحقق مجانية المعنى .

يعنون الشاعر لأول نصوص المجموعة بهزيمة ليأتي هذا العنوان صادماً، متساوقاً مع عنوان المجموعة، لما بين الهزيمة كفعل ينم عن الانكسار، والخذلان، واليأس، من علاقة وثيقة مع الوصول بلانهاية، ما يجعل هذا الوصول شكلاً للهزيمة يقول الشاعر:

الفجر يحمل طلاسم الشقاء

الرغبة سلالة تخرج

من أجساد مهزومة

علينا البقاء معزولين عن العالم

كالمرضى

آه لمدن ترفض أحلامنا

والنوم المحبوس

أعيننا المتحجّرة

نفكك أطرافنا قبل أن نفكّ الرموز

كي ندخل

في عوالم الفراغ

قبل النوم . قبل الموت

قبل كل وصية مرة

علينا الاغتسال

في

مستنقع الغربة

خلافاً لما قد تشيعه مفردة-الهزيمة- من طقس كئيب، ترد كلمة الفجر التي يستهل بها الشاعر السطر الأول من النص، ما يخلق فضاء من تفاؤل أول، بيد أن المتلقي سيكتشف في ما بعد أن هذا الفجر جاء منقوصاً، فهو ضبابي غير واضح، بل إنه يحمل طلاسم الشقاء، وكي يستمر النص في إحالة الأشياء الجميلة إلى أرومة الهزيمة، لتؤول سلالة الرغبة نفسها، إلى مصير الهزيمة، بل والعزلة التي تدفع إلى الابتعاد عن العالم كما هو حال المرضى، حيث تمارس المدينة استبدادها، لئلا تعرف عينه المتحجرة الراحة .

ثمة غربة واضحة تظهر هنا، وهي لتدفع بدورها الشاعر كي يتهيأ لها، داخلاً لجة الهزيمة وذلك من خلال فك أطرافه قبل أن يقدم على فكّ الرموز، وهو يؤول إلى عوالم الفراغ، مادام الموت معادلاً للغربة المريرة .

إذا كان النص قد بدأ بجملة اسمية الفجر يحمل طلاسم الشقاء متبوعاً بأخرى هي: الرغبة سلالة تخرج من أجسادنا مهزومة، إلى جانب شبه الجملة علينا البقاء معزولين قبل أن ينتقل إلى اسم الفعل: آه لمدن ترفض أحلامنا ما يجعل من ضريبة الألم التي يدفعها متناسخة أزلية، لا تنتهي، بل إنه لا يتحدث في هذا المقام، عن حالة غربة، كراء، وشاعر، بل إنه يتحدث بلسان الجمع المتكلم، أو من خلال الضمير المتصل بالاسم: أعيننا المتحجرة ولا يفتأ الفعل الذي ينمّ عن الحركة في قوله-كي ندخل- إلا أن يكون وسيلة للدخول في عوالم الفراغ .

تكاد اللوحة الداكنة التي يرسمها الشاعر باللون الأسود، فحسب، لا تترك مجرد أفق للتفاؤل، بل تغلق كل باب مشرّع، لنكون أمام مرثاة إنسانية لا تنتهي . وإذا كان الشاعر في النص السابق لسان حال سواه، فهو سرعان ما يعود في النص التالي ذنب إلى عالمه الخاص، ليؤكد أنه ليس إلا صورة مصغرة عن ذلك العالم الذي أفاض في رصده وتوصيفه:

أخنق عنق الزجاجة، تتطاير من رأسي

ومضات بشر، العالم يتطاير

في زوبعة حدثت فجأة

أمامي، المذنب، والشاهد الوحيد

أنا

العزلة بجسدها المغري

بلا أنفاس ولا حراك

أبتعد معها عن الكون

إن علاقة الذات/ الشاعر بالمحيط تبدو جلية في فضاء النص، بالرغم من أنه ممعن في كثافته، إلا أنه يترجم حالة الاغتراب الرهيبة التي طالما تنطع لها، معلناً عن هيمنتها على روحه، كما سواه .

إن الإمعان في هذا النص، ليذهب بالمتلقي أبعد مما هو متوقع من الغربة التي تضيق أنشوطتها حول رقبته، لنكون أمام حالة تتزاوج فيها أنسنة المشيأ، وتشيؤ الإنسان، لتشكل معادلة مفزعة أخنق عنق الزجاجة تتطاير من رأسي ومضات بشر، العالم يتطاير .

لا ينسى الشاعر العالم هنا، بالرغم من أن النص يوحي للوهلة الأولى بأنه ينم عن حالة نكوصية يعود خلاله إلى ذاته، لعله يتجاوز ثيمات الهزيمة والغربة والاغتراب، بل إن الأمر ليغدو مفزعاً بأكثر، أمام قراءة مجرّد خيط وحيد في اللوحة الداكنة، حيث ثمّة صورة مركبة، ينتمي العام فيها إلى الخاص، والعالم إلى الذات، بعد زوبعة مفاجئة يشير إليها، ليرى نفسه حامل وزر الخطيئة التي تتمّ، لتكون العزلة بغوايتها، وهمودها، حلاً للنأي عن الكون، من دون أية مواجهة قد تتم من قبله .

إذا كانت نصوص المجموعة تتدرج من ناحية طولها، فإن نص - مسرحية الفرار - وهو النص الثالث بعد نصين قصيرين نسبياً في المجموعة، يشكل أحد النصوص الطويلة، وهو يجسد مقومات النص المفتوح .

تبدو مناخات هذا النص، وكأنه يسجل موقفاً من قبل الناص على ما يتعرض له، ولا مناص له من مواجهته، ما يدفعه لرسم ما حوله على أنه لا يطاق البتة:

لو كنت مستلقياً على سرير رثّ في فندق

قديم ناء، تاركاً العالم خلفك يحترق

وفجأة يخرج من صدرك كلّ الأشخاص الذين

رأيتهم في أحلامك وينقلب المكان إلى مسرح

تعرض مسرحية حياتك هل ستشاهدها لترى

نهايتك أيها المسكين؟ .

رائحة الرماد المحترق، خرجت من فمك كغيمة

ممتلئة بالصراخ . وأنت تفرّ مذعوراً في الشوارع

وليلك يلمع كحدّ سكين في عينيك، لا سماء تحميك ولا سقف

يعطف عليك، أيها الطريد من موتك، أي هزيمة ستجعلك

تركع له

المكان معتم وجاف لا يوجد شيء يسعفك وأنت تنظر بوجه ممتلىء بالعرق والتراب .

لا يتردد الشاعر عن أن يبين أن المسرحية التي يعرضها إنها حياته نفسه، بل إن هذه المسرحية هي مسرحية حياته بأحلامها، وأناس أحلامها، وليس له إلا أن يؤازره ويقف إلى جانبه في محنته، ثم ينطلق الشاعر بعد ذلك ليصف رحلة فراره أو فنائه، لا فرق، ليجد المتلقي أنها جد مؤلمة:

قنينة ماء مطر

معتق، لفافة، كتاب العالم السفلي، كسرة

خبز كلها في حقيبتك، هي أيضاً بجانبك

إذاً، أنت الآن لا تمتلك أحداً

ولا يمتلكك أحد

فارغاً ستمضي تحت التراب

بلا وصايا، بلا امرأة

ثم يصف الناص الحياة/ الغياب، في طقوسها الجديدة، ليرى أنها ولادة أخرى، جديدة:

الطرقات مختلفة

هواء بلا فضاء وصوتك الجديد لن نسمعه

في أعماق الهاوية تتسكع

ولا جهة سوى الأمام

ضوء غريب يهبط على رأسك

يطهرك من خطايا جنتك

وقبل وصولك لمرحلة الختان

ثق بأنك ستكون سعيداً سترى ولادة .

ولا ينفكّ الناص في الاسترسال في توصيف العالم السفلي، ليرى بدوره أن هناك حياة أخرى، ولنرى أن المخاطب هو شخص آخر، لكنه ذو صلة وثيقة به في آخر الأمر:

ميدوسا في غابة لا مثيل لها

تحيط بك رغباتك كالظل

من الآن ستصنع مجدك من لحظة البدء

إني أحسدك في كل مساء

أضع أذني على الأرض كي

أسمع قرع حذائك

يرتطم في ممرات العدم

وأنت ترفع رأسك بغرابة المذهول نحو اللا

مرئي تتحسس الصخور الرطبة

فارغاً . أنت في طريق عودتك إلى التحجر

ثمّة رؤية عميقة يقدمها النص عبر تناول حالة الإنسان في ظل ديمومة اغترابه، نتيجة كل ما يتعرض له، وهو ما يجعله يتخير عدمه، ليكون ذلك بوابة لا حياة جديدة، لها قانونها السفلي الذي لا يشبه نواميس الحياة اليومية .

هنا ثمة تناوب بين ثيمتي العدم والوجود، ليكون العدم في حد ذاته وجوداً، وهو رؤية ميتافزيقية واضحة، حتى وإن راح الشاعر يتحدث عن الهولة ميدوزا، أو آذيس إله العالم السفلي عند الإغريق، في إطار اتكائه على الأسطورة، ليكون هذا النص تبئيراً لفكرة الموت، وإن كنا سنجد جماليات هذه الخاتمة .

يأخذ النص بعده الملحمي من خلال تناول فكرة ثنائية: الحياة/ الموت، التي طالما تم تناولها، في إطار فني، لتأتي - هنا - وهي تقدم رؤية الشاعر منها، ليكتسب العدم جماليته الفنية التي تقابل قبح الواقع المعيش .

ولعل توصيف الحياة ضمن إطار لحظة محددة، وإطلاق حكم قيمة عليها، من خلال جملة معطيات معينة، يظل هاجساً لديه يقول في نص رغبة البقاء:

أتوسل إليك لا تمت أيها الجسد

أذر عليك ملحاً أسود

لعله يحييك

أنظر إلى

الحياة رغم قبحها

ما زالت تقترب

منك

آه كيف أنهض مني وأرسم

قسماتي، وأعود جسداً

الغياب حياة سوداء

الانتظار زيت يدهن على الجبين

ولا يشتعل

إذا كان الشاعر قد وجد الفرار إلى العدم ملاذاً لبطله في نص - مسرحية الفرار - إلا أن ذلك لا يمنعه من التغني بالحياة، حيث يذهب مقابل ذلك إلى مخاطبة الجسد، باحثاً له عن اكسير يكسب له الحياة المنشودة، هذه الحياة التي سيظل يسمها بالقبح ضمن تلك الحالة المؤطرة، إلا أن النص يعج بالدعوة إلى النهوض، وإعادة رسم القسمات، وعودة الجسد، لأن الغياب-في المحصلة- حياة سوداء .

شدة هاجس الموت سرعان ما يبلغ ذروته في نص آخر، هو تجليات روح - الذي يعجّ بدوره بكلمات مثل: الروح - الجسد - غرفة الإنعاش - الحمى - الوصية - مات - السبات - أحياء، إذ لا يزال يبكي بطله في مرثاة أخرى مؤثرة:

البيت مصنع الكآبة ومبيت الخفافيش

مصابة بالخرف ولكن فضلت أن ترى

العالم بالمقلوب وما علاقتها بالليل هل أحد

ما فكر أن يفعل مثلها؟

لا أريد الساحات والميادين والظلال

الأنهار، البيوت، الأصداء، ولا عشيقة

أريد عراء قاحلاً كي أعرف حقيقة الأشياء

من ثقب الحقيقة

الطمأنينة زاوية الجلوس تأمل الوجود

هذيان حتى السبات لكي نعرف أنفسنا

ونشعر بأننا أحياء، القلق يولد خارجاً

والسماء تمطر السكوت

إن من ينظر إلى العالم - بالمقلوب - هو بطله مقبوراً، ولكن، من دون أن يسمي-القبر- وهو ما يسجل للقصيدة الجديدة التي لا تسمي الأشياء بأسمائها .

تكاد نصوص الوصول بلا نهاية، تكون جميعها نشيداً إنسانياً في ثنائية الحياة/ الموت التي يهجس بها الشاعر، ولا يستطيع الكتابة خارجاً عن خطيها المتوازيين في آن واحد، يقول في نص ما بعد الجهة:

أكتب كلمة حياة، وأرفعها عالياً

جهة الشمس فتخرج كلمة

موت

ثم يواصل الشاعر حيرته أمام اشتداد وقع سؤال هذه الثنائية الذي يؤرقه:

آه في أي مدينة، سأضع رأسي

وأنام دون أن يحذرني أحد

أو يشرخ سباتي بفأس

وأصرخ بلا سبب

خطاب التجليات المبرحة

العقل متحجر وجد في

مقبرة جماعية

الطمأنينة ترتجف تحت الجفون

إن ثنائية الحياة/ الموت تؤرق الشاعر، لدرجة أن المجموعة قد كتبت تحت هاجسها، وإن الاستعانة بإحصائية رقمية تبين مدى انسكان روح الشاعر، بمثل ذلك الهاجس الذي يطغى على عوالم النصوص، فقد وردت كلمة موت واشتقاقاتها حوالي 24 مرة، كي ترد كلمة الحياة واشتقاقاتها 19 مرة، وترد كلمة روح 12 مرة، وكلمة حلم 11مرة، وكلمة جهة 10 مرات العزلة 6 مرات الهاوية 4 مرات، الوصية 4 مرات، ترياق مرتين، إضافة إلى كلمات أخرى:

الغياب الفناء - العدم - الجثة -المقبرة - المريض، بل هناك عبارات أخرى وردت على نحو لا فت مثل بلا أنفاس ولا حراك ص 7 ستمضي تحت التراب ص 11 الحقيقة نار مدفونة ص 18 العالم السفلي ثقب الحقيقة بمعنى القبر/الموت كآبة تتدلى كمشنقة - مدن تغسل أكفانها - تخفي رفاتك .

واضح - تماماً أن الشاعر ينطلق من حالة قلق هائل، يجعل أنشوطة الاغتراب والألم، تلتف حول عنقه، وتتمادى في الضغط عليه، لينعكس ذلك في نص يرفض جملة العلاقات من حوله، لا يفتأ عن التعبير عن جحيمية اللحظة التي يعيشها، وسط علاقات غير متكافئة، تؤدي إلى انسحاق الإنسان وانطحانه، وإنه بالرغم من انسداد الأفق من حوله، إلا أن بوابة الحلم تنفتح في عوالم نصه، بل إنه لا يتردد - أنى تهيأ له - عن التعبير عن ولعه بالحياة، وإن كانت لحظته منذورة للمتاعب والمعاناة، بل والامحاء، وهو ما يدفعه لتناول الأمر وكأنه لا يعنيه - أحياناً - مادام أنه يدرك مدى شراسة غول الواقع الذي يواجهه بالركض إلى الحياة، متداركاً الموت بأسماء العدم الكثيرة، ما أمكن.