كانت المساجد والجوامع من أهم ما شاده المسلمون من الأبنية في بغداد، في العصور العباسية المختلفة، إذ ظهر في أبنيتها الفن المعماري العربي بأحلى مظاهره . وكان لقدسية هذه العمائر أن حفظت لنا طراز هذا الفن في جميع الأدوار التاريخية . وظلت هذه الطرز منسجمة مع روح الإسلام بعيداً عن كل تعقيد وإشكال . وقد بالغ المؤرخون في عدد الجوامع في بغداد في العصر العباسي، غير أنها كانت عرضة في معظمها، للحادثات والنوائب، ما أتى على عدد جم منها، فزالت معالمها ولم تعد تعرف أماكنها . وبنيت في مواضعها بعض الأبنية المتصلة بالأعمال الخيرية . ولو أن عدداً منها بقي محافظاً على موقعه وعلى شيء من المباني القديمة التي تدل على عظمتها وتاريخها المجيد .

تحديد دقيق للقبلة

ويعد جامع قمرية واحداً من النماذج العظيمة لطرز المساجد التي شيدت في الطور الأخير من عصر الدولة العباسية . وقد أنشأه الخليفة المستنصر بالله سنة 626ه/ 1228م، في الجانب الغربي من بغداد/ مدينة السلام، على شاطئ دجلة مقابل الرباط البسطامي، حيث تقوم اليوم محاكم بغداد . وهو جامع محكم البناء سواءً لجهة عمارته، أو لجهة وجهته الدقيقة نحو نقطة القبلة .

وعندما انتهى الخليفة من بنائه، كما يقول المؤرخون، أمر بنقل الفرش وقناديل الذهب والفضة إليه، وأنارته الشموع العظيمة . وقد تم افتتاحه في شهر رمضان، واتخذ من بعض أواوينه مدارس للحديث والقرآن . كما اتخذت فيه مكتبة عظيمة عرفت بخزائنها الثمينة التي جمعت فيها الكتب النادرة . وذكر علي بن أبي الفرج بن الحسين في كتابه أصول التاريخ والأدب (ص125)، أثناء ترجمته للخليفة المستنصر: أنه (أي الخليفة) بنى مسجد قمرية . وفي نهاية البناء، خرج عليه ثمانية عشر ألف دينار .

وتعد مئذنة جامع قمرية من أ جمل المآذن الإسلامية، إن من حيث التناسب والتناسق، أو من حيث أسلوبها الخاص بها . ذلك أن أعلاها، من حوضها فصاعداً حتى قمتها، دقيق بالنسبة للحوض والبدن . ويقول المهندسون: إن ذلك شكل بلا شك ضمانة لبقائها طوال هذا الزمن، لأن ضآلة الأعلى يخفف من الضغط على القاعدة . وقد زينت المئذنة عند قمتها بالقاشاني الأزرق والأبيض، ورتبت بأشكال زخرفية وهندسية . وقد أجريت عليها بعض أنواع الترميم، وهو لا يزال واضحاً على حوضها لاختلاف الآجر فيه، واختلاف أسلوب البناء أيضاً .

في كتابه مساجد بغداد، ذكر العلامة محمود الألوسي، جامع قمرية، فقال عنه: هو من المساجد القديمة في الجانب الغربي، على ساحل دجلة تجاه دار الحكومة التي هي الجانب الشرقي . وهو أصح مساجد بغداد قبلة . فيه مصلى واسع، تظله قبة رفيعة السمك . وفيه منافذ من جهة القبلة تطل على حديقة أوقاف المسجد . وحول القبة مئذنة بيضاء، بنيت بالآجر والجص، قديمة العهد، رصينة البناء .

أما الفيروز أبادي فيقول عن جامع قمري: إنه مسجد منسوب إليه بعض أهل العلم وينقل عن بعض المؤرخين قولهم: إن مسجد قمرية من أبنية الناصر لدين الله الخليفة العباسي .

أقدم المنائر

أما جامع الحظائر، فهو من إنشاء زوجة الخليفة العباسي المستضيء ''زمرد خاتون . وهي والدة الخليفة العباسي الناصر لدين اللّه أيضاً . وكانت وفاتها سنة 599ه - 1202م . ويعرف جامع الحظائر اليوم بجامع الخفافين أو جامع الصاغة . ويقول المؤرخون والباحثون الأركيولوجيون إنه لم يبق من الجامع القديم غير منارته القائمة على ضفة نهر دجلة الشرقية، تحت المدرسة المستنصرية . وهم يعتبرون أن هذه المنارة إنما هي أقدم المنائر في بغداد- مدينة السلام، عهداً . وهي تشتمل على نوع من الفن البنائي الراقي، ما يجعلها نموذجاً للفن العراقي . إذ يوجد في رأسها أشكال هندسية من النقوش والزخرفة بالقاشاني . أما أسفل حوضها، فهو يشتمل على عقود تشبه هندستها، هندسة الأواوين الصغيرة .

وذكر المؤرخون الذين تحدثوا عن حوادث فيضان نهر دجلة سنة 646 ه - 1248م، فقالوا: إن الماء نبع من أساس حائط المستنصرية ومن مسجد الحظائر المعروف بمسجد أم الناصر المجاور لدار سلقرجا، وهو زعيم خوزستان المجاورة للمستنصرية . كذلك ذكر محمود الألوسي جامع الحظائر في كتابه مساجد بغداد فقال عنه: جامع الحظائر أو جامع الصاغة، ويسمى أيضاً جامع الخفافين، لأن عند بابه سوقاً فيه تباع الخفاف الحمر . وفيه خزانة كتب تشتمل على مخطوطات قديمة العهد . وكثير منها تلف بتداول الأيدي عليها .

ومن المؤرخين الذين تحدثوا عن جامع الحظائر محب الدين بن النجار في ترجمة أبي حفص عمر بن يوسف المقري المتوفى سنة 611ه - 1214م . فهو يقول: ورتب كتباً في المسجد الذي بنته أم الخليفة الإمام الناصر لدين اللّه بالحظائر على شاطئ دجلة . أما ابن الدبيتي فقد قال في سيرته: وأمّ الناس بالمسجد الذي أنشأته الجهة الشريفة والدة سيدنا مولانا الإمام المفترض الطاعة على كل الأنام، الناصر لدين اللّه أمير المؤمنين .

والواقع أن بناء مسجد الحظائر اليوم، إنما يعود إلى العصر العثماني المتأخر . غير أن مئذنته ما تزال تحتفظ بمعظم عناصرها الأصلية، حيث تتكون قاعدتها من مثمن يعلوه بدن أسطواني الشكل، تتوسطه شرفة الأذان المستندة على المقرنصات . ثم يقوم فوق هذه الشرفة عنق المئذنة، وهو اسطواني الشكل، قطره أقل سعة من قطر البدن . وتنتهي المئذنة في أعلاها بشبه قبة صغيرة وأجمل ما في مئذنة مسجد الحظائر تناسب أقسامها وتناسق بنيانها وجمال شكلها . فضلاً عن مقرنصاتها البديعة، وحناياها المضلعة ذات العقود المدببة، التي تحمل الشرفة التي يقف المؤذن عليها .