يعد جامع الأشاعر في محافظة الحديدة اليمنية الساحلية من أقدم المساجد التي شيدت في اليمن في صدر الإسلام، وهو ينسب إلى الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري الذي بناه في العام الثامن للهجرة النبوية الشريفة، بعدما بعثه النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى مخلاف تهامة لدعوة الناس إلى الإسلام ليكون أول المساجد التي نقلت تهامة اليمن من الضلال إلى عبادة الله الواحد القهار .
يحظى الجامع بمكانة روحية وتاريخية كبيرة لدى سكان السهل التهامي، كما يوصف بأنه أول جامعة إسلامية في منطقة تهامة منذ دخول اليمنيين في الإسلام وأدى إلى جانب مساجد أخرى خلال قرون دوراً علمياً ريادياً في هذه المنطقة .
مراحل البناء
منذ تشييده شهد الجامع عمليات توسعة ورعاية من قبل بالعديد من الحكام والأمراء والولاة المتعاقبين على مدينة زبيد التاريخية حيث كان إنشاؤه .
وتوضح المصادر التاريخية أن تاريخ تأسيس الجامع يعود إلى قبيلة الأشاعرة التي تنسب إلى الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري، في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم توسع تاليا في عهد الحسن بن سلامة أحد حكام دولة بني زياد، ويشير المؤرخ ابن الديبع في كتابه بغية المستفيد إلى أن المبارك بن منقذ الكناني الأيوبي أعاد بناء الجامع سنة 573 هجرية وبخاصة في مقدمته ثم تعهده سلاطين بني رسول بالعناية والتجديد غير أن أهم الإضافات التي تمت فيه كانت في عهد بني طاهر على يد الملك المنصور عبد الوهاب بن داود في القرن التاسع الهجري حيث أخذ شكله الذي لا يزال قائما حتى اليوم، وكان سيف الإسلام طغتكين بن أيوب قد تولى في نهاية القرن السادس الهجري بناء مؤخرة الجامع وجناحيه الشرقي والغربي وكذلك منارته .
وتولى ملوك الدول والإمارات المتعاقبون على حكم مدينة زبيد إجراء توسعات للجامع، وشيدوا أنظمة الري والأوقاف الخاصة بالجامع، ومن بينهم الملك الأشرف إسماعيل بن العباس والملك الأشرف إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل الغساني الذي تولى إنشاء مدرسة الجامع لتعلم القرآن الكريم وعلومه والحديث والفقه واللغة العربية .
واستمر اهتمام الملوك والأمراء بهذا الجامع حيث تولى السلطان عامر بن عبدالوهاب بن طاهر أحد حكام الدولة الطاهرية إعادة بنائه بعد هدمه كلياً وتم تزيينه بأنواع مختلفة من النقوش والكتابات والخطوط والزخارف الإسلامية وذلك في سنة 79D هجرية .
كما أوقف السلطان عامر بن طاهر على الجامع أرضاً نفيسة عرفت باسم أم الرزق، ثم تولى المهدي بن العباس عمليات ترميم وإصلاح عقود وأسقف الجامع وممراته الأربعة وزينها بالنقوش والكتابات القرآنية .
الجامع من الداخل
يشغل الجامع حالياً مساحة مستطيلة بمساحة 2500 متر، وهو لا يختلف كثيراً في معماره عن الطراز المعروف في المساجد التاريخية اليمنية إذ يحوي صحناً مكشوفاً يصل طوله إلى 60 متراً وتحيط به أربعة أروقة أعمقها رواق القبلة .
والبناء الداخلي للجامع يتميز بالفخامة حيث بني من مواد محلية مثل الياجور والطين والنورة البيضاء وشيدت دعاماته على شكل عقود مقوسة من الداخل .
وللجامع خمسة أبواب رئيسة أهمها البوابة الرئيسة الواقعة في الجهة الجنوبية والبقية موزعة على جهات الجامع، وتفتح مباشرة على رواق القبلة وثمة ثمانية أبواب أخرى ثانوية للجامع منتشرة في جهات عدة .
محراب الجامع يعد من أهم معالمه فهو مطعم بالزخارف الإسلامية على شكل أنصاف دوائر غير منتظمة، ويعلوه عقد محمول على عمودين وداخل عموديه تاج صغير تعلوه دخلات مستديرة الشكل في أشرطة أفقية، كما تعلوه لوحة من المقرنصات ناهيك عن الزخارف الجصية في طاقيته على شكل إشعاعي وصدفي ويتوسطها زهرة، وهو غني بزخارفه الهندسية والتوريقات النباتية وغيرها .
وثمة ملمح أساس في المحراب الذي يشبه في طرازه المحاريب الشهيرة في بلاد المغرب العربي إذ لا يتوسط جدار القبلة كما هي طبيعة المحاريب في المساجد اليمنية ويشير البعض إلى أن السبب في ذلك يعود إلى الزيادات المتكررة على الجامع في حين أن منبره الخشبي المزخرف موضوع بداخل الجدار إلى الشرق من المحراب ويرجع تاريخه إلى القرن العاشر الهجري في عهد الوالي العثماني مصطفى باشا النشار، وهو تاريخ تشييد الكرسي الخشبي المجاور لرواق القبلة والذي خصص قديماً لعلماء الدين والحديث لإلقاء دروس علوم القرآن والحديث ولا يزال قائماً حتى اليوم .
وزين جدار القبلة بالزخارف والكتابات القرآنية وأطرت الزخارف بوريقات نباتية وجميع كتابات وزخارف جدار القبلة ملونة بألوان الأزرق والأحمر والذهبي .
وسقف الجامع مسطح عدا القباب الموزعة عليه بنسق هندسي وفني وجميع أخشابه من أشجار الطنب وجميعها مزينة بألوان مائية عديدة، كما زين أسفله بإزار خشبي لم يبق منه إلا النزر اليسير .
المئذنة والقباب
مئذنة الجامع الواقعة في الرواق الجنوبي المقابل لبيت الصلاة تعد من الملامح البارزة لهذا الصرح التاريخي وتاريخ تشييدها يعود إلى العهد الأيوبي، وهي مصممة وفق طراز العمارة الإسلامية وترتكز على قاعدة مربعة يعلوها بدن مثمن تزينه أشكال معينات متكونة من تقاطع الخطوط ويعلوها قليلاً باب للدخول إليها من على سقف الجامع، وتغطي المئذنة من أعلى قبة مقرنصة وهي بذلك تشبه طراز المآذن المنتشرة في زبيد .
وللجامع حالياً 12 قبة منتشرة في الزوايا الشمالية الغربية والشمالية الشرقية، حيث مدخل الجامع، إضافة إلى الجناح الغربي، كما تنتشر العقود والدعامات الاسطوانية في أرجائه إذ يوجد 270 عقداً و90 اسطوانة من الخشب و140 دعامة من الياجور . ويلحق بالجامع العديد من المرافق أهمها مدرسة الأشاعر الواقعة في الجهة الغربية بالإضافة إلى مكتبتين كانتا تضمان نوادر المخطوطات، وكذلك مقصورة للنساء فضلاً عن الأربطة والمقاصير التي أنشئت لطلاب العلم الغرباء من جميع أنحاء اليمن والعالم الإسلامي .
يشير خبراء العمارة إلى أن موقع الجامع فريد من نوعه إذ يتصل بشبكة طرق تربط معظم شوارع المدينة وممراتها وأسواقها ما جعل للجامع أهمية كبيرة في اجتذاب المصلين وطلبة العلم إليه بكل سهولة ويسر . وأسهم هذا الموقع المميز بتحويله إلى مؤسسة تعليمية دينية تخرج منها مئات الفقهاء والعلماء في شتى صنوف العلم والمعرفة، خصوصا بعدما جمع أقطاب المذاهب في جنباته وصار وجهة لاتباع المذهبين الشافعي والحنفي على السواء .
لقرون طويلة ظل جامع الأشاعر من أهم المدارس العلمية في منطقة زبيد بمحافظة الحديدة في تدريس علوم القرآن والقراءات والفقه وعلوم الحديث وهو الدور الذي ظل يمارسه حتى وقت قريب . ومن أشهر فقهاء هذا الجامع: أبو العباس بن أحمد الحكمي، جمال الدين محمد بن علي الطيب إمام مقام الحنفية، عبدالله بن حسن المقصري، عمر بن حمد بن جمعان، أحمد الزبيدي وشيخ الحديث عبدالرحمن بن علي الربيع .