طوال ثماني سنوات مضت منذ إعلان البدء بإنشاء أكبر معلم إسلامي يمني وأحد أكبر التحف الإسلامية في المنطقة والجميع يراقب ظهور معالمه يوما بعد آخر حتى أماط رمضان اللثام أخيرا عن أكثر المشاريع إثارة للجدل واللغط بسبب الميزانية العملاقة التي رصدت له، والفترة التي استغرقها تنفيذه.

مع حلول شهر رمضان فتحت أبواب جامع الصالح بشكل غير رسمي أمام قاصديه، ليكون الجميع على موعد مع تحفة معمارية مذهلة وآسرة حتى لمن ناصبوا المشروع العداء طوال الفترة الماضية ومن لا يزالون يرون في ميزانيته رقما يتجاوز إمكانات ومقدرات البلاد وأوضاعها الاقتصادية.

ورغم أن كثيرين راهنوا بأن موقع الجامع البعيد عن المناطق المأهولة بالسكان نسبيا ووجوده في منطقة أمنية لقربه من دار الرئاسة سيحد من عدد زواره، إلا أن الناس يتوافدون بالمئات كل يوم حاملين معهم فضول كل السنوات الماضية وجدلها.

مساحة شاسعة

يقع جامع الصالح على مساحة تقدر ب 222 ألفاً و500 متر مربع، تشمل مبنى الجامع وكلية علوم القرآن والدراسات الإسلامية، وبقية ملاحق المسجد وموقفاً للسيارات ومساحات خضراء شاسعة، وتبلغ مساحة صالة الصلاة الرئيسة 596،13 متر مربع وتتسع لقرابة 40 ألف مصل، ويبلغ ارتفاعها قرابة 20 متراً.

وتغطي المنطقة الوسطى لسقف الجامع خمس قباب، منها أربع بقطر 60.15 متر وارتفاع 20،35 متر من سقف الجامع، والقبة الوسطية وهي الأكبر بقطر 40،27 متر وارتفاع 39،60 متر من سقف الجامع، ويبلغ عدد كل القباب على مبنى الجامع وأروقته ومبنى الكلية الشرعية التي تأتي في الجزء الجنوبي من المبنى مع مصلى النساء 23 قبة.

وتعلو المسجد ست مآذن، أربع منها موزعة على أركان المسجد يبلغ ارتفاع كل منها 100 متر، ومئذنتان على جانبي الكلية الشرعية يبلغ ارتفاع كل منها 80 مترا ؛ فيما تتكون كلية العلوم الشرعية من ثلاثة أدوار ويفصلها عن المسجد رواق واسع، وتحتوي 20 فصلاً دراسياً وقاعات للمحاضرات ومكتبة للرجال وأخرى للنساء وقاعة لحفظ المخطوطات ومرافق صحية بالإضافة إلى مصلى النساء.

ويربط قاعة الصلاة الرئيسية للجامع ببقية أروقته ومرافقه 15 بابا عملاقا من الخشب المنحوت تزينها زخارف إسلامية ومطعمة بالنحاس.

وقد روعي في تصميمات المسجد الطابع الإسلامي مع المحافظة على طابع العمارة اليمنية، وأخذت معظم أجزائها أشكالها من الجامع الكبير بالنسبة للتقسيم، وغيرها من المساجد القديمة التي تعود إلى فترة حكم العثمانيين بالنسبة للقباب.

وتشكل الخرسانة المسلحة المكون الرئيسي لهيكل الجامع، وقد ألبس بأربعة أصناف من الأحجار من مصادر يمنية، ويبلغ حجم أحجار البناء الأساسية 160 سم طولا، وقرابة 80 سم ارتفاعا، واستخدم الحجر الجيري الأبيض للواجهات الخارجية، والحجر الأحمر في الأحزمة الزخرفية فقط بسبب قلة كمياته وعدم توفره بأحجام كبيرة، واستخدم حجر الآجر الأحمر في تكسية منارات المسجد وبنمط يمني بحت.

من الداخل

يبدو البناء من الداخل تحفة فنية متكاملة، وقد طرأت تعديلات على الكثير من الأعمال مثل الآيات القرآنية التي تكسو جدران المسجد من الداخل لتكون من مواد معدنية ومطلية بماء الذهب، وهذه التعديلات كانت بناء على توجيهات الرئيس علي عبدالله صالح الذي أشرف على كل مراحل التنفيذ كانت السبب الرئيسي لتأخر افتتاح المسجد أكثر من مرة.

وقد كسيت أجزاء السقف في المسجد بالنسبة للمرات بين القباب بأكثر من 30 ألف قطعة زخرفية مطعمة بالذهب الخالص، كما كسيت القباب من الداخل بأعمال زخرفية رائعة ذات طابع يمني، إلا أنه تم استخدام مادة GRC بدلا من الجص الذي يستخدم عادة في مثل هذه الأعمال، وهي مادة تحاكي الجص من حيث الطواعية للأعمال الزخرفية إلا أنها أكثر قدرة على البقاء.

واستخدمت القمريات التي تعد ضمن عناصر البناء اليمني خصوصا الصنعاني في أجزاء كثيرة من المسجد، وفي الأجزاء العلوية منه وعند قواعد القباب، وقد استخدمت بغرض إدخال الضوء الطبيعي إلى كل أجزاء المسجد.

واستخدمت النقوش الإسلامية لتزيين جدران المسجد وتلوينها وتأطير الآيات القرآنية المنقوشة في أجزاء مختلفة من المسجد، حيث نقشت سبعمائة وثماني آيات في أشكال مختلفة، معظمها شكل حزاما على كل أجزاء المسجد من الداخل يتجاوز ارتفاعه المتر.

وتشكل الثريات (النجفات) مصدر الإنارة في المسجد من الداخل، وهي مصنوعة من النحاس والكريستال الأصلي، وأكبرها علق تحت القبة الرئيسة، وقد أخذت في أشكالها وتصميماتها الطابع الإسلامي، بالإضافة إلى شكل للقمرية اليمنية، وتتكون النجفة الرئيسية من 99 قطعة حفر على كل منها اسم من أسماء الله الحسنى، كما استخدمت نجفات نحاسية مشغولة يدويا بنقوش عربية في الممرات الخارجية وأروقة كلية العلوم الشرعية.

واستخدمت أحدث التكنولوجيا الحديثة فيما يتعلق بنظام الحماية من الحرائق، والتكييف المركزي، وأنظمة الصوت، والبث التلفزيوني المباشر، وأنظمة الحماية من الصواعق.

إلا أن ضخامة القباب والسقف بالنسبة للجامع جعلت الأعمدة التي تحملها تأخذ جزءاً كبيرا من مساحة المسجد.

الافتتاح

من المقرر أن يفتتح الجامع بشكل رسمي في 22 ذي القعدة المقبل، حيث يكون قد تم الانتهاء من الأعمال العالقة بالنسبة للمساحات الخارجية، إلا أنه تم افتتاحه بشكل غير رسمي للصلاة منذ بداية رمضان، ويقصده الناس منذ ساعات مبكرة قبل صلاة الظهر، ويستمر توافدهم حتى المغرب، ويصطحبون نساءهم وأطفالهم وكأنهم يقصدون متنزها، فأكثر ما يحدوهم فضولهم، ورغبتهم في رؤية ما أثار جدلهم لمدة.

وهناك تسحرك معهم كل التفاصيل، وفخامتها، وضخامتها، وروحانية يضفيها على المسجد تزاحم الناس وإقبالهم، وقد بلغ إعجاب الناس بما رأوه أن ذهبوا في أحاديثهم كل مذهب، من قائل بأن إمام المصلين في الحرم المكي سيصلي بالناس في جامع الصالح، وآخر يؤكد أنه ثالث أكبر مسجد في العالم العربي والإسلامي، وغير ذلك من الأقوال.