إعداد: مها عادل
يتميز جامع قرطبة الكبير بخصائص معمارية وتاريخية ورمزية كثيرة، جعلته من أهم المنشآت المدرجة في قائمة «اليونيسكو» لمواقع التراث الإنساني العالمية.
كان الموقع في عصر الرومان معبداً وثنياً، تحول إلى كنيسة مسيحية قبل الفتح العربي، وفي القرن الثامن اشتراه الخليفة الأموي عبد الرحمن الداخل وبنى الجامع الكبير الذي ظل العمل به مستمراً لتوسعته وزيادته لمدة قرنين ونصف القرن، وبعد أن سقطت قرطبة حوّله الإسبان إلى كاتدرائية، ولكن أهل قرطبة اختاروا دائماً كلمة «مسكيتا» التي تعني المسجد بالإسبانية، للدلالة على المكان، فهو الجامع والمسجد بالنسبة للعامة، بغض النظر عن أي مسميات رسمية يطلقها الحكام.
صحن النارنج
الساحة الخارجية للجامع أو الصحن المكشوف الذي يطلق عليه البعض «صحن النارنج»، كان أول ما استقبل أشجار الموالح الفلسطينية الشهيرة التي نقلها الأمويون إلى الأندلس وكانت الروائح الزكية لأشجار النارنج والليمون والبرتقال تعبق في المكان المقدس، وتتوسط الساحة فسقية مخصصة للوضوء، يجري بها الماء عبر نظام ري يرجع أصله إلى العصر الأموي، محاطة بسور يتخلله سبعة أبواب، بينما تطل المئذنة بقاعدتها المربعة من الناحية الشمالية للجامع الكبير المطلة على الصحن المكشوف. تعتبر الساحة الواسعة جزءاً من اتساع الجامع الذي تصل مساحته إلى حوالي خمسة أفدنة، أو 22500 متر مربع، على شكل مستطيل عملاق بأبعاد تصل إلى 180X125 متراً.
أعظم مدن أوروبا
أمر عبد الرحمن الداخل بإنشاء المسجد سنة 785م وكانت مساحته آنذاك 4875 متراً مربعاً وكان المسجد قديماً يُسمى بجامع الحضرة أي جامع الخليفة أمّا اليوم فيُسمى بمسجد قرطبة أو مسجد الكاتدرائية «بعد أن حوله الأسبان إلى كاتدرائية مسيحية». وأهم ما يميز هذا الجامع ويجعله فريداً في تاريخ الفن المعماري أن كل الإضافات والتعديلات وأعمال الزينة، كانت تسير في اتجاه واحد وعلى وتيرة واحدة، تتسق مع شكله الأساسي. وترك معظم حكام قرطبة من الخلفاء الأمويين إلى أمراء الطوائف والمرابطين والموحدين، بصماتهم على الجامع، حيث كان يمثل الواجهة التي يقدمون من خلالها مدى التطور الحضاري والمعماري الذي وصلت إليه قرطبة خلال العصر الإسلامي. عندما كانت أعظم مدن أوروبا وأكثرها ازدحاماً بالسكان، وذكر المؤرخ ياقوت الحموي أن عدد قصورها كان ثمانين ألفاً وعدد سكانها ناهز المليون نسمة عندما كانت أكبر المدن الأوروبية لا تزيد على ربع هذا العدد، وقال ياقوت إن أضواء قرطبة في الليل كان المسافر يراها على بعد عشرة أميال.
العقود المزدوجة
في الوقت الحالي، يتم التعامل مع الجامع باعتباره متحفاً، ولكن جدرانه تسبح بطريقتها الخاصة، حيث نقشت عليها الآية الكريمة: «هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْملكُ الْقُدُوسُ السَّلَامُ الْمؤْمِنُ الْمهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ» (من سورة الحشر) مكتوبة بالخط الأندلسي المورق على الجدران الداخلية. وتنتشر الكتابات الماثلة ضمن الزخارف التي تمتد عبر رواق القبلة والأروقة المقابلة له وتعتبر من أهم نماذج الخط الأندلسي التقليدية حول العالم.
والجامع الكبير مقام على حوالي 800 من الأعمدة المرصوصة في صفوف، وتحمل السقف أقواس دائرية مزدوجة على شكل حدوة الفرس، تعرف في الفن الإسلامي باسم العقود المزدوجة، بالغة البساطة والجمال في شكلها، تلونها شرائط باللونين الأحمر والأبيض، وهذه البساطة الرقيقة ذات الجمال المطلق جعلت هذه العقود تستمر إلى اليوم لتمنح المسجد هويته المستقلة، ويعتبر جامع قرطبة الكبير من أروع النماذج التي يتم فيها استخدام العقود المزدوجة بهذه الطريقة، حيث تبدو الأعمدة في بعض الزوايا وكأنها تمتد إلى ما لا نهاية.