لايزال الأشخاص الذين عاصروا ثورة بركان سانت هيلين في الثامن عشر من مايو/ أيار 1980 يذكرون عذوبة وصفاء مياه البحيرة التي يطل عليها جبل سانت هيلين المعروف باسم سبيريت ليك قبل البركان، ويذكرون أيضاً كيف تنفس ذاك الجبل الذي يبلغ ارتفاعه 1300 متر وأطلق رماداً وحمماً ارتفعت في السماء بصورة أثارت الذعر .

يقع جبل سانت هيلين في ولاية واشنطن الأمريكية المتاخمة للحدود الكندية الغربية . وبقي هادئاً لسنوات طويلة قبل أن يلفظ أكثر من ثلاثة مليارات متر مكعب من الوحول والرماد والثلوج الذائبة بعد أن انهارت الكتل الجليدية المتراكمة جارفة كل شيء أمامها . وقبل أن تصبح الحفرة أكبر من حجمها بمرتين أصبح عمقها يقل عنه قبل الانفجار . وتبع ذلك استئصال شأفة كل شواهد الحياة في المنطقة المحيطة بالجبل، واختفت الأكواخ السياحية الجميلة والطرقات والمخيمات التي كان عشاق المنطقة المليئة بغاباتها وثرواتها المختلفة ينصبونها في قلب مشهد الجبل الساحر المكلل بالثلوج والذي كانت قمته كاملة ولم تكن الحمم الذائبة دمرتها بعد . وقبل أن تبدأ رائحة كريهة تفوح من البحيرة وتحرمها من مسببات الحياة، وقبل أن تغطى بحصيرة هائلة من أعجاز الشجر نصف المحترق أو المتفحم، وقبل أن تجتث المسطحات الخضراء، كان كل شيء رائعاً، فالماء الرقراق كان يتدفق من الأنهار التي تصب في البحيرة، وكانت الصورة الصافية تظهر قاعها وتزدحم بالأسماك . القريبون من منطقة بركان سانت هيلين قبل البركان يطلقون عليها الآن الغابة المتحجرة بعد أن التهمت الحمم كل شيء .

كانت الحياة النباتية تحت ماء البحيرة تمثل لغزاً محيراً للكثيرين من سكان المنطقة، واستمرت كذلك حتى انفجار قمة الجبل . وعلى الرغم من انتعاش الغابة الآن فإنها، في أجزاء منها، لاتزال تحمل بصمات ما حدث في الثامن عشر من مايو/ أيار 1980 . وهناك أدلة أخرى لاتزال تحتضنها بحيرة الروح سبيريت ليك التي لاتزال تقف على خط النار .

وبعد 30 سنة لاتزال البحيرة تحمل في جوفها الكثير من الأمور الغامضة . واللافت أن الأسماك عادت لتعيش فيها . ويتذكر سميث الذي كان يدير منتجع ايكو بارك عند حافة الجبل البركاني أن أسماك التراوت انحدرت من بحيرة سانت هيلين العلوية الصغيرة خلال سنة الفيضان . والحقيقة أن البحيرة كانت تعج بالحياة، ولم يكن يثير الماء الصافي فيها سوى حركة المراكب الخفيفة تبحر على سطحها والأسماك التي تغوص في أعماقها، لكنها كانت أصغر بكثير من أسماك التراوت الغريبة التي احتلت مكان تلك الأسماك التي ربما نفقت بفعل الحمم والسيول السامة التي كانت تجرف معها الرماد البركاني . ويعتقد العالم البيولوجي بوب لوكاس من إدارة الحياة السمكية والبرية في ولاية واشنطن أن شخصاً ما دس تلك الأنواع من الأسماك بصورة غير شرعية ومن دون إذن من السلطات . ويقول إنه تأكد من ذلك عندما اتصل به مجهول في أواخر عقد التسعينات من القرن الماضي، وقال له: أنا من ألقى تلك الأسماك في البحيرة .

وفي أعقاب فحص جيني لتلك الأسماك قال عالم البيئة تشارلي كريسافولي: إن سمك التراوت لم يهبط من بحيرات عالية على سفوح الجبل قبل انفجار البركان، وتخلى بعدها نهائياً عن دراسة أصل تلك الأسماك . ولا تقتصر تلك القصص أو الخرافات على الأسماك، لكن ما يلفت انتباهه ليس وضع السمك وكيف جاء إلى البحيرة، بل ما يهمه هو كيف كبرت تلك الأسماك لتبلغ ضعف حجمها العادي في البيئات الأخرى .

وفي الذكرى السنوية الثلاثين على انفجار البركان يعتقد أن الوجود الغامض لتلك الأسماك في بحيرة سبيريت ليك ليس هو ما يمنحها تلك الشهرة بل علماء البيئة وعلماء عاديون وصيادون وأعضاء في الكونجرس الأمريكي وحراس الغابات ورجال الأعمال الذين حولوا المنطقة إلى مادة خصبة لإثارة الجدل .

شهود

عاش تشارلي سميث في منطقة البحيرة التي يطل عليها الجبل، وكانت أسرته تدير سكناً كان يمتلكه في السابق هاري ترومان وهو شخصية مشاكسة يشبه الرئيس الأمريكي الراحل في اسمه وكان يتجاوز الثالثة والثمانين عندما أصبح واحداً من الضحايا ال 75 الذين قضى عليهم البركان . وعندما كان سميث صبياً كان يصطاد على شاطئ تلك البحيرة بحرية، أما اليوم فإنه سيخالف القانون إن فعل ذلك، ولكنه لا يعترف قط بأنه يرتكب أي جرم .

وتقع البحيرة الآن، التي تبلغ مساحتها 2700 هكتار، في قلب منطقة أبحاث محظورة، تحتل تقريباً 110 آلاف هكتار، وهي ربع مساحة انتشار معلم جبل سانت هيلين الذي صنفه الكونجرس العام 1982 على أنه محمية جيولوجية وبيئية ومن المصادر التراثية التي لا بد من الحفاظ عليها ما أمكن بوضعها الطبيعي . ويسمح ذلك بصورة أولية لمؤثرات جيولوجية طبيعية وسلسلة من التحولات البيئية بالاستمرار من دون عوائق أو تعطيل، ودليل ذلك أن المنطقة لاتزال مغلقة أمام الجمهور وبفضل ذلك أصبحت واحدة من أعظم مناطق التجارب حول البيئة الطبيعية في العالم .

وما يثير المخاوف من جديد توقع عودة نشاط البركان، فخلال الفترة ما بين 2004 و2008 أطلقت فوهة البركان سحباً من البخار ولفظت الرماد إلى ارتفاع يزيد على 30 ألف قدم . وتزايدت قبة الحمم داخل فوهة البركان ولفت ذلك بقوة مراقبيه والجيولوجيين .