النظرية النفعية (utilitarianism) مؤثرة، بدرجات متفاوتة، ومستويات مختلفة، في الأفراد والمؤسسات والمجتمعات والسياسات العامة، في العالم المُعاصر. النظرية النفعية تكونت ضمن إطار علم الفلسفة، وبفضل علمائها وفلاسفتها تطورت، وتوسعت، وتشعبت، لتتخذ مسارات اقتصادية واجتماعية وسلوكية وثقافية وسياسية وفكرية وتطبيقية وتجريبية وحالات إمبريقية، وغير ذلك من مسارات، مُحدثة تحولات كبرى، فالنفعية قوة طاغية في الحياة.

الفلسفة النفعية لها جذور إصلاحية، وتنموية، فقد كانت بداياتها القديمة والتاريخية البحث في مسألة السعادة، ما السعادة؟، ومم تتكون؟، وكيف تتحقق السعادة في حياة الإنسان؟، وقد قدمت الفلسفة، أو النظرية النفعية، إجابتها، عبر بحوثها ودراساتها وتطبيقاتها، تُريد خدمة الإنسان وتحقيق سعادته وبهجته وفرحته وسروره وتخلصه من الآلام والمنغصات، هذه كانت أهدافها. غير أن جانب الأهداف وشرعيتها، لا يعني غفلتنا عن جانب الماهية، ماهية الأهداف المُراد تحقيقها، ولا عن جانب جانب الكيفية، ما كيفية تحقيق هذه الأهداف، والوسائل المؤدية إلى ذلك؟ هذه التساؤلات مهمة في مباحث السعادة، التي نسعى إلى تطويرها، كما في غيرها من مباحث علمية، وهنا تبرز بوضوح إشكالية النظرية النفعية، والعقبات التي تتضمنها لتحقيق السعادة ذاتها، وذلك في أصل تكونها النظري، والتطبيقات التابعة، فأزمة النظرية النفعية محتدمة، ومُعقدة.
أُصول الفلسفة النفعية ترجع إلى أدبيات الفلسفة اليونانية، قبل الميلاد، وقد تطورت منذ ذلك العهد الإغريقي، مروراً بعصور النهضة الأوروبية المتتالية بَدْءاً من القرن الثالث عشر، وما تلا ذلك من تقدم، ثم الثورة الصناعية البريطانية، في القرن الثامن عشر، وهي الثورة الصناعية الأم، حيث توالت من بعدها الثورات الصناعية الأوروبية، متأثرة بها، ثم حدثت تأثيرات كَوّنية، ضخمة وجذرية، فكانت الفلسفة النفعية، في قلب الحدث الكَوّنِي والتطور العلمي والفكري والحراك الإنساني.
الفلسفة النفعية في أصل تكونها الفكري الإغريقي، حددت بأن «الغاية الوحيدة للفضيلة، وهي المنفعة». هذا ما كان يؤمن به الفلاسفة: «القورينائيون» اليونان نِسبة إلى مُعلمهم الفيلسوف «أرستيبوس القورينائي» (366-435 ق.م) الذي استنبط فكرة «السعادة» من تعاليم أستاذه سقراط، فقد بدأ مُحباً للحكمة كأستاذه، لكنه مال بها، وانحرف بها عن منهج أستاذه سقراط. فقد وضع «أرستيبوس» مبادئ أساسية لمذهب المنفعة، وهي أن السعادة قرينة المنفعة، والسعادة مساوية للمنفعة، واللذة غاية، واللذة خير. بهذا الطرح الفكري يكون الفيلسوف النفعي «أرستيبوس القورينائي» قد خرج على قِيم ومبادئ الفلسفة الإغريقية التي جاء بها رائدها الأول، سقراط، الذي عَرّف الفضيلة بالخيرية. عارض «أرستيبوس» شروحات سقراط في السعادة، كَوّن «أرستيبوس» لم يتقبل مسألة التجريد السقراطي، كما شك في مثالية سقراط حين آمن «أرستيبوس» بالمادية والحسية، كأركان في فكره، وهذا من تأثير الفلسفة السوفسطائية الحِسية عليه، فمصادر علمية تذكر أنه أيضاً كان من تلامذتها، أي أن «أرستيبوس» كان سوفسطائياً يؤمن بالحسية والمادية.
«أرستيبوس» حين آمن بالمادية ابتعد بذلك عن التفسيرات «غيرالمرئية» والفلسفة المعيارية التي قدمها سقراط، وخاصه الشروح الفلسفية في علم الجمال، وتابع الجمال، عنصر السعادة، فأستيبوس حين تناول مفهوم «السعادة» تناوله من منظوره النفعي وليس من منظور أستاذه سقراط الذي وضع أُطراً معيارية وتجريدية ومثالية وأخلاقية أساسية للسعادة. جاء «أرستيبوس» بأصول فلسفته النفعية، كإجابة تنظيرية رداً على سقراط، حول مسألة السعادة، فشرح «أرستيبوس» نظريته النفعية، وقدمها، في مدارس اليونان، ونشرها عبر تلامذته، في جهود حثيثة لحصار الفكر السقراطي. جعل «أرستيبوس» اللحظة الحاضرة، اللذة الحاضرة، عنصراً أساسياً في التفكير، في حين أن الماضي والبُعد المستقبلي، لا أهمية له. رغم أهمية الحاضر، إِلاّ أن إلغاء الماضي والمستقبل يُعدّ مشكلة. بهذا الطرح تتضح أكثر حِدِيّة وتطرف النفعيين القورينائيين.
آمن الفلاسفة النفعيون بأن الطبيعة البشرية بميولها وأهوائها ونزعاتها هي الأساس الوحيد الذي تُبنى عليه القيم الأخلاقية جميعاً. هذا هو «الإيمان النفعي» الذي هو أصل مشكلة النظرية النفعية. وحين انسابت تجارب وتطبيقات النفعية عبر التاريخ لم تخلو من أصل المشكلة النظرية هذه التي غدت تصوراً ذهنياً وفكرياً وعقلياً مُحدِداً للفعل والقول والسلوك والتطبيق. الطبيعة البشرية مُتَحَكِّمة في الأخلاق، وحاكمة لها، هذا قانونهم، وبذلك، تفقد الأخلاق استقلاليتها، وهذه هي النتيجة، عند الفلاسفة النفعيين، حيث خضعت الأخلاق للطبيعة البشرية، بمتغيراتها، وظروفها، سواء كانت إيجابية أو سلبية، وبذلك يكون «القورينائيون»، رغم سعيهم لتحقيق السعادة، وانجذابهم لها، قد هيئوا الأجواء وخلقوا الظروف النفسية للممارسات غير العادلة، والعدوانية، ولحدوث توترات. في ظل حاكمية «المبدأ النفعي»، الذي أسسوه، ليست هناك ضمانات، ولا قواعد أخلاقية مستقلة، تحكم السلوك الإنساني. ومادام السلوك الإنساني تحكمه الطبيعة البشرية، المتغيرة، المتبدلة، فلا تحكمه المعايير الأخلاقية، بطبيعة الحال.
الفلاسفة النفعيون جعلوا العامل الأخلاقي يخضع لعامل المنفعة، وهذا المبدأ هو جذر ما يُعرف بأخلاق المنفعة، أي تلك الأخلاق التي تكون مشروطة ومُحددة بعامل وجود المنفعة والمصلحة. أي بمعنى ضمني، لا وجود لأخلاق دون منفعة، أودون مصلحة، هذه هي النتيجة أصلاً التي لا يمكن أن ينكرها النفعيون، فقد أَدّموا الإنسانية بهذا الطرح النفعي الأساس، وممارساتهم ستكون منطلقة من ذلك، فقد تساوت لديهم الأخلاق والمنفعة، فهما عاملان لا ينفصلان، من منهما قبل الآخر؟ قالوا: المنفعة هي الأصل وهي الحاكم وهي السيد وهي الجوهر وهي الأساس. هكذا فقد جعلوا المعايير الأخلاقية قائمة على أساس المنفعة، ثم جعلوها على أساس اللذة، فالمنفعة معيار الأخلاق، والمنفعة كذلك الخير الأقصى وهدف الحياة، وهكذا فإن الفلاسفة «القورينائيين» قد وحدوا بين المنفعة واللذة والسعادة. وهذه هي جذور الإشكالية الفكرية - التطبيقية الضخمة التي أحدثوها.
«أرستيبوس» اليوناني تناول مسألة العقل والروح، وفي أصل شروحه، لا تتضح مسألة نُكرانه النُكران التام لها، غير أن هذه كانت النتيجة حين أعلى من شأن «الحس» و«الجسد»، فهو لا يعتد بحقائق «العالم غير المرئي» «غير المحسوس» «غير المشاهد»، لا يضع ذلك في تصوره وأبحاثه ودراساته وفلسفته، حين آمن، وتلامذته، بالحسيات والماديات والمُجسمات والمشاهدات والمرئيات، واقتصروا عليها، وتجاهلوا تماماً الحقائق غير المرئية، غير الحسية، غير المشاهدة، والمعيارية، والتجريدية، وهذه حِدِيّة أسسوها، ثم تواصلت إشكالياتهم الفكرية حين ربطوا عامل «المعرفة» بعامل «اللذة»، فقد حَجّموا بذلك المعرفة، فالمعرفة لم تعد مستقلة، أو هي مجردة، بل هي مرتبطة بعامل «اللذة»، واللذة في أصل فلسفتهم هي المنفعة، ومتساوية معها، كما أن المنفعة في أصل فلسفتهم هي السعادة، ومتساوية معها، وبالتالي فقد ربطوا «المعرفة» بالمنفعة، فَتَحَجّم عامل المعرفة بذلك من أُفقه الواسع إلى نِطاقه الضيق، المنفعي المجرد، فتساوت لديهم «المعرفة» و«اللذة» و«المنفعة» و«السعادة»، وغدت كلها مترادفات. وهذا يُعد امتداداً لتطرفهم الفكري.

بهذا تكون فلسفة سقراط الأخلاقية الجمالية المثالية ومفهومها للسعادة قد تم حصارها بهذا الطرح الفلسفي النفعي المجرد المُناهض.

تعمقت الفلسفة النفعية الإغريقية عبر النسخة «الأبيقورية»، نسبة للفيلسوف الإغريقي «أبيقور» (341-270 ق.م) الذي تابع منهج النفعيين«القورينائيين» وطوره ووسع فيه. «أبيقور» جعل «الفرد» هو الأساس. بهذا التأصيل يكون «أبيقور» قد رسخ «الفلسفة الفردية»، ومن هذا المبدأ الفردي، يتم الربط بين الفلسفة الفردية والفلسفة النفعية، التي ورثها عن «القورينائيين»، وهكذا اشتدت الأزمة الفكرية للنفعية، وزادت خطورتها من خلال امتداداتها التطبيقية والتجريبية عبر التاريخ. «أبيقور» جعل مقياس الأخلاق هو الفرد، الأخلاق لم تعد معيارية، أو تجريدية، أو مستقلة، كما جاء بها سقراط، فالفرد، عند «أبيقور» هو حاكم الأخلاق، فالفرد هو الذي يقرر ماهية الأخلاق، الفرد أصبح مصدر الأخلاق، وبالتالي تكون «النفعية الأبيقورية» هي امتداد «للنفعية القورينائية» وكلاهما قد رسخا انفصالهما عن الفلسفة الإغريقية التي قدمها معلمهم الأول، سقراط، حين قامت الفلسفة النفعية الأبيقورية بإخضاع العامل الأخلاقي تماماً لحُكم الإنسان ورغباته وأهوائه ونزعاته وميوله، هذا المبدأ لم يقل به سقراط، مُطلقاً.

بحثت الفلسفة النفعية «الأبيقورية» عامل الطمأنينة، كيف يتحقق عامل الطمأنينة في حياة الإنسان؟ أجاب «أبيقور» بما يلي: يتحقق عامل الطمأنينة في حياة الإنسان باللذة، وهذا تطرف، اتفق فيه «أبيقور» النفعي مع «أرستيبوس» النفعي، فقد ربط «أبيقور» عامل «الطمأنينة» بعامل «اللذة» الرباط المُحّكم، وعامل «المنفعة» لدى النفعيين أصلاً يرتبط بعامل «السعادة»، وفق الأدبيات الأولى للفلسفة النفعية، فتساوت لدى «أبيقور» وتلامذته، عوامل «الطمأنينة» و«اللذة» و«المنفعة» و«السعادة»، كل مفردة منها تعني الأخرى.

هكذا تم تأسيس الفكر النفعي وفق أصوله التاريخية لدى «المدرسة النفعية الإغريقية»، حيث أطاحت هذه المدرسة بالتعاليم الأخلاقية الجمالية المثالية، الأساس التي جاء بها سقراط، وخاصة بعد محاكمته ووفاته، هذه الفلسفة الأخلاقية الجمالية المثالية التي حافظ عليها تلامذته سقراط، أفلاطون وأرسطو، في حين أن الفلاسفة النفعيين الإغريقيين، قد خرجوا عليهم، ونشروا مذهبهم النفعي، في ربوع اليونان، وانتشر خارج بلاد الإغريق، وحتى من جاء بعدهم من الفلاسفة النفعيين، فإنهم استلهموا التراث الفلسفي النفعي الإغريقي، بل، وطوروه.

هذا الأصل الفكري الإغريقي للنظرية النفعية تطور عبر التاريخ، وتجذر، وتعمق، وامتد، واشتد، وتطور، وتوسع، وتَحّدث نتيجة له إشكاليات وأزمات على مستوى السياسات والحياة المدنية والفردية والحياة العامة والفكر والممارسة.

[email protected]