من الرائع مشاهدة إبداعات خالقنا سبحانه وتعالى لندرك مدى عظمته جل في علاه، وإحدى هذه الإبداعات أو الصور الرائعة ما نشاهده من تشكلات لجذور النباتات والأشجار داخل وتحت الأرض وفوقها وكيف أنها تتأقلم مع الحواجز التي تعيقها ومع كل أنواع الأراضي والتربة بدءاً من الصحراء وحتى الغابات والمناطق المتجمدة . والجذر هو واحد من خمسة أعضاء مهمة موجودة في النبات وهو أول الأعضاء ظهوراً وينمو مثالياً تحت التربة واستثنائياً فوقها وقمة الجذر النهائية تنمو باتجاه الأسفل (مركز الأرض)، ولا يتشكل على الجذر أوراق ولا براعم متخصصة، ونتيجة تواجده تحت سطح التربة وارتفاع كلفة الدراسات والأجهزة التي تحتاجها وصعوبة تطبيق فاعلية الأجهزة باختلاف أنواع التربة لم ينل الجذر حظه الوافر من الدراسات .
ولذلك نجد أن أكثر من يهتم بالجذر هم دارسو علم فسيولوجيا النبات ومن أجل ذلك وجدت البيئات المخبرية السهلة مثل الرمل والماء والهواء، والقراءات التي تؤخذ للجذر بعد انتهاء الدراسة هي عديدة مثل: الطول، الشكل، اللون، درجة الافتراش العرضي، حالته (مريض أم لا)، نوع التفرعات الجذرية، الحيز الذي يشغله، الوزن الجاف له . . الخ .
وثمة تشكيلات رائعة في الطبيعة يبلغ بعضها في وصفه حد "المخيف" كجسر الشجرة الذي يصل بين سكان قريتين صغيرتين في سيلاتان غرب مدينة سومطرة في إندونيسيا، وهو جسر طبيعي فوق نهر "باسار" . منظر هذا الجسر يذكر من يراه بفيلم "آكشن" أو رعب، من أفلام أنديانا جونز ويسمى "جامبتان آكار"، تكون هذا الجسر بشكل طبيعي من جذور الأشجار على جانبي النهر في فترة امتدت ل 26 سنة، ومع مرور الوقت ازدادت قوته وأصبح متيناً بشكل يمكنه من حمل الناس ليصلوا إلى الضفة المقابلة من النهر، وثمة جسور مماثلة في شمال الهند أيضاً، حيث شرعت إثنية الخاسي منذ قرون في عمل جدائل من جذور الأشجار فوق الأنهار لتكون بمثابة الجسور الطبيعية الفائقة المقاومة للمياه، ويعمل سكان الغابات الاستوائية بشكل عام على المزج بين جذور شجر التين والبامبو لتكون بمثابة جسر يصلهم بالضفة الثانية من النهر، ويحتاج الجسر الواحد من هذه الجسور إلى 15 سنة على الأقل كي يكتمل لكنه يبقى متماسكاً من دون أي صيانة لقرون عدة .
تعتبر شجر الكَاذِيّ أو البندانوس من أحاديات الفلقة ويوجد منها نحو 600 نوع معروف، هذه الشجرة مشابهة للنخيل، وأصلها يرجع إلى استوائيات وشبه استوائيات العالم القديم . ويطلق عليها غالباً نخيل البندانوس، ويصل طول الأنواع الصغيرة منها إلى أقل من متر ويبلغ طول الأشجار متوسطة الحجم 20 متراً وهي ذات مظلة عريضة، وفاكهة ثقيلة كروية الشكل مشابهة لفاكهة الأناناس ( 15 كيلوغراماً)، جذع هذ الشجرة سميك، وعريض التفرع، ومحلق بالعديد من ندوب الأوراق، وعادة ما يكون لها العديد من الجذور الداعمة السميكة قرب القاعدة التي تشبه الحبال، والتي توفر الدعم أثناء نمو الشجرة الثقيلة للأعلى بالأوراق . وللأنواع النامية على الأراضي القريبة من الساحل المفتوح "جذور داعمة" سميكة كمراسٍ في الرمال اللينة وتنبثق تلك الجذور الداعمة من الساق، وتكون عادة بالقرب من أو فوق الأرض، الأمر الذي يسهم في بقاء النباتات مستقيمة للأعلى وثابتة في الأرض .
شجرة المنغروف أو الأيكة الساحلية هي وصف لنباتات تعيش في البيئات الشاطئية المالحة، تتكون الكلمة الأجنبية "Mangrove" من كلمتين: الأولى برتغالية "Mangue" وتعني شجرة والثانية إنجليزية "Grove" وتعني مكان الأشجار . و"Mangrove" مصطلح بيئي يستخدم ليشمل كلاً من الشجيرات والأشجار من ذوات الفلقة أو الاثنين، والتي توجد في المناطق الاستوائية وتحت الاستوائية الضحلة الواقعة تحت تأثير المد البحري، وعلى المستوى العالمي يوجد نحو 100 نوع من هذه النباتات موزعة حول المناطق الاستوائية وتحت الاستوائية في العالم، ويوجد العدد الأكبر منها (65 نوعاً) في منطقة جنوب شرقي آسيا، بينما يوجد نحو 11 نوعاً في العالم الجديد ومنطقة الكاريبي . أما في الوطن العربي فتوجد ثلاثة أنواع من نباتات الأيكات الساحلية أهمها نبات القرم كما يسمى في الجزيرة العربية أو الشورى (كما يسمى في مصر والسودان وهو (باللاتينية) Avicennia marina . ويشير اسم الجنس إلى العالم العربي الفارسي ابن سينا .
تتميز نباتات القرم بتحملها لملوحة البحر، حيث إنها تحتوي على جذور سائدة تسمى الجذور التنفسية التي تعمل على تقليل تيارات المد والجزر وتسبب ترسباً هائلاً في الطين والغرين، وتنبت بذور هذا النبات وهي لا تزال على الأشجار الأم وتسقط البادرات وتطفو في الماء إلى أن تثبت نفسها في الماء الضحل حيث تظهر الجذور النامية ربما لتكون جزيرة جديدة . وتختلف مناطق أشجار الأيكة الساحلية من حيث كثرة الأنواع فتتميز السواحل الشرقية من القارات بالغنى والتنوع النباتي مقارنة بالسواحل الغربية للقارات . تشبه أشجار الأيكة الساحلية أشجار الغابة المدارية المطيرة في أن جذورها سطحية وتنمو نمواً أفقياً بالدرجة الأولى ويتراوح طول الأشجار ما بين 5 إلى 7 أمتار .
ويعتبر شجر المنغروف أيضاً من الموائل الطبيعية التي تمثل ملاذاً ودروعاً واقية من شطحات قوى الطبيعة فغابات المنغروف المنتشرة في البحار تمثل حائط صدّ أول ضد الأمواج العاتية وحاجزاً طبيعياً يحمي المجتمعات الساحلية من جموح البحر، حيث لاحظ العلماء في الكارثة الأخيرة التي حلت بمنطقة جنوب شرقي آسيا قبل عدة سنوات أن وجود هذه الغابات من أشجار المنغروف كان كفيلاً بالحد من قوة أمواج التسونامي ومنعها من التوغل كثيراً داخل اليابسة . وأوضحت تقارير أن قلة خسائر بعض السواحل المنكوبة سواء في الأرواح أو المنشآت، كما في حالة الساحل الغربي لجزيرة بينانغ التايلاندية أو الساحل الجنوبي لمقاطعة تاميل نادو الهندية، يعود بالدرجة الأولى إلى وجود غابات كثيفة من المنغروف . وفي المقابل، لوحظ أن أشد السواحل تضرراً كانت تلك التي أزيلت منها الشعاب المرجانية وأيكات المنغروف . وتعمل جذور شجر المنغروف على دعم قاع البحر الضحل بشكل عام .
بين أشجار الغابات الاستوائية، وغابات أستراليا والبرازيل، ينمو نوع عجيب من الأشجار يدعى "الأشجار الخانقة" وتشبه جذورها المخالب القاتلة ومنها شجرة التين الموجودة في تايلاند في مناطق الخمير، تنبت عكس النباتات الاخرى أي من الأعلى نحو الاسفل! تبدأ هذه الأشجار حياتها هزيلة ضعيفة وسط زحام من الأشجار العملاقة، ثم تصارع وتنافس كي تصل إلى ضوء الشمس لتستمر في الحياة، وتصل إلى ذلك بأول الحلول التي تتخذها وهو الإكثار من إنتاج البذور، فيقوم الهواء، وكذلك الطيور بحملها إلى الغصون لا على الأرض ثم تبدأ بالهبوط إلى التربة مستندة إلى ساق الشجرة العملاقة، وتلتف جذورها التي تمتد في الهواء على ساق وجذر الشجرة العملاقة حتى تصل إلى الأرض وهنا تتغير أطوار نمو النبتة حيث تزودها الجذور الطويلة بالماء والاملاح المعدنية فتكبر النبتة بسرعة وتظهر من جديد عروق أخرى تلتوي حول جذع الشجرة الحاملة لشجرة اللتين فتخنق الجذور الشجرة وتأخذ مكانها تماماً، ومن عجائب الشجرة أن جذورها التفت حول عنق تمثال بوذا لتخنقه .
ونكمل رحلتنا مع عجائب الجذور ونتجه نحو هونغ كونغ لنتأمل شجرة تمازجت جذورها مع رصيف الطريق تبحث عن الماء بين الشقوق، ويبدو أن الذين زرعوا الشجرة في هذا المكان لم يأخذوا بالاعتبار شرهها للماء ولذا استعاضت عن ذلك بمد جذورها حولها كي تحصل على ما يمكن من المياه والأملاح المعدنية الموجودة في التربة كي تستمر في النمو بهذا الشكل الغريب ولفترة طويلة بل إن البعض يشبهها بالشريان الدموي الكبير كثير التفرع .
هضاب سرية
يوجد في المكسيك والأجزاء الغربية من الولايات المتحدة مثل وادي الموت بصحراء نيفادا نوع من الشجيرات التي تأقلمت مع المناخ القاسي هناك فالرياح العاصفة التي تهب دائماً في هذه الصحراء الجرداء تجعل أكوام الرمال تغطي تلك جذوع هذه الشجيرات ولا يظهر منها إلا الجذور التي تلتف بدورها بالجذوع وتبقى ظاهرة فوق هضاب الرمال ريثما تسقط الأمطار لتنبت خلال أيام قليلة أوراق خضراء يانعة وأزهار تجعل المتأمل يشك أنه يمشي في صحراء جرداء . وهكذا تبقى الشجرة الأم حية ترزق تحت هضاب الرمال السرية التي تحملها الرياح ولذا ينبغي ألا ننخدع بالمظاهر .
وفي غابات كوستاريكا بأمريكا الجنوبية ثمة أشجار ترتفع لأكثر من ستين متراً فوق سطح الأرض ما يعني أن جذورها ينبغي أن تمتد في أعماق الأرض كي تتشبث بقوة فيه وهي ممتدة باسقة في الهواء، الحقيقة أن الأمر لا يبدو على هذا المنوال فطبقة التربة الموجودة تحت الأرض ليست غنية بالعناصر المغذية في الغابات المدارية ولذا فإن هذه الشجرة العملاقة تقوم بمد جذورها فوق سطح التربة للحصول على غذاء من الأوراق المتناثرة المتحللة على الأرض، ولكي لا تتعرض هذه الأشجار للسقوط جراء عاصفة هوجاء فإنها تطور جذورها طوال فترة نموها لتكون بمثابة دعامات راسخة تمنعها من التمايل والسقوط أمام الرياح القوية .