مما لا شك فيه أن الأطباء المسلمين كانوا سيشعرون بالسعادة لو علموا بعد بضعة عقود أو قرون من وفاتهم أن أعمالهم قد ترجمت إلى اللاتينية بحيث صار بإمكان النخبة الأوروبية الاطلاع على مؤلفاتهم والأخذ منها، وأن مزيداً من الناس يستفيدون من أبحاثهم، لأنهم أرادوا الارتقاء بمجتمعهم وهذا يعني بالمصطلحات الطبية تخليص الناس من آلامهم، فكان ذلك تطوراً رائعاً ليس لهم فقط، بل لأقرانهم من غير المسلمين الذين عملوا معهم.
كانت تونس موئلاً للمعرفة الطبية بفضل مستشفى القيروان الذي أنشئ عام ٨٣٠ م يمكنك القراءة عنه في قسم تطور المستشفيات، وكان فيه إضافة إلى العلاج علماء صنفوا كتباً طبية ضخمة من المعرفة، ونقلها إلى أوروبا أمثال قسطنطين الإفريقي.
عاش هذا العالم لعدة سنوات في تونس بالقرن الحادي عشر وبعد انتقاله إلى أوروبا الجنوبية ترجم موسوعات طبية عربية فأصبحت متوفرة لدى الأوروبيين الناطقين باللاتينية فأحدث ثورة في دراسة الطب بأوروبا. من أفضل ترجمته المعروفة «الكتاب الملكي» تأليف الطبيب المجوسي من علماء القرن العاشر المعروف في اللاتينية باسم Pantegni طبع في ليون (بفرنسا) عام ١٥١٥ وفي بازل (سويسرا) عام ١٥٣٦ ويعد من أفضل الأعمال الكلاسيكية في الطب الإسلامي.
لا شك أن رأس قسطنطين كان يزخر بالمعلومات لأنه ترجم أعمالاً تبحث موضوعات كالأغذية والمعدة والكآبة والنسيان والممارسة الجنسية، والأهم من ذلك كله كتاب «زاد المسافر» الذي يعد مدخلاً لعلم التاريخ المرضي أي دراسة الأمراض.

مؤلفات ابن الجزار

كان كتاب «زاد المسافر» أكثر انتشاراً ألفه ابن الجزار الذي درس الطب ومارسه في مستشفى القيروان «توفي هناك عام ٩٥٥» عن عمر يناهز الثمانين عاماً وترك وراءه أربعة وعشرين الف دينار و٢٥ قنطاراً و(القنطار يساوي خمسة وأربعين كيلوجراما) من كتب الطب وغيره من العلوم وتضمن إرثه أيضاً مقالة في أمراض النساء وعلاجها وكتاباً آخر يعد عملاً مستقلاً رائداً في تخصص طب الاطفال هو كتاب «سياسة الصبيان وتدبيرهم» واكتسب ابن الجزار بفضل هذه الكتابات شهرة هائلة مكنته من التأثير في أوروبا الغربية خلال العصور الوسطى.
ترجم قسطنطين كتاب «زاد المسافر» إلى اللاتينية بعنوان Viaticum Peregrinantis وترجمه سينيسيوس إلى الاغريقية والعبرية بعنوان Zedat haderachim، الأمر الذي جعله أحد الكتب الأكثر مبيعاً والأكثر قراءة بأوروبا آنذاك.
وكما يبحث المسافرون اليوم عن نصائح في كيفية التعامل مع الأمراض أثناء سفرهم، وكذلك كان الرحالة والمسافرون في العصور الوسطى بحاجة إلى كتاب مرجعي يفيدهم في أسفارهم، لم يكن كتاب «زاد المسافر» مفيداً للمسافرين فحسب، بل كان إضافة إلى هذا عملاً شاملاً ضم إلى ما يسمى Articella أو ARS medicinae أي خلاصة النصوص الطبية الواسعة التداول في المدارس الطبية والجامعات في ساليرنو ومونبيليه وبولونيا وباريس واكسفورد لقد تضمن الكتاب كذلك وصفاً مرموقاً للجدري والحصبة.
لم يكن قسطنطين هو الوحيد، بل تابع عمله تلميذه المسلم جوان افلاكيوس المعروف ايضاً باسم جوان ساراسينوس أو حنا المشرقي، وهو توفي عام ١١٠٣م كان هذا الأخير طبيباً في مستشفى ساليرنو كذلك، وكتب مقالات عن علم البول والحميات. وسرعان ما غدت الترجمات العربية شائعة ومألوفة في مراكز التعليم كلها، بما فيها ساليرنو، مركز التعليم الكبير في أوروبا الجنوبية الذي اشتهر بمدرسته الطبية.

أمير الأطباء

من الأعمال الطبية المترجمة الأخرى التي كان لها أثرها الكبير في أوروبا كتب ابن سينا الذي عرف في الغرب بلقب «أمير الأطباء» كان كتابه «القانون» في القرن الحادي عشر موسوعة طبية ضخمة أخرى ظلت مرجعية عليا في العالم تهيمن على العلوم الطبية ستة قرون، تضم وصفات لأكثر من ستمئة وستين دواء يمكنك أن تقرأ المزيد عنه وعن عمله في قسم معالجة كسور العظام عند ابن سينا.
تركت آراء ابن سينا العلمية والفلسفية والدينية معالمها على شخصيات مهمة عديدة مثل البرتوس ماجنوس وتوما الاكويني ودنس سكوتس وروجر بيكون.
يقدم «كتاب الماء» الذي ألفه الازدي المعروف بابن الثعالبي، أول تصنيف الفبائي معروف للمصطلحات الطبية، وهو يتضمن أسماء الأمراض والأدوية والعمليات الفيزيولوجية والعلاجات، سمي «كتاب الماء» على أول مادة في الكتاب توفي مؤلف هذا الكتاب عام ١٠٣٣م في فالنسيا بإسبانيا الإسلامية، وترك هذه المخطوطة المؤلفة من تسعمئة صفحة.
«الكتاب الحاوي» للرازي من تسعة مجلدات، غطى فروع الطب كلها، وربما كانت ترجمته اللاتينية بعنوان Liber Continens أكثر كتب الطب التعليمية احتراماً وأوسعها استعمالاً في العالم الغربي على مدى عدة قرون، وكان واحداً من الكتب التسعة التي تكونت منها المكتبة في كلية الطب بجامعة باريس عام ١٣٩٥.
ثم عرف عمل الزهراوي الطبيب البارز في قرطبة بجنوب إسبانيا نحو عام ١٠٠٠ كان كتابه «التصريف لمن عجز عن التأليف» مليئاً بالمعلومات الطبية وكان يعرف بالانجليزية بعنوان «تنظيم الطب». إن عنوان الكتاب يدل دلالة واضحة على مضمونه فقد غدا دليلاً علمياً مشهوراً بأوصافه الشخصية وبشهادات العيان.
شكل العمل كله ثلاثين جزءاً جمعت من معطيات طبية تراكمت خلال حياة طبية كاملة وممارسة تامة يبدو أن المؤلف لم يرتحل كثيراً ولكن توافرت لديه خبرة واسعة في معالجة ضحايا الحوادث.
إن ما يميز كتاب «التصريف» هو توطيد أحكام الطب العملي بتأكيد ما ينبغي عمله وما يلزم تجنبه في كل حالة طبية يواجهها المريض، ثم يتابع ليقدم حلولاً ومعالجات اكتشفها الزهراوي وشذبها خلال خبرته الطويلة.

الصناعة الطبية

في العصور الأوروبية الوسطى ظل كتاب «التصريف» المصدر الوحيد لأدوات الجراحة وبقي كذلك حتى العصور الحديثة، ويعد المجلد المختص بالجراحة عملاً استثنائياً بفضل الرسوم والشروح التي يتضمنها لأكثر من مئتي أداة جراحية والتي يمكنك قراءة المزيد عنها في قسم «الأدوات الدقيقة» وكانت تقنياته الجراحية ثورية أيضاً.
ترجم جيرارد الكريموني الجزء المختص بالجراحة من كتاب «التصريف» إلى اللاتينية ونشرت عدة طبعات منه في البندقية عام ١٤٩٧ وفي بازل عام ١٥٤١ وفي اكسفورد عام ١٧٧٨ فصار الكتاب مرجعاً ودليل الجراحة في معظم مدارس الطب في أوروبا مثل ساليرنو ومونبيلييه واحتل جزءاً مركزياً في المنهاج الطبي عدة قرون وقد استعمله الاطباء المعلمون والممارسون معاً.
يلخص لوسيان لوكليرك الطبي الفرنسي مؤرخ الطب في القرن التاسع عشر اثر كتاب «التصريف» دوراً مهماً في تطوير الجراحة في أوروبا خلال القرون الوسطى. يمكن أن تجد كتاب «التصريف» اليوم في المكتبات بما فيها مكتبة الكونغرس بواشنطن.
وأخيراً نتوقف عند عمل ابن النفيس الطبيب السوري المتوفى عام ١٢٨٨ ترك لنا «الشامل في الصناعة الطبية» الذي جمع في ثمانين مجلداً تتوافر اليوم مخطوطات لاجزاء من هذا العمل الضخم في مجموعات بدمشق وحلب وبغداد واكسفورد، وفي بالو التو بكاليفورنيا وتتوافر في هذه المكتبة الأخيرة نتف عديدة من الكتاب بخط ابن النفيس نفسه.
تلقت أوروبا كثيراً من المعرفة الطبية والتقنيات والعقاقير والعلاجات عبر الترجمة ولكن بعض هذه المعرفة جاء إليها عن طريق الاحتكاك المباشر بالأطباء المسلمين حين كانوا يعالجون الصليبيين وقد اشتهر هؤلاء الأطباء بتفوقهم الطبي ويحكى أن طبيب صلاح الدين الشخصي عالج ريتشارد قلب الأسد. وكان عمل الأطباء المسلمين ومثابرتهم مثار دهشة كبيرة، فكتبوا صفحات عن معايير الغذاء والأدوية الوقائية، كما كانوا مسؤولين عن تحسين الصحة العامة لجماهير ما عرف بالعصور المظلمة.