قليلون هم الكتّاب والشعراء الذين نشعر لدى قراءتهم بأننا مقتلعون من ذواتنا إلى حد الذهول والانخطاف، فالكثرة الكاثرة ممن نقرأ لهم يمكن أن يشعرونا بالفرح أو بالحزن، بالغبطة أو الضجر، بالرغبة في متابعة القراءة أو برمي الكتاب جانباً كي لا نضيّع على أنفسنا المزيد من الوقت . لكن الكاتب العظيم يعرف كيف يأخذنا من تلابيبنا ويضعنا في عين العاصفة التي ترجّ وجودنا من جذوره وتدفعنا إلى أن نطرح على أنفسنا أكثر الأسئلة اتصالاً بالهوية والوجود ومعنى الحياة نفسها . وإذ ليس بالضرورة أن نوافق هذا النوع من الكتّاب على جملة ما يقدمونه للقارئ من هواجس واقتراحات، لكننا ننبهر رغم ذلك بقدرتهم البالغة على افتضاض الباطن الإنساني، وهتك المسكوت عنه، وكشف النقاب عما يعتمل في دواخلنا من نوازع وتهيؤات .

ذلك ما فعله على وجه الخصوص كتّاب كبار من وزن شكسبير ودوستويفسكي وسرفانتس والمركيز دوساد ونيتشه وعشرات غيرهم، وذلك أيضاً ما شعرت به وأنا أقرأ الكاتب الفرنسي من أصل روماني اميل سيوران، فهنا يقدم المفكر المعروف نفسه دون تمويه أو أصباغ غير آبه بتنقيح صورته أمام الآخرين ولا بسوء الفهم العميق الذي يمكن أن يقوم بينه وبين القارئ التقليدي الذي لم يعتد على هذا القدر من الجرأة والتهور وفضح سريرة البشر الحقيقية . وسواء في كتبه الفكرية والنثرية من مثل تاريخ ويوتوبيا أو في أعماله الشعرية القليلة من مثل المياه كلها بلون الغرق فإن الصورة التراجيدية للخليقة هي نفسها عند سيوران حيث لا مكان إلا للشر والحسد والبغضاء وشهوة السيطرة وحيث الفضيلة ليست سوى قناع يلبسه الضعفاء لإخفاء عجزهم عن مواجهة الأقوياء والنافذين .

ليس الديمقراطي سوى طاغية متنكر في رأي سيوران، أو هو كذلك لأنه عاجز عن تحقيق نوازعه الحقيقية في الهيمنة والاستحواذ . والقاعدة بين البشر وفق الكاتب هي الحسد والكراهية والرغبة في استئصال الآخر بغية وراثته واحتلال مكانه ومكانته في العالم .

وحدهم الموتى في رأيه هم الذين ينجون من كراهيتنا لهم لأنهم أصبحوا خارج المنافسة ولم يعودوا قادرين على اعتراض الأنا المتضخمة للأحياء، وكل معاصر لنا هو بغيض في نظرنا . كما أننا نسلّم بالتفوق لميت، لكننا لا نسلم أبداً لأحد من الأحياء، في الانصياع للعبة القوة هذه لن يبذل القارئ كبير جهد ليكتشف افتتان سيوران الشديد بنيتشه، ليس فقط في دفاعه عن الإنسان القوي والمتفوق بل من خلال فضحه للقيم الغربية السائدة والقائمة على المخاتلة والنفاق وتمويه الحقيقة .

وكما مجد نيتشه الطاقة الفطرية الحية على حساب المنطق العقلي السقيم، فقد ذهب سيوران بدوره إلى استنتاج مماثل حيث نقرأ له: آه لو كان في وسعنا العودة إلى تلك العصور حين لا مفردة تعوق الكائنات، العودة إلى اقتضاب الصيحة وفردوس البلادة وذاك الذهول الفرح لما قبل اللغة؟ .

لم يكتف الشاعر والمترجم التونسي آدم فتحي بنقل أفضل مؤلفات سيورات الى عربية نضرة وسلسة وبعيدة عن التعسف، ولكنه في تقديمه لديوان سيوران المياه كلها بلون الغرق يضع يده على الأسباب المأساوية لتصدعات الكاتب الروماني الأصل الذي وقف على التخوم الأخيرة للجنون .

وفي طليعة هذه الأسباب سببان اثنان يتصلان بجرح واحد هو جرح الهوية، فوالدة سيوران التي كانت تعاني من حالات عصبية مرضية تصرخ به في احدى لحظات خصامها الحادة لو كنت أعلم ما سيؤول إليه حالك لأجهضتك منذ شهور الحمل الأولى، وهي الصرخة التي دفعت الشاب المضطرب إلى التفكير في كون الحياة ليست سوى مصادفة بيولوجية محضة وفاصلة صغيرة على طريق العدم .

أما السبب الثاني فيرتبط باقتلاعه من الأرض الأم، لغة ومسقط رأس، حيث لم تفلح الهوية الفرنسية البديلة في شفائه من الحنين إلى جذوره المقطوعة، هكذا بدا سيوران طريد الأمومتين، البيولوجية والرمزية وبدت اللغة جرحه السري الذي لم يتوقف أبداً عن النزف ومراودة الجنون .