الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

عبدالله السعدي... رؤية بصرية تتحدى النسيان

6 يونيو 2026 23:41 مساء | آخر تحديث: 6 يونيو 23:44 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
عبدالله السعدي
عبدالله السعدي
icon الخلاصة icon
عبدالله السعدي رائد مفاهيمي إماراتي يعيد تعريف اللوحة عبر مجموعات وأرشفة الرحلات؛ تكوين طيني يروي ترحالاً محلياً بفطرة وألوان زاهية يتحدى النسيان
يعد الفنان عبدالله السعدي من أبرز التشكيليين والمفاهيميين الإماراتيين، فهو أحد الخمسة الذين أسسوا حركة الفن المعاصر والمفاهيمي في الإمارات، إلى جانب: حسن شريف، حسين شريف، محمد كاظم، ومحمد أحمد إبراهيم. ويتميز أسلوب السعدي في الرسم والتشكيل والتكوين بالتجريب المستمر والتحرر من القوالب التقليدية، فهو يعيد تعريف «اللوحة» و«المنحوتة» ليجعل منهما امتداداً جغرافياً وزمنياً لرحلاته.
تعتمد معظم تكوينات السعدي الفنية على مفهوم خاص، فأعماله لا تُعرض غالباً كقطع منفردة، بل تنظم في مجموعات ضخمة من مئات القطع الصغيرة المرتبة بدقة داخل صناديق معدنية، أو أدراج، أو معلقة جنباً إلى جنب. فالتكوين في فلسفة السعدي الفنية هنا يخلق تجربة بصرية للمتلقي تعتمد على الاستكشاف والقراءة البصرية المتأنية. 
ومن أبرز الأعمال التكوينية للسعدي التي تستند إلى رؤية فكرية، ذلك التكوين النحتي الجماعي المصنوع من الفخار والصلصال الملون، والذي يرتكز على قاعدة مستطيلة حمراء زاهية، تصطف فوقها مجموعة من الأشخاص والحيوانات في حركة تتابعية تتجه من اليسار إلى اليمين. فالعناصر البشرية في العمل تتألف من امرأة تمتطي دابة (حماراً)، تظهر في مقدمة المنظور النحتي (أقصى اليمين) وهي ترتدي فستاناً أبيض منقطاً، وتضع غليوناً في فمها، وتمسك برباط أخضر يلتف حول عنق الدابة.
وهناك أيضاً رجل يقف خلف الدابة مباشرة، مرتدياً قبعة حمراء قروية، وقميصاً أخضر، وبنطالاً أصفر، ويحمل على كتفه حزمة أو متاعاً. تلي الرجل امرأتان تحملان أمتعة، الأولى ترتدي فستاناً أصفر مزيناً بنقاط حمراء وتحمل طفلاً رضيعاً على ظهرها، والثانية ترتدي فستاناً أزرق داكناً منقطاً بالأبيض وتحمل وعاءً أو جرة فوق رأسها. وتظهر في المؤخرة فتاة وطفل، ترتدي الفتاة فستاناً برتقالياً منقطاً وتحمل طفلاً أصغر حجماً، ويتبعها في نهاية الصف (أقصى اليسار) طفل صغير يرتدي قميصاً أحمر وبنطالاً أزرق وقبعة صفراء.
العناصر التي لها صلة بالحيوان تتألف من: الحمار في المقدمة، يحمل السيدة وحقيبتين حمراوين مثبتتين على جانبيه، ويسير بمحاذاة الرجل والدابة كلب مرقط باللونين الأسود والأبيض. ويتسم العمل بأسلوب فني فطري وشعبي يعتمد الملامح التعبيرية العفوية، ويستخدم الفنان ألواناً صريحةً ونابضة بالحياة، ومزينة بنقوش هندسية دقيقة منقطة تغطي أزياء الشخصيات.

مفهوم الحكاية

يمثل هذا التكوين نموذجاً مميزاً وواضحاً لكيفية تطويع السعدي للفن المفاهيمي، حيث يتقاطع فيه الطابع المحلي للإمارات مع الفنون الفطرية العالمية التي تأثر بها خلال رحلاته ودراساته. ويستند هذا التكوين إلى فكرة ومفهوم الحكاية البصرية، فهو يمثل مسيرة أو رحلة جماعية لمجموعة من الأشخاص يرتدون ملابس ريفية ملونة ومبهجة، يرافقهم دابة وأنعام (بقرة وكلب). هذا التكوين التتابعي الأفقي يعكس فلسفة السعدي الراسخة حول «الترحال، الحركة، والانتقال» كمحور أساسي للحياة والإبداع.

رسم وطلاء

ومن الجلي أن السعدي سكب جهداً إبداعياً كبيراً في هذا التكوين من خلال الرسم والتلوين، بطريقة يتضح من خلالها أسلوبه المتميز في الطلاء، إذ تزدان فساتين النساء بنقاط وزخارف هندسية دقيقة متكررة تشبه النقوش اليدوية التقليدية وتذكرنا بأبجدياته الرمزية. ولعل استخدام الألوان الأساسية الزاهيةِ (الأحمر، الأصفر، الأزرق، الأخضر) يضفي طاقة حيوية وفطرية على المجسم.

التكوين

ويكشف التكوين كذلك علاقة المواد بالبيئة، إذ إن استخدام الطين والفخار (الصلصال الملون) كمادة أساسية يعزز فكرة السعدي في العودة إلى الأرض، والارتباط بالمواد الخام الطبيعية المأخوذة من البيئة المحلية والمصنوعة يدوياً بالكامل. فالتكوين مفتوح على قراءات ودلالات متعددة، إذ إن اكتشاف مكامن الرؤية الفلسفية الفكرية في هذا التكوين الطيني يتطلب بذل تأملٍ، حيث من الممكن أن يشير العمل إلى الهجرة في بعدها الإنساني العالمي، والتي أصبحت اليوم من القضايا المهمة. وربما ينتمي العمل كذلك إلى فلسفة الترحال والبحث الأنثروبولوجي عند الفنان الذي اقتنى ونظر إلى هذا العمل كجزء من أرشيفه وممارسته الفكرية، تبعا لمشروعه القائم على حفظ الذاكرة اليومية، وتصنيف الكائنات والأشياء المهملة والعادية لتحويلها إلى أرشيف بصري متحفي يتحدى النسيان.
التكوين
التكوين

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة