عكف الإنسان منذ عشرات الآلاف من السنين على مراقبة سير قرص الشمس النير العجيب الذي يضيء الأرض ويدفئها.. وفهم أن أشعة الشمس هي مصدر كل حياة وحرارة وطاقة.. فتحولت إلى موضوع علمي.. وتوصل علماء الفلك إلى أن الشمس نجم عظيم ذو جاذبية قوية وهي مركز النظام الشمسي، يبعد عنا بحوالي 150 كيلومترا أي 400 ضعف المسافة بين الأرض والقمر أو على مسافة 17 سنة من الطيران المتواصل بواسطة أسرع طائرة ركاب، ويستوعب حجمها مليون جسم بحجم الكرة الأرضية.
والشمس أحد أنواع النجوم، وهي تشغل مركز نظامنا وتسيطر عليه بقوة جاذبيتها، وهي كتلة ضخمة من الغاز الملتهب لا توجد عليها أي كائنات حية، وغازاتها في غليان دائم.. وتصل درجة حرارتها لأكثر من 16 مليون درجة مئوية.. وتتولد الطاقة في مركزها نتيجة للتفاعلات النووية الحرارية، وبسببها تخسر من كتلتها باستمرار.
رد ذكر الشمس في القرآن الكريم عشرين مرة، منها قوله تعالى: والشمس تجري لمستقر لها (يس: 38) الشمس والقمر بحسبان (الرحمن: 5) هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً (يونس: 5) إذا الشمس كورت (التكوير: 1) وغيرها من الآيات الكريمات كما وردت في العديد من الأحاديث النبوية المطهرة، وهي ترتبط بمواقيت الصلوات الخمس والعيدين والكسوف، والاستسقاء، فتتحدد هذه المواقيت طبقا لدورة الشمس من الشروق إلى الغروب، كما أن لها ارتباطا مهما بنهاية الحياة الدنيا وانتهاء الأعمال الصالحة، ذلك أن طلوعها من مغربها من العلامات الكبرى لقيام الساعة.
ونؤمن نحن المسلمين بأن الشمس والقمر آيتان من آيات الله الذي خلقهما وسخرهما للإنسان، على عكس الكثير من شعوب الأرض التي عبدت الشمس عبر الأزمان.
ونتناول هنا آية واحدة من آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن الشمس وفي هذه الآية من الإعجاز ما يأخذ بعقول العلماء إذ تذكر كلماتها القليلة جدا حقيقتين غابتا سنوات وقرونا طويلة عن الباحثين والدارسين بكل ما لديهم من أجهزة ومعدات وهذه الآية هي قول الله تعالى: والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (يس: 38).. فلم يدرك المفسرون القدماء أصل تحرك الشمس واعتبروه جريانا حقيقيا للشمس حول الأرض يوميا، وترك المفسرون حقيقة لفظ تجري ولجأوا إلى المجاز بينما الفعل يعبر عن حركة حقيقية ذاتية للشمس أثبتها العلم الحديث وهذا الفعل لا يدل فقط على حركة انتقالية ذاتية للشمس ولكن أيضا على عظم تلك الحركة إذ الجري أدل على السرعة من المشي أو السير.
وقوله تعالى والشمس تجري معجزة علمية عظمى لم تخطر لأحد على بال حتى كشف عنها علم الفيزياء الفلكية بعد أن تهيأ له من آلات الرصد والأطياف ومن المقدرة على تفسير النتائج ما أدى إلى هذا الكشف العظيم في منتصف القرن العشرين.. وهكذا كان إخبار القرآن بجريان الشمس قبل العلم الحديث بحيث تمر القرون بعد نزول القرآن، والبشرية كلها في غفلة عن جريها، فيأتي دليل قاطع وبرهان ساطع على أن القرآن أنزله رب الشمس سبحانه الذي فطرها وقدر لها ذلك الجري.
وهنا يؤكد العلماء المحدثون أنه يقتضي ألا نلجأ في تفهم الآيات القرآنية الكونية من الحقيقة إلى المجاز، فإذا قال الله إن الشمس تجري فإنها تجري حقيقة وليس مجازا، إذ أخطأ علماء الفلك القديم حين فسروا الشروق والغروب بأن الشمس مثبتة في فلك يدور يوميا حول الأرض.
وأشار علماء التفسير إلى أن الشمس مثل الأرض وغيرها من الكواكب، هي في حالة حركة دائمة في مدار خاص بها.. ثم أكد علماء الفلك هذه الحقائق بأن الشمس وتوابعها من الكواكب تسبح في مدارات خاصة بها وفق نظام دقيق وأن الشمس تدور حول نفسها.
وتشير الآية القرآنية الكريمة إلى أن الشمس في حالة جريان مستمر، وكشف هذه الحقيقة القرآنية الإلهية.. العالم الفلكي ريتشارد كارينجتو في القرن التاسع عشر الميلادي وجاء في الموسوعة الأمريكية أن الشمس تجري بسرعة 220 مليون كيلومتر في الثانية حول مركز المجرة وتكمل دورة كاملة حول مجرتها كل 250 مليون سنة.. ومنذ ولادتها التي ترجع إلى 6.4 مليار سنة، أكملت الشمس وتوابعها 18 دورة حول المجرة، وذكرت وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) أن الشمس تدور باتجاه دوران الأرض نفسه وعندها الطاقة الكافية لتكمل خمسة مليارات سنة أخرى من الآن.
وفي هذه الآية الكريمة يتجلى معنى الإعجاز العلمي في آيات القرآن الكريم إذ ألقى العلم الحديث مزيدا من الضوء على قول علماء التفسير إن جريان الشمس يعني في مجمله أنها تجري إلى أمد محدود ومكان محدد تستقر فيه ولا تتجاوزه، فأوضح علماء الفلك أن حقيقة جريان الشمس لا تقتصر على حركتها الظاهرية اليومية من الغرب إلى الشرق، فأثبتت علوم الرياضيات والفيزياء والفلك أن حركة الشمس والقمر والكواكب والنجوم في القبة السماوية إنما تتم من الغرب إلى الشرق، وهنا نجد الفعل تجري يعبر عن حركة واقعية حقيقية للشمس التي تنتقل في الفضاء وتجر معها بالجاذبية كواكبها التي تدور حولها كما أن تجري يدل أيضا على أن هذه الحركة تتم بمعدل كبير، لأن الجري أدل على زيادة سرعة الجسم المتحرك.
ولا تقتصر حركة الشمس على جريانها في الفضاء نحو نجم النسر ولكنها تتحرك أيضا حركة دورانية حول نفسها مرة كل سبعة وعشرين يوما في المتوسط كما تتحرك حركة دائرية وهي تجري ومعها مجموعتها الشمسية بسرعة فائقة تصل الى 220 مليون كيلومتر في الثانية حول مركز المجرة.. ولقد سبق القرآن الكريم إلى القول بكل هذه الحقائق عن حركة الأرض والشمس والأجرام السماوية كل في فلك يسبحون (الأنبياء: 33)، في الوقت الذي كانت فيه نظريات الإغريق الفلسفية تقول بمركزية الأرض وسكونها ودوران الشمس والقمر والكواكب والنجوم حولها من الشرق إلى الغرب، ولم يثبت العلم خطأ هذه الصورة إلا في القرن السادس عشر الميلادي أي بعد نزول القرآن الكريم بنحو عشرة قرون ليؤكد العلم حكمة الله البالغة في التعبير القرآني المعجز الذي يعبر عن حقائق الكون بما لا يتعارض مع اكتشافات العلم.
مستقر الشمس
وجريان الشمس إلى مستقر لها كما قدر العزيز العليم، وتنكير كلمة مستقر يشير إلى عظيم شأنه وآثاره والواضح أن هذا المستقر الذي ينتهي إليه جري الشمس أمر من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله العزيز العليم الذي خلق فسوى وقدر فهدى، قدر الجري على هذه الهيئة، لينتهي إلى غايته في الوقت الذي استأثر سبحانه بعلمه والمكان الذي لا يعرفه إلا هو.
ويقدر علماء الفلك أن الشمس تسبح على الوقت الذي ينفد فيه وقودها فتنطفئ، واعتمدوا في ذلك على أن النجوم كسائر المخلوقات تنمو وتشيخ ثم تموت، فيعتقدون أنها ستستهلك طاقتها الحرارية النووية فإذا ما وصل حجمها إلى مثل حجم الأرض فإنها تصبح قزما أبيض وتدخل في المراحل النهائية في حياتها وتفقد حرارتها ثم تصبح كرة سوداء باردة، وقد أخبر القرآن الكريم عن ذلك في قوله تعالى إذا الشمس كورت (التكوير: 1) ويقول المفسرون إن تكوير الشمس قد يعني برودتها وانطفاء شعلتها وانكماش ألسنتها الملتهبة التي تمتد من جوانبها كلها الآن إلى آلاف الأميال حولها في الفضاء، فتكورها هو استدارتها بلا ألسنة ولا امتداد.
ويؤكد العلم أن الشمس والقمر سيجتمعان معا ذات يوم حينما تبدأ الشمس في التحول إلى عملاق احمر ولكن القرآن الكريم سبق هؤلاء العلماء بمئات السنين وذكر هذه الحقيقة في قوله تعالى فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر (القيامة: 7 10).. وفي النهاية يأتي التوافق بين العلم والقرآن حول هذه الحقيقة الكونية.
قسم عظيم
وقد أقسم رب العزة سبحانه وتعالى بالشمس فقال والشمس وضحاها (الشمس: 1) وتتجلى روعة القسم الإلهي في هذه الآية الكريمة من سورة الشمس فيما تشير إليه من هذه المخلوقات التي أنعم الله بها على الإنسان وجعلها ضرورية لاستمرار الحياة والأحياء على كوكب الأرض، وقد ساهمت أبحاث العلماء على مر العصور في الكشف عن بعض الحقائق المتعلقة بهذه المخلوقات وفي مقدمتها الشمس بما ترسله من طاقة هائلة إلى الأرض، لولاها ما كانت هناك حياة للنبات أو الحيوان أو الإنسان وما كانت هناك مصادر أخرى للطاقة كالرياح ومساقط المياه والأخشاب والفحم والبترول ومشتقاته والكهرباء والطاقة النووية.. فقد ثبت علميا أن الشمس عبارة عن كرة هائلة من الغازات المتقدة.
ويتكون الإشعاع الشمسي من أشعة الضوء المرئي التي تمكننا من رؤية الأشياء وألوانها بالعين المجردة بالإضافة إلى أشعة الضوء غير المرئي المتمثلة في الأشعة فوق البنفسجية والأشعة الحرارية المسماة الأشعة تحت الحمراء، فالأشعة البنفسجية فيها منافع كثيرة للأحياء وتمدنا بالضوء وتستخدم في قتل الميكروبات وتعقيم المواد المحفوظة وغرف العمليات، أما الأشعة تحت الحمراء فهي التي تجعلنا نشعر بالدفء عندما نتعرض لأشعة الشمس وتستخدم في تجفيف المنتجات الزراعية وهي وسيلة للتصوير في الظلام واستخدام الطائرات والأقمار الاصطناعية.
ويشتمل ضوء الشمس على جميع الألوان التي نراها في قوس قزح.. وتتحكم في مدارها بجاذبيتها، وقد أدت الشمس دورا مهما منذ قديم الزمان في تتبع الإنسان لمسار الزمن، إذ يتوقف طوال اليوم على المدة التي تستغرقها الشمس لتعود إلى موقعها مرة ثانية بعد أن تدور الأرض حول نفسها.. فسبحان العليم القدير.