تتفرد جزيرة أبو الأبيض بتراث عريق، وبيئة تجمع بين الأجزاء الخضراء المفتوحة والمناطق المغلقة التي حافظت على طبيعتها لتظل موئلاً لبعض الأنواع الحية النادرة التي تتكاثر في ظروف وبيئات خاصة .
تقدر مساحة جزيرة أبو الأبيض بنحو 476 كيلومتراً مربعاً (بطول 34 كلم وعرض 14 كلم)، وتقع على بعد نحو 125 كلم غربي مدينة أبوظبي قرب مدينة طريف باتجاه مدينة السلع، على خط عرض 24،12 شمالاً وخط الطول 53،46 درجة شرقاً .
أظهرت عمليات التنقيب عن الآثار التي قام بها مشروع المسح الأثري لجزر أبوظبي (آدياس) أن بداية استقرار الإنسان على جزيرة أبو الأبيض كانت منذ نحو 7000 إلى 7500 سنة ماضية، خلال العصر الحجري، في البدايات الأولى لاستقرار الإنسان في الإمارات، ولقد تم حتى الآن التعرف إلى نحو 50 موقعاً أثرياً في المنطقة ما يدل على أنها سُكنت مرات متتالية أهمها في العصر الإسلامي المتأخر (300 - 400 سنة) وعندها كانت مركزاً لصناعة وصيد اللؤلؤ .
وكبقية جزر أبوظبي فإن جزيرة أبو الأبيض كانت تسكن موسمياً خلال السبعة آلاف سنة الماضية، ويتطلب إثبات هذه الفرضية المزيد من عمليات التنقيب عن الآثار والقيام بإجراء التحاليل العلمية على الموجودات، وهناك قاموس جغرافي ملخص للمواقع المكتشفة حتى الآن .
وتم الكشف عن آثار وتاريخ جزيرة أبو الأبيض باستخدام تقنيتين مختلفتين جداً، الأولى هي المسوحات الأثرية إضافة إلى اكتشاف وتحليل الموجودات وهي الطريقة التي تم بها توفير أكثر المعلومات عما هو موجود على الأرض، أما التقنية الثانية فهي استكمال ذلك بواسطة فحص البيانات التاريخية الموجودة في الكتب القديمة ومقتنيات السلطات الأوروبية التي جاء بحارتها إلى المنطقة منذ القرن السادس عشر فصاعداً .
المسح الأثري
اكتشف مشروع المسرح الأثري لجزر أبوظبي أحدث مرجع تاريخي معترف به لأبو الأبيض، يعود إلى عشرينات القرن التاسع عشر، ويتحدث عن عمليات المسح المائي التي قام بها مساحون لمصلحة شركة الهند الشرقية الإنجليزية المتحدة والمكتب الهيدروغرافي للبحرية الملكية البريطانية في الفترة الواقعة بين عامي 1820 - 1823م .
وقد كتب الكابتن جورج بارنز بروكس من البحرية الهندية وصفاً للجزيرة وخور البزم المجاور لها نُشر بعد وفاته في عام 1856م .
وأطلق بروكس اسم جزر شركة الهند الشرقية على مجموعة الجزر الممتدة من جنانه غربي أبو الأبيض مباشرة وحتى البزم الغربي، فيما اشتملت خريطة هورنسبيرغ اللاحقة على أبو الأبيض ضمن مجموعة الجزر، ولم ينجح ذلك الاسم الأجنبي في البقاء، وبالرغم من ظهوره على الخرائط البريطانية حتى بداية القرن العشرين إلا أنه لم يستعمل محلياً قط، وتم نسيانه تماماً .
إن المناطق المنخفضة التي تشكل الآن الخليج العربي، كانت أكثر جاذبية للمستوطنين الأوائل، وأقدم دليل على وجود الإنسان في الإمارات قد يكون كامناً أسفل البحر، وبارتفاع مستوى منسوب مياه الخليج، ربما كان سكان المناطق المنخفضة التي هي الآن تحت البحر، قد اضطروا إلى التراجع إلى الأرض المرتفعة، ولقد قدر معدل تقدم تقلبات البحر بنحو 1،5 كلم في العام، وهو معدل كافٍ بالتأكيد لدفع سكان الشواطئ إلى التراجع إلى الداخل .
ولقد افترض أن الذكريات القديمة جداً عن تلك الفترة من أن الارتفاع السريع في مستويات البحر قد تكون أصل قصة سفينة نوح عليه السلام وقصة جلجامش من العهد البابلي .
وبما أنه من المستحيل طبعاً تأكيد هذه الفرضية، فإن أول الاكتشافات الأثرية في جزيرة أبوظبي، بما فيها أبو الأبيض، تشير إلى أن استيطان الجزر بدأ في الفترة الواقعة بين 5000 إلى 5500 سنة قبل الميلاد، وهذا يتزامن مع إحدى المراحل الرئيسة لفيضان الخليج من جديد، وقد تم تحديد أقدم موقع لوجود الإنسان في الإمارات العربية المتحدة، في جزيرة مروَح إلى الغرب من أبو الأبيض، وتم تأريخ الموقع من خلال تحديد تاريخ فحم المواقد التي كانت تستخدم آنذاك، إلى نحو 5500 قبل الميلاد، ويوجد الموقع على لسان صخري بارز حيث وجدت مئات الأدوات الصوانية والفخاريات التي كان يتم استيرادها من الحضارة العبيدية لبلاد ما بين النهرين .
وللحديث عن الطبيعة في جزيرة أبو الأبيض بشكل دقيق لا بد من الفصل ما بين البيئة البحرية للجزيرة والبيئة البرية إن صح التعبير، وذلك لتشكيل صورة واضحة عن معالم وخصائص هذه الجزيرة الطبيعية التي فرضتها الظروف المناخية السائدة .
وإذا نظرنا إلى البيئة البحرية لجزيرة أبو الأبيض نجد أنها تشكل عالماً مصغراً نموذجياً لبيئة الخليج العربي، التي تتميز بخصائص منفردة عديدة فالبحر قليل العمق (ما بين 5 إلى 15 متراً)، إلا أنه في محيط الجزيرة غزير الإنتاجية، حيث تشكل الأصداف البحرية معلماً شائعاً في حواف المنطقة الساحلية للجزيرة، والمناطق الضحلة القريبة من الساحل غنية بالأعشاب البحرية والطحالب الخضراء الضاربة إلى الزرقة، ما هيأ البيئة المناسبة لانتشار أعداد كبيرة ومتنوعة من الأسماك إضافة إلى بضع الكائنات المهددة بالانقراض كسلاحف منقار الصقر وأبقار البحر .
ومن أبرز أنواع الأسماك التي تعيش في محيط الجزيرة الحيوي أسماك الجش، الناخر، الفرش، الشعري، الهامور، إضافة إلى سمك الفسكر، وجميع هذه الأسماك وجدت في أبو الأبيض موئلاً غنياً بالغذاء الضروري لتكاثرها ونمو أعدادها .
وفي جزيرة أبو الأبيض يعيش نوعان نادران من السلاحف هما: سلاحف منقار الصقر والسلاحف الخضراء، وجاءت تسمية النوع الأول من منقارها الذي يشبه منقار الصقر، ويتميز بدرع بيضاوي ذي صفائح قرنية متراكبة مائل إلى البني الداكن مع بعض النقاط الفاتحة، وتحتوي الدرع على خمس صفائح وسطية وأربع جانبية، وله مخلبان في كل من الزعنفتين الخلفيتين والأماميتين، ويقتات على المواد النباتية والحيوانية التي تكون في أغلبيتها من الاسفنج والقنافذ البحرية، ويعشش هذا النوع من السلاحف على الجزيرة خلال شهري ابريل/ مايو ومايو/ أيار من كل عام في الشواطئ الصغيرة الضيقة .
أما السلاحف الخضراء فإن درعها البيضاوية ورأسها صغيران نسبياً، وتحمل كل زعفة مخلباً واحداً، وصغار هذا النوع تتغذى على المواد النباتية والحيوانية معاً أما السلاحف البالغة فتعتبر عاشبة وتكتفي بالاعتماد على الأعشاب البحر ويعيش هذا النوع في الشواطئ الرملية الواسعة والطويلة .
ونظراً لطبيعة الجزيرة المناسبة لتكاثر أنواع عدة من الأسماك والأحياء البحرية فقد تم اطلاق مشروع تربية الأحياء البحرية على أرض الجزيرة بهدف إنتاج أفراخ الروبيان وأنواع عدة من الأسماك وإعادة إطلاقها في مياه الخليج العربي المحيطة بالجزيرة ما يسهم في زيادة هذه الأنواع وتحقيق استدامتها، وتشمل منشآت التربية الأقفاص العائمة والعديد من أحواض الفايبرغلاس والأحواض الاسمنتية بأحجام متعددة تتراوح ما بين إلى 1400 متر مكعب، إلى جانب الأحواض الترابية التي تعتمد على حركة المد والجزر في تبديل الماء، ويتم استخدام المضخات لتزويد المشروع بماء البحر من القنوات الصناعية المجاورة، وتستخدم مضخات ودواليب الهواء لتزويد الأحواض بالهواء ولتقليب ماء التربية قبل دخوله للبحر عن طريق استخدام فلاتر الحصا وذلك بغرض التخلص من الملوثات وتحسين نوعية الماء بصفة عامة .
المها العربي
ولا تقل البيئة البرية في جزيرة أبو الأبيض جمالاً وتفرداً عن البيئة البحرية، وذلك لاحتوائها على حيوانات نادرة الوجود في العالم ومصنفة ضمن القائمة المهددة بالانقراض، وفي مقدمة هذه الحيوانات تأتي قطعان المها العربي التي توجد في الجزيرة والتي تشكل أفضل أمل لإعادة هذا النوع إلى مواطنه الأصلية الصحراوية، وتتميز المها العربية بلونها الأبيض وفروتها الطويلة نسبياً، ويصل طول القرون في الحيوانات البالغة إلى 90 سم، وتتميز أظلافها بأنها أوسع من أظلاف الغزلان مما يدل على تأقلمها مع الحياة في الأراضي الرملية القاحلة، وتختلف المها العربية في الحجم والكثافة من حيوان إلى آخر، وعادة ما يمتد التبرقع الجانبي للوجه إلى الجزء السفلي من الرقبة، وهناك رقعة مميزة أعلى وسط الوجه، ويصل عمرها إلى 19 عاماً في الظروف الطبيعية .
الغزلان الرملية
ويوجد في الجزيرة نوعان من الغزلان الرملية هما غزال الريم وغزال الدرقي، والغزال الرملي هو من أكبر أنواع الغزلان العربية، ويبلغ وزنه 22 كيلوغراماً، ويتميز بلون ترابي خفيف جداً تتخلله ظلال حمراء خفيفة على الظهر، وتزداد وجوهها ابيضاضاً كلما تقدمت بالسن، وقد تأقلمت هذه الأنواع من الغزلان على العيش في مناخ قاسٍ، حيث تساعده هيئته المتماسكة على تحمل البرد في الشتاء وذلك من خلال التقليل من فقد الجسم للحرارة، كما تساعد تلك الهيئة المتماسكة على التقليل من امتصاص الحرارة صيفاً، وتنشط هذه الحيوانات عادة عند الغسق وقبيل الغروب حيث تخرج لتقتات من النباتات المحيطة، أما في ساعات النهار فإنها تمضي أوقاتها في ظلال الشجيرات المنتشرة بالجزيرة .
وعلى الجزيرة وجدت أعداد قليلة من الأرانب الصحراوية ملاذاً آمناً لها وبالتحديد فوق سبخة (مطي)، علماً أنه لا توجد في تلك السبخة سوى رقع فقيرة من النباتات المتفرقة التي تفصل بينها عدة كيلومترات من الأرض الجرداء، وتتجمع هذه الأرانب حول الشجيرات الملحية التي تنمو أسفلها أعشاب ونباتات تشكل مصدر الغذاء الرئيس لهذه الأرانب، وتتميز هذه الأرانب بلونها البني الفاتح المتماهي مع لون التربة، وتتميز بوبر متوسط الطول وبقوائم رفيعة لكنها صلبة تساعدها على العدو سريعاً فوق الرمال والتربة المتحجرة .
200 نوع من الطيور
وإذا كانت أرض ومياه جزيرة أبو الأبيض تزخر بأنواع فريدة من الحيوانات التي تستوطنها فإن السماء أيضاً لا تقل شأناً عنها، ففي فضاء أبو الأبيض يتراقص أكثر من 200 نوع من الطيور البرية والبحرية، ويشكل هذا العدد نصف الأنواع المسجلة في قائمة طيور الإمارات، وهناك 19 نوعاً نجحت في التكاثر على أرض الجزيرة، ويعتبر طير (زقزاق السرطان) النوع الوحيد الذي يشكل العدد المتكاثر منه في أبو الأبيض أهمية عالمية، حيث تحتضن الجزيرة أكبر عدد من الطيور المتكاثرة من هذا النوع على المستوى الوطني، أما الأنواع الأخرى فإن معدل تكاثرها لايزال في حدود ضيقة ومن أبرز هذه الأنواع طيور الأوز المصري والدراج الرمادي والحمام الجبلي .