عندما تدور الرحى يسمع لصوتها شدة وقعقعة، فإذا كانت تدور على حب، وتخرج الدقيق فهي تطحن، وإذا لم تخرج دقيقاً، فهي تجعجع ولا تطحن، تجده كثير الكلام قليل العمل، لا يسكن لسانه ولا يهدأ، يملأ الدنيا ضجيجاً بقوته وشجاعته حتى ليظنه الناس على شيء فإذا جد الجد لم يجدوا قوة، ولم يروا إلا ضعفاً وانكساراً، أو يذيع الكثير عن كرمه وإحسانه، حتى إذا قصده الناس وجدوا بخلا وشحاً، أو لم يجدوا له ما يعطيه ويحسن به، أو يصف مواقفه ومآثره وأصله وفصله، فيفتش الناس في صحائفه فلا يجدون مأثرة، ولا يقفون على أثر، أو يتحدث عن مشروعات سيقوم بها، وأعمال واسعة سينفذها، ولكنه لا يفعل في ذلك شيئاً .
بتلك الجعجعة يستر الضعفاء ضعفهم، ويوهمون غيهم ليخافهم ولا يقدم على النيل منهم، ولكن ما خفي لا يلبث أن ينكشف . وحينذاك يقال: "جعجعة ولا أرى طحناً" .

إعداد: محمد صالح القرق
عن كتاب "من أمثال العرب" لمحمد عبدالغني حسن وعبدالسلام العَشْري