مهنة جمع العسل هي واحدة من المهن الإماراتية القديمة التي كان المواطن يستفيد من مدخولها لتلبية حاجات أفراد أسرته ورعايتهم.
والحقيقة أن هذه المهنة الضاربة في التاريخ، هي مهنة عالمية بامتياز، فنحل العسل بحسب ما تؤكد المصادر الموثوقة، يتبع العالم القديم، إذ وجد على مساحات برية في قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا، أما النحل الموجود في القارتين الأمريكيتين وأستراليا فقد أدخله المستوطنون الذين استعمروا تلك المناطق بعد اكتشافها.
من ناحية أخرى، تدل الحفريات على أن نحل العسل كان موجوداً قبل ظهور الإنسان على وجه الأرض، وقد اتخذ من الجبال وجذوع الشجر سكناً له، وكان الإنسان البدائي يقتل النحل ليجمع العسل، وما زال بعض سكان الغابات الإفريقية يقومون بالسطو على نحل العسل الذي يسكن الأشجار القديمة والمجوفة، ويحددون مكان النحل بواسطة أنواع من الطيور تهاجم النحل وتتغدى عليه وتسمى الطيور المرشدة.
في الإمارات، وكما هي الحال في كافة بقاع الأرض، فقد كان لهذه المهنة فرسانها، وكان لها عاداتها وطقوسها، وكثيراً ما ارتبطت بالتطور الاجتماعي للفرد، لما تدره من دخل ينعكس إيجاباً على جامع العسل، أو أولئك الأفراد الذين توفرت في أراضيهم مساحات شاسعة من الأماكن المناسبة من حيث التربة والمناخ لتربية العسل، وتدلنا الإحصاءات الكثيرة على أن أنسب الأماكن لاستنبات وزراعة العسل، هي المناطق الجبلية والوديان، كرأس الخيمة والفجيرة.
هذه المهنة -أي جمع العسل- أو العسيل، كما يطلق عليها راشد سعيد حميد اليماحي، وهو أحد الأسماء المعروفة في هذا الميدان، مهنة ذات تقاليد وقيم معروفة في المجتمع الإماراتي، وهي أيضا مهنة قديمة ارتبطت بالمحافظة على البيئة وحماية الثروة الطبيعية وتوفير الغذاء الاستراتيجي، وجامع العسل لا يقطع خلية العسل بالكامل، بل يهتم بها، ويأخذ العسل منها بعناية، ويرجعها إلى مكانها الأصلي، ويعيد جمع العسل فيها مرة أخرى، فيما يبقى النحل الصغير في الخلية، وتعاد دورة جمع العسل مرة أخرى وهكذا.
واليماحي، اشتهر بكونه من جامعي العسل في منطقة الطويين التابعة للفجيرة، وهو من الخبراء الذين كان يسترشد بهم في هذا المجال حيث يؤكد دائماً أن لمواسم العسل ثلاث مراحل يبدأ الأول في مارس/ آذار ويستمر إلى يونيو/ حزيران، وهو موسم (السمر)، الذي يعد من أجود أنواع العسل، إذ يتركز عمل النحل على أزهار أشجار السمر التي تسمى محليا البرم، يعقبه موسم (السدر) ويبدأ من شهر سبتمبر/أيلول إلى أواخر نوفمبر/تشرين الثاني، ويبقى موسم (العشب) الذي يختلف في توقيته حسب سقوط الأمطار.
إن ارتباط العسل كمنتج غذائي بمواسم الأمطار، ولكونه منتجاً تستخلصه النحلة من رحيق الأزهار، من البساتين والغابات والأشجار الموجودة في الجبال والوديان، جعل مهنة جامع العسل، مهنة شديدة الذكاء وتتطلب خبرة بالتفاصيل الدقيقة لها، من حملها في أكياس ومن ثم تخزينها في عيون الشمع السداسية بالخلايا، وأيضا ختمها بأغطية شمعية. ويطلق على الشخص المعني بعملية استكشاف وجمع العسل «بالعسال»، وهو عمل يتطلب كثيراً من الخبرة.
وقد جرت العادة أن يقوم العسال، ومن أجل الحفاظ على القيمة الغذائية للعسل بوصفه من المواد الصحية التي تتميز بقيمة غذائية عالية، باتباع إجراءات مقننة من أجل الحفاظ على العسل الطبيعي، الذي لا يحتاج كما يعرف المتمرسون لحفظه بالثلاجة، بل يحفظ فقط في وعاء محكم الغلق، ويخزن بحرارة الغرفة الاعتيادية، كما أن للعسل لوناً وطعماً مميزين يعتمد على نوع الزهرة التي جمعت النحلة منه الرحيق، ومن أشهر أنواع النحل في الإمارات، نوع يطلق عليه «الشرود» ذلك لأنه كثير التنقل من منطقة إلى أخرى، وهذا النوع يسمى بأسماء أخرى عربية، بحسب ما يؤكد أحد الخبراء في هذا المجال واسمه ناصر المنصوري، الذي تمتد خبرته في هذا المجال لنحو أربعين عاما بحسب ما تؤكد المصادر، والمنصوري هو أحد الهواة في هذا المجال، وهو يورد أن هناك ميثاق شرف بين «العسالين» الجبليين بألا يعتدي أي واحد منهم على نحل الآخر، والمنصوري عمل في تربية نحل العسل وله أبحاث ودراسات حول أفضل السبل للتعامل في هذا المجال.
يتحدث المنصوري عن لغة للنحل لا يعرفها إلا من تعامل معه لفترة طويلة، وعن طريق هذه اللغة المتبادلة بين العسال والنحل يمكن الوصول إلى العديد من أسرار هذا العالم، فعلى سبيل المثال تصدر الخلية إشارات عندما يكون هناك مرض أو خطر يهددها.
لقد ظهرت عملية استئناس وتربية النحل في الحضارات القديمة، ووجدت بعض النقوش في المعابد الفرعونية التي تعود لنحو 2600 قبل الميلاد، وهي تبين طريقة تربية النحل عند الفراعنة، كما تؤكد المصادر العلاقة الوثيقة بين نشوء وتطور نحل العسل، وظهور النباتات المزهرة، فقد عثر في صخور العصر الطباشيري على الكثير من حفريات هذه النباتات إلا انه من المؤكد أن تطور نحل العسل عن أسلافه أشباه الدبابير قد ظهر في أواخر العصر الطباشيري منذ نحو 80 مليون سنة، وما زالت الكثير من الأسرار عن تاريخ وتطور نحل العسل عبر التاريخ لم تكتشف بعد.