لم‮ ‬يستغل المتطرفون والتكفيريون مصطلحاً دينياً كما استغلوا اصطلاح‮ «‬الجهاد‮»‬،‮ ‬ولم‮ ‬يسيئوا إلى مفهوم ديني‮ ‬بفعل تطرفهم وتشددهم كما أساؤوا إلى هذه القيمة الدينية التي‮ ‬أرادها الله للدفاع عن الأوطان،‮ ‬وتحرير الأراضي‮ ‬الإسلامية المغتصبة،‮ ‬وردع الظالمين المعتدين الذين تسول لهم أنفسهم إهدار حقوق المسلمين،‮ ‬واستباحة حرماتهم.
رفع المتطرفون شعار الجهاد لتبرير جرائمهم والتغطية على أهدافهم الرخيصة،‮ ‬فانكشفوا أمام الجميع،‮ ‬لأن جهادهم المزعوم بلا أسس شرعية تسنده،‮ ‬ولا أدلة فقهية تعضده،‮ ‬ولا مناصرين عقلاء من دارسي‮ ‬الشريعة الذين‮ ‬يفقهون معنى الجهاد‮.. ‬ولذلك تحول جهاد المتطرفين في‮ ‬بلادنا العربية والإسلامية إلى إرهاب ملعون من الله ورسوله وعامة المسلمين وخاصتهم إلى‮ ‬يوم الدين،‮ ‬حيث قتلوا أبرياء من المسلمين ومثلوا بجثامينهم،‮ وذبحوا أبرياء من غير المسلمين بطريقة وحشية.
‬هذا هو جهادهم ضد الضعفاء المسالمين من المسلمين وغير المسلمين‮.. ‬أما القوى التي‮ ‬تتربص بالإسلام وتحتل ديار المسلمين وتعبث كل‮ ‬يوم بمقدساتهم وتهدر كرامة شعوبهم،‮ ‬مثل الصهاينة فلا جهاد معهم‮.. ‬بل استسلام وخنوع ورضا بالإهانة وحياة الذل والهوان‮.‬

هناك أسئلة التي‮ ‬تفرض نفسها ونحن نتحدث عن الجهاد وعلاقة الجماعات المتطرفة به: ‬ما هو الجهاد المشروع ومتى‮ ‬يطبق؟ وهل هناك جهاد من مسلم ضد مسلم؟ وما هي‮ ‬ضوابط وقواعد الجهاد المشروع؟ وما الفرق بين الجهاد والإرهاب؟
الجهاد الذي‮ ‬شرعه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، قيمة كبيرة وعظيمة‮ ‬يفتخر بها كل مسلم،‮ ‬فهو‮ - ‬كما‮ ‬يقول د‮. ‬عبد الرحمن العدوي،‮ ‬عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر‮ - ‬كفاح مشروع من أجل إعلاء قيم الحق والعدل وردع الظلم وقهر المعتدين،‮ ‬لكن الجهاد المشروع والمطلوب إحياؤه في‮ ‬نفوس المسلمين شيء وما تمارسه جماعات العنف التي‮ ‬ترفع شعارات دينية شيء آخر‮.. ‬فجهاد المتطرفين في‮ ‬العراق وسوريا وليبيا واليمن وتونس وسيناء ونيجيريا وغيرها إرهاب مرفوض ومدان،‮ ‬فهؤلاء المتطرفون‮ ‬يتسترون خلف الجهاد،‮ ‬ويغلفون به جرائمهم المنكرة،‮ ‬وهو كما‮ ‬يؤكد العلماء‮ «‬كلمة حق‮ ‬يراد بها باطل‮»‬،‮ ‬ذلك أن الجهاد الإسلامي‮ ‬المشروع ليس عدواناً صارخاً على الأبرياء المسالمين من مسلمين وغير مسلمين‮.‬
حرب دفاعية
ويضيف د. العدوي: شرع الجهاد للدفاع عن الإسلام والمسلمين،‮ ‬فإذا ما اعتدت جماعة أو دولة على المسلمين وأهدرت حقوقهم واحتلت أرضهم،‮ ‬ودنست مقدساتهم،‮ ‬يصبح الجهاد فرضاً على المسلمين للدفاع عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وديارهم ومقدساتهم‮.. ‬فالجهاد قتال ضد عدو معتدٍ،‮ ‬وقد أذن الله للمسلمين أن‮ ‬يردوا عدوان المعتدين في‮ ‬قوله تعالى‮: «‬وقاتلوا في‮ ‬سبيل الله الذين‮ ‬يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا‮ ‬يحب المعتدين‮»‬،‮ ‬وفي‮ ‬قوله‮: «‬أُذِنَ للذين‮ ‬يقاتَلُون بأنهم ظُلِموا وإنّ الله على نصرهم لقدير‮».‬ فشريعتنا تحترم عقائد الآخرين وترفض الظلم والعدوان.
من هنا‮ ‬يتضح أن الجهاد الإسلامي‮ ‬المشروع هو‮ «‬حرب دفاعية مشروعة لرد عدوان المعتدين‮».. ‬وللحرب في‮ ‬الإسلام آداب وأخلاقيات‮ ‬يجب الحرص عليها؛ فلا‮ ‬يجوز قتل النساء والأطفال والشيوخ وغير المحاربين،‮ ‬ولا تدمير العمران أو قطع الأشجار،‮ ‬أو إساءة معاملة الأسرى،‮ ‬ولم‮ ‬يشرع الإسلام الجهاد للعدوان على الآخرين من دون مبرر مشروع ولا لإجبار الآخرين على الدخول في‮ ‬الإسلام،‮ ‬كما‮ ‬يفعل المتطرفون والتكفيريون الذين‮ ‬يسيئون استخدام مصطلح «‬الجهاد‮» ‬ويتخذونه وسيلة لتحقيق أهدافهم الرخيصة،‮ ‬حيث‮ ‬يقتلون ويحرقون ويعذبون ضحاياهم بكل وسائل التعذيب التي‮ ‬تأباها حتى نفوس الأشرار‮ ‬غلاظ القلوب‮.‬
الجهاد المشروع
ويؤكد د‮. ‬عباس شومان‮ - ‬وكيل الأزهر،‮ ‬الأمين العام لهيئة كبار العلماء‮ - ‬انحراف المتطرفين عن طريق الجهاد الصحيح،‮ ‬فالإسلام برحمته وعدله يدين قتل الأبرياء المسالمين بأي حال من الأحوال،‮ ‬والجهاد الذي‮ ‬يرفع رايته هؤلاء الأشرار‮ ‬غلاظ القلوب لا علاقة له من قريب أو بعيد بالجهاد الذي‮ ‬رسم طريقه رسول الإنسانية‮ - ‬صلوات الله وسلامه عليه‮ - ‬والتزم بآدابه وأخلاقياته حكام وقادة جيوش المسلمين،‮ ‬ممن فهموا دينهم فهماً صحيحاً،‮ ‬وأدركوا عدله ورحمته وإقراره لكل حقوق الإنسان في‮ ‬السلم والحرب‮.‬
ويضيف: الجهاد المشروع‮ - ‬الذي‮ ‬تقره وتعترف به شريعتنا الإسلامية العادلة‮ - ‬هو بذل النفس والمال من أجل إعلاء كلمة الله تعالى،‮ ‬ومن أجل الدفاع عن الدين وعن النفس وعن الوطن وعن المال،‮ ‬وهدفه دحر المعتدين ونصرة المظلومين‮.‬
والجهاد المشروع‮ - ‬كما‮ ‬يقول د‮. ‬شومان‮ - ‬ليس مطلوباً من الأطفال حيث تستغلهم جماعات التطرف والتكفير في‮ ‬حروب ومواجهات‮ ‬يتم فيها إهدار جميع حقوقهم،‮ ‬بل مكلف به فقط المسلم البالغ‮ ‬العاقل القادر على تكاليفه ومشقاته،‮ ‬وحكمه الشرعي‮ ‬أنه قد‮ ‬يكون فرض عين،‮ ‬وقد‮ ‬يكون فرض كفاية،‮ ‬فيكون الجهاد فرض عين إذا داهم العدو أرض الوطن،‮ ‬واستنفر ولي‮ ‬الأمر في‮ ‬الدولة جميع أفرادها من أجل الدفاع عن أنفسهم،‮ ‬ففي‮ ‬هذه الحالة‮ ‬يتهيأ كل فرد للدفاع عن دينه وعن وطنه وعن حريته على قدر استطاعته وقدرته‮.‬
ويكون الجهاد فرض كفاية‮ - ‬بمعنى أنه إذا قام به البعض سقط عن الباقين‮ - ‬ إذا أعدت الدولة جيشاً من أبنائها‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يقف في‮ ‬وجه المعتدين وأن‮ ‬يردهم على أعقابهم خاسرين،‮ ‬فالمؤمنون ليسوا مطالبين بالخروج جميعاً لقتال أعدائهم إذا كان بعضهم‮ ‬يغني‮ ‬في‮ ‬التغلب على هؤلاء الأعداء وفي‮ ‬الانتصار عليهم،‮ ‬وإنما المطلوب أن‮ ‬يقسم المؤمنون أنفسهم إلى أقسام:‮ ‬قسم‮ ‬يتفرغ‮ ‬لقتال الأعداء،‮ ‬وقسم آخر‮ ‬يتفرع لطلب العلم ولتعليمه لغيره،‮ ‬سواء أكان هذا العلم علماً دينياً أم طبياً أم زراعياً أم صناعياً،‮ ‬أم‮ ‬غير ذلك من العلوم المتنوعة التي‮ ‬لا نهوض ولا تقدم لأي‮ ‬أمة من الأمم إلا بإجادتها والتفوق فيها على‮ ‬غيرها‮. ‬
«الفوز العظيم»
والجهاد بمفهومه الشرعي‮ ‬الصحيح‮ ‬يكافئ الحق‮ - ‬سبحانه وتعالى‮ - ‬عليه من‮ ‬يقدم عليه بصدق وأمانة،‮ ‬ولذلك حث عليه القرآن الكريم في‮ ‬قول الحق سبحانه‮: «‬يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في‮ ‬سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون‮»‬،‮ ‬وقد جعل الله ثواب المجاهدين المخلصين الجنة كما في‮ ‬قوله سبحانه‮: «‬إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة‮ ‬يقاتِلون في‮ ‬سبيل الله فيَقتُلون ويُقتَلون وعداً عليه حقاً في‮ ‬التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي‮ ‬بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم‮».. ‬وقال رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬في‮ ‬فضل الجهاد‮: «‬ألا أخبركم بخير الناس؟ خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه‮ ‬يجاهد في‮ ‬سبيل الله‮»‬،‮ ‬وقد سئل صلى الله عليه وسلم‮: ‬من أفضل الناس؟ فقال‮: «‬أفضل الناس مؤمن‮ ‬يجاهد في‮ ‬سبيل الله بنفسه وبماله‮».‬
وهذا الجهاد الحقيقي‮ ‬لا‮ ‬يعرفه المتطرفون الذين ابتلاهم الله بعقول سيطر عليها الجهل والغباء،‮ ‬فحولوا هذا الجهاد المشروع إلى إرهاب منبوذ،‮ ‬حيث لا‮ ‬يمكن لدين انتهج العدل واحترم حقوق الإنسان والحيوان والنبات والجماد أن‮ ‬يقر العدوان والقتل والتخريب وغير ذلك من الجرائم التي‮ ‬يرتكبها المتطرفون والتكفيريون في‮ ‬عدد من البلاد العربية والإسلامية الآن تحت ستار الجهاد‮.‬
لا إكراه في الدين
من هنا‮ ‬يختلف الجهاد الذي‮ ‬شرعه الله لإعلاء كلمة الحق والعدل،‮ ‬وللدفاع عن النفس والعرض والمال والوطن عند تعرضه لعدوان،‮ ‬عن الإرهاب الذي‮ يمارسه المتطرفون الذين ‬يحملون السلاح ويعيثون في‮ ‬الأرض فساداً باسم الإسلام‮. ‬
ويقول د‮. ‬العدوي‮: ‬شريعة الإسلام لا تقاتل المخالفين في‮ ‬العقيدة لمجرد أنهم‮ ‬يعتنقون ديناً آخر، كما‮ ‬يفعل المتطرفون،‮ ‬فالإسلام‮ ‬يحترم عقائد الآخرين وهو لا‮ ‬يكره أحدا على اعتناق العقيدة الإسلامية،‮ ‬كما أن شريعتنا لا تعرف الظلم ولا تقر العدوان بكل أشكاله وصوره،‮ ‬وهي‮ ‬تأمر أتباعها بالتعاون على البر والتقوى فيما بينهم وبين‮ ‬غيرهم من أتباع الديانات الأخرى ما داموا لم‮ ‬يسيئوا إلينا ولم‮ ‬يعتدوا علينا نحن المسلمين‮.. ‬يقول سبحانه‮: «‬لا‮ ‬ينهاكم الله عن الذين لم‮ ‬يقاتلوكم في‮ ‬الدين ولم‮ ‬يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله‮ ‬يحب المقسطين،‮ ‬إنما‮ ‬ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في‮ ‬الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم ومن‮ ‬يتولّهم فأولئك هم الظالمون‮».‬
والإسلام‮ ‬يحترم حقوق الإنسان كافة ويجرم كل اعتداء على عرضه أو على ماله أو على نفسه،‮ ‬سواء أكان مسلماً أم‮ ‬غير مسلم،‮ ‬ما دام هذا الفرد لم‮ ‬يرتكب ما‮ ‬يعاقب أو‮ ‬يحاسب عليه‮.‬
فارق كبير
وبعد توضيح الفارق الكبير بين الجهاد المشروع والإرهاب المرفوض نطرح سؤالا مهما‮: ‬هل هذا الخلط الذي‮ ‬يحدث نتيجة جهل وغباء المتطرفين‮ ‬يستدعي‮ ‬حظر الجهاد سداً لباب الذرائع ومنعاً للخلط وحماية لصورة الإسلام وتشريعاته كما‮ ‬يرى البعض؟
يؤكد الفقيه د‮. ‬محمد نبيل‮ ‬غنايم،‮ ‬أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة‮: ‬أن الجهاد المشروع واجب ضد أعداء الدين والوطن والإنسانية ما دام‮ ‬يتم وفق الشروط والضوابط الحاكمة له،‮ ‬التي‮ ‬وردت في‮ ‬كتاب الله وسنة رسوله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬ولا شأن لنا بما‮ ‬يردده هذا أو ذاك من هواة خلط الأوراق‮.‬
ويقول‮: ‬هناك خلط فاضح بين المقاومة المشروعة للظالمين والمعتدين والمجرمين وبين الإرهاب المنبوذ الذي‮ ‬تمارسه جماعات التطرف والعنف،‮ ‬والذي‮ ‬يصنف ضمن أبشع أشكال الظلم والعدوان،‮ ‬لأنه‮ ‬يهدر حقوق الآخرين،‮ ‬ويمثل عدواناً صارخاً على الأبرياء الذين تزهق أرواحهم من دون وجه حق وتدمر ممتلكاتهم ويروعون في‮ ‬منازلهم ومتاجرهم ومدارسهم وأوطانهم على أيدي‮ ‬المتطرفين المجرمين‮.‬