يعد إرسال معلومات غاية في السرية عملية محفوفة بالمخاطر وغير مضمونة، ومن أجل أن يتجنب المرسل وقوع معلومات حيوية في غير الأيدي المعنية، كانت الرسائل تخلط وتُنكّر وتُرمَّز بحيث لا يستطيع قراءتها إلا أولئك الذين يمتلكون الشيفرة الصحيحة، وتعرف هذه العملية بالكتابة المشفرة، ويعرف خلط الرسالة بالتشفير إما إعادة ترتيبها كما هي فيعرف بفك الشيفرة.
أشهر حالة من حالات التشفير كانت خلال الحرب العالمية الثانية عندما استخدم الألمان لتشفير الرسائل العسكرية قبل بثها في الإذاعة آلة شبيهة بالآلة الكاتبة، تسمى «اللغز»، وكانت هذه الرسائل المشفرة تحلها مجموعة من مفككي الرموز البولنديين الأذكياء، ينتمون إلى مكتب الشيفرة، ومن مفككي الرموز البريطانيين من بلتشلي بارك وكلهم اشتهروا في الفيلم الحديث «اللغز».
كتب الكندي بعض أوائل ما ألف في هذا الفن في القرن التاسع، كانت الرسائل في ذلك الوقت ترسل مع حمام الزاجل، لذلك كانت خفيفة الوزن، وتشفر السرية منها.
واليوم أصبح تشفير الرسائل وفك شيفرتها أكثر تعقيداً مما كان عليه من قبل، بيد أن المبدأ الأساسي لتغيير الحروف وتبديلها ما زال يستخدمه المشفرون اليوم.
ابتكر الإغريق في القرن السادس قبل الميلاد أسلوباً بسيطاً وعبقرياً لتشفير الرسائل، استخدموا عصا ثابتة العرض تسمى «سكايتيل» يلفونها بقطعة ورق طويلة يكتبون عليها بصورة أفقية. ثم يفكون هذه الورقة ويرسلونها إلى الشخص المعني الذي يستطيع قراءتها إن كان لديه «سكايتيل» بالعرض نفسه ليلف الورقة عليه، أما إذا كان ال «سكايتيل» أعرض أو أضيق فلا يمكن قراءة الرسالة.
والدليل الحقيقي لتحليل الشيفرة أوجده الكندي الذي أحدث ثورة في هذا الميدان عندما كتب «رسالة استخراج المعمى». تشتمل الرسالة على وصف لأسلوب التحليل التكراري، لاحظ الكندي أنه إذا ما وضع مكان الحرف العادي حرفاً مختلفاً أو رمزاً، فإن الحرف الجديد سوف يحمل خصائص الحرف الأصلي كلها.
إذا ما نظرنا إلى اللغة الإنجليزية نجد أن الحرف (e) أكثرها شيوعاً، ويشكل 13٪ من الحروف كلها، وهكذا إذا استبدل بالحرف (e) الرمز (#) يصبح الرمز الأكثر شيوعاً، أي 13٪ من الرموز الجديدة، عندئذ يستطيع محلل الرموز والشيفرة أن يستنتج أن الرمز (#) يمثل في الواقع الحرف (e).
الكندي من دراسته للنص القرآني دراسة دقيقة لاحظ تكرار الحرف المميز، فوضع أسس الكتابة المشفرة التي دفعت كثيرين من كتبة الشيفرة من دول النهضة الأوروبية إلى ابتكار خطط عديدة للتغلب عليها، وعلى الرغم من أن الكندي هو الذي ابتكر قبل ألف ومئة سنة أساليب مكنت من استخدام التشفير وفك الشيفرة، فإن كلمة «تحليل الشيفرة» حديثة نسبياً وأطلقها للمرة الأولى عام 1920، رجل اسمه ويليام فريدمان.
يعد تحليل التكرار الآن الأداة الأساسية لحل الشيفرات التقليدية أو الرموز التي تستخدم الألف باء النصية البسيطة والأساسية.