عشقت جواهر سعد الشربيني، ابنة محافظة الدقهلية في دلتا مصر، الأرض منذ نعومة أظفارها، ومن أجل معشوقتها كرست كل حياتها، وراحت بكل ما أوتيت من قوة وعزم وحب، تتحدى كل الظروف المحيطة بها وتزرع وترعى وتحصد المحاصيل والخضراوات، لتبدع وتتفوق في هذه المهنة الشاقة على المئات من الرجال .

في محفل عام جمعها برئيس الجمهورية قبل سنوات لم تخن جواهر شجاعتها، فراحت بفصاحة الفلاحة البسيطة تطلب من الرئيس إتاحة الفرصة للجادين من فلاحي محافظتها، لاستصلاح خمسين ألف فدان على ساحل البحر المتوسط، فكان لها ما أرادت . وبعد جهد ومشقة تحقق حلمها وأصبح الآن هذا الشريط الأخضر الوارف الذي كان صحراء في الماضي شاهداً على إخلاص هذه السيدة لمعشوقتها الزراعة .

لم تمض سوى سنوات قليلة على تلك الواقعة حتى استطاعت جواهر باقتدار شديد أن تنال ثقة الناخبين بمحافظتها، وتحتفظ بعضوية المجلس المحلي لأكثر من عشرين عاماً متتالية، فضلاً عن مشاركتها في كل الأنشطة العامة التي تخدم الفلاحين بشكل عام، والمرأة الريفية بشكل خاص، كما اختيرت لتمثل المرأة الريفية في العديد من المحافل العالمية .

على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، حصلت جواهر الشربيني على العديد من الأوسمة وشهادات التقدير عالمياً ومحلياً، ومن بينها اختيارها كواحدة من أفضل عشر نساء في العالم في التنمية الريفية، وتسلمت الجائزة في العاصمة الفرنسية باريس في محفل حضرته شخصيات عالمية بارزة .

لم تنل جواهر حظاً وافراً من التعليم، إذ تركت المدرسة مبكراً بسبب ظروفها الأسرية بعد حصولها على الابتدائية، لكنها راحت تتحين الفرص لاستكمال تعليمها، وعندما واتتها الفرصة كانت تعدت الخمسين من عمرها فلم يثنها كبر سنها عن استكمال المشوار فنجحت في أن تكمل تعليمها وأن تلتحق بمعهد التعاون الزراعي وتتفوق فيه ومن بعده تعد دراسات متخصصة في مجال إدارة المشروعات الزراعية . وقامت مؤخراً بالتسجيل للحصول على درجة الماجستير وتأمل أن تحقق حلمها في الحصول على درجة الدكتوراه قريباً .

مشوار كفاح جواهر الشربيني مع معشوقتها الأرض بدأ من قريتها محلة دمنة مركز المنصورة بمحافظة الدقهلية، حيث ولدت لأب يعمل بالفلاحة وأم ربة منزل، وعن والدها ورثت عشق الأرض وحب الفلاحة غير عابئة بمشقة هذه المهنة عليها كفتاة . وعندما مرض والدها وهي مازالت بنت الثانية عشرة تحملت مسؤولية كبيرة في رعاية أسرتها وأرجأت التعليم الذي تفوقت فيه بعدما أنهت المرحلة الابتدائية وراحت بكل همة ونشاط تزرع وترعى وتحصد لتبهر بما تبرع في زراعته من محاصيل وخضراوات كل الرجال من أبناء قريتها .

وعندما لم يحالفها حظها في الزواج، راحت جواهر توقف طاقاتها المتجددة على معشوقتها الأرض وتوسع من مداركها في هذه المهنة بالاطلاع ومتابعة كل حدث يهتم بمشكلات الفلاحين ويناقش قضاياهم، وعندما أتيحت لها فرصة المشاركة في محفل عام يحضره رئيس الجمهورية راحت تستغل هذه الفرصة، وبفصاحة الفلاحة الفطرية، وبشجاعة بنت الريف الأصيلة، طلبت منه المساعدة في استصلاح 50 ألف فدان صحراء على ساحل البحر المتوسط لتوفير المزيد من فرص العمل أمام الشباب العاطلين ولزيادة الرقعة الزراعية بهذه المساحة الكبيرة .

ولقوة منطقها وبلاغة عرضها استجاب رئيس الجمهورية لمطلبها ودارت عجلة الاستصلاح في هذه المنطقة، وأبت جواهر إلا أن تشارك بفاعلية في هذا الإنجاز التاريخي فراحت تحمس الفلاحين والمزارعين على القدوم إلى الأرض الجديدة وتنشئ جمعيات الاستصلاح المطلوبة وتتابع لحظة بلحظة أعمال البنية الأساسية، وتهاتف، وهي الفلاحة البسيطة، الوزراء والمسؤولين لحل أي مشكلة تواجه سير العمل .

الصفحات الناصعة في حياة جواهر الشربيني يضاف إليها قصة أخرى مع النجاح والتحدي هي قصتها مع استكمال التعليم وانتظامها في الدراسة بعد أن وصلت سن الخمسين من عمرها .

تقول: رغم أن تعليم الفتيات في قريتي لم يكن كفكرة يقابل بالتشجيع، فإن أبي ألحقني بالمدرسة الابتدائية وعندما أنهيت هذه المرحلة بنجاح كانت حالته الصحية أجبرته على الجلوس في المنزل وكان علي أن أتحمل مسؤولية فلاحة الأرض، ومن يومها وأنا أتحين الفرصة لاستكمال تعليمي، وانشغلت سنوات عن الفكرة، سواء بالعمل في الحقل أو إنجاز مشروع استصلاح الأراضي أو المشاركة في الفعاليات المختلفة المحلية والعالمية، ولكني طيلة هذه السنوات كنت أشعر أن شيئاً كبيراً ينقصني وأن حبي للفلاحة لم يعد وحده عامل نجاحي في مناقشة قضايا الفلاحين والبحث لها عن حلول، وأنه لابد من استكمال الدراسة، وبخاصة في مجال الزراعة والوقوف على أحدث ما توصل إليه العلم في طرائق الاستصلاح والفلاحة .

وبتشجيع ممن حولها وقبل عشر سنوات من الآن وبعد أن تعدت سنها الخمسين عاماً نجحت جواهر في أن تعاود الجلوس في مقاعد الدراسة غير عابئة بالفوارق الكبيرة بينها ومن حولها من الطلاب .

تصف جواهر ذلك بقولها: لم أفكر أبداً في نظرة هؤلاء الطلاب لي وأن أجلس بجوارهم وعمري أكبر من عمر أمهاتهم، كل ما كان يهمني هو تحصيل العلم وإنجاز هدف إتمام دراستي والاستفادة من كل ما أدرسه وأحمد الله أن وفقني أن أحصل على الشهادة الإعدادية ومن بعدها دبلوم المدرسة الثانوية الزراعية بنجاح وتفوق، واخترت أن أكمل دراستي العليا بمعهد التعاون الزراعي ونجحت فيه أيضاً بتفوق ودرست بعد المعهد دراسات خاصة في إدارة المشاريع الزراعية ومؤخراً قدمت أوراقي لتسجيل درجة الماجستير في العلوم الزراعية وأخطط لأن أتابع الدراسة فور حصولي على الماجستير وأحصل على الدكتوراه .