إن لكل حرف في اللغة العربية مخرجه الخاص به، ومن حق القرآن علينا أن يكون نطقنا لهذه الحروف صحيحاً، وأن نقرأه على مهل، حتى نستطيع فهمه وتدبره، وقد أمر الله الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: ورتل القرآن ترتيلا (سورة المزمل) .

وسئل أنس رضي الله عنه عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كانت مدا، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم رواه البخاري، أما الصوت الحسن فله وقع خاص في النفوس وتأثير في القلوب، وجمال الصوت أفضل ما يكون في قراءة القرآن الكريم . قال صلى الله عليه وسلم: زينوا القرآن بأصواتكم أي زينوا أصواتكم بالقرآن، وقال صلى الله عليه وسلم: ليس منا من لم يتغن بالقرآن، وكان أبو موسى الأشعري رضي الله عنه حسن الصوت، جيد الترتيل فقال له صلى الله عليه وسلم: لو رأيتني وأنا استمع إلى قراءتك البارحة، لقد أوتيت مزماراً من مزامير داود فقال أبو موسى: لو كنت أعلم أنك تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيراً، والتحبير هو: التحسين، والتزيين . وتحسين الصوت أن يقوم الإنسان بالقراءة على أحسن وجوهها، ويؤديها بأفصح مخرج حتى يسمع القرآن منه غضاً طرياً لفصاحته وعذوبته، لا للتلحين المصطنع .

إن القرآن الكريم هو الكتاب المبين وقد سمي قرآناً لأنه يتلى باللسان فالقرآن: مصدر بمعنى القراءة والتلاوة وهو ضم الألفاظ بعضها ببعض في النطق، وسمي كتاباً لأنه يدون بالأقلام، وهو ضم الحروف بعضها إلى بعض في الخط، ولا يقتصر الجمع على النطق والكتابة فقط، فقد جمع الله فيه حقائق الحياة وضروب المعرفة وفنون المعاني، فهو الكتاب الجامع للعلوم أو العلوم المجموعة في كتاب . وقد بقي محفوظاً في حرز حريز، إنجازاً لوعد الله الذي تكفل بحفظه حيث يقول تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون . وسبيل حفظ القرآن الكريم هو تعليمه للأجيال القادمة، جيل أبنائنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خيركم من تعلم القرآن وعلمه رواه البخاري، والأمة الإسلامية قد اعتنت بتعليمه عبر عصور التاريخ المختلفة، وفي كل مكان يوجد فيه المسلمون بالعناية بتحفيظه للصبية في المكاتب والمدارس، فيكبرون وهم حفاظ القرآن حاملو راية الإسلام، صورة القرآن في شخصيتهم، ونور الإيمان في قلوبهم وهذه عادة تتوارثها جميع المجتمعات الإسلامية عربية وغير عربية .

إن الإنسان يهوى ما تميل إليه نفسه، والنفس المؤمنة تبحث عن المعرفة في كل مكان، والقرآن كلام الله غير مخلوق، فيه كل ما يبحث عنه المؤمن من التقوى، والمعرفة، وأسس الدين وعماد الشريعة، فيصبح طيب الظاهر والباطن: مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة: ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو . وملازمة قراءة القرآن تشفع له في الآخرة اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه . وإن شقت قراءته على أحد كان له أجران لقوله صلى الله عليه وسلم: الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران أما الحفظ فهو يصون هذه القراءة، ويكون محفوظاً في الصدور وهو ذخيرة للحافظ استشهاداً واستحضاراً للمحفوظ عند الحاجة، وبه يمتلئ قلب المؤمن نوراً وهداية: إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب، ولا تتم الفائدة الحقيقية لآيات القرآن الكريم إلا بتدبرها وفهمها، وهذا أيضاً حق من حقوق كتاب الله علينا الذي يسره الله لنا . قال تعالى: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر سورة القمر . وقال: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها سورة محمد . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا سمع الآيات القرآنية، وقف عند معانيها واستشعر عظم المسؤولية، وذرفت عيناه بالدموع . إن المرء إذا تدبر معاني القرآن يهتز كيانه ويرتجف قلبه وتستيقظ مشاعره، ويبدأ في التأمل والتفكر في آيات الله سبحانه وتعالى قال تعالى: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون سورة الحشر .

ومن حق القرآن الكريم أن نستمع إلى قراءته استماع خشية وتفكر، قال تعالى: وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون سورة الأعراف، وإذا قرئ القرآن الكريم واستمعت له النفس بتدبر، دعا ذلك إلى الاستجابة التي هي سبب الرحمة والمغفرة في الدنيا والآخرة وتتحقق بذلك طمأنينة النفس ويمتلئ القلب باليقين والروح بالحيوية والانطلاق لتحقيق كل ما هو نافع ومفيد .

إن الهدف الأساسي لآيات كتاب الله هو التفقه والتدبر في معانيها ثم العمل بها، جميل أن نقرأ القرآن ونحفظه، والأجمل أن نفهمه ونعي معانيه، والأجمل من ذلك كله أن نعمل به، فلم ينزل الله تعالى القرآن الكريم ليكون أنشودة يتغنى بها، أو كتاباً يقرأه الشخص، ويحفظه للتسلية، إنما هو دستور الحياة ونظامها، يقوي ويصحح العقائد، يدعو إلى العبادة، يبين الأحكام المشروعة، ويحدد السلوك الذي يجب أن يلتزم به المسلم في جميع شؤون حياته .

[email protected]