السعي لتخفيف معاناة البيئة، يجعل الحياة على كوكب الأرض آمنة، خصوصاً مع تراجع القدرة على العيش في حياة خالية من مسببات تلوث الهواء، الذي يحيط بنا من كل اتجاه. الأمر الذي أدركته إمارة الشارقة، وشحذت هممها وعقولها لتقليل الآثار السلبية للتلوث والتمتع بمقاييس ومعايير الجودة، من دون خلل. ومن هنا تأتي أهمية مشروع جودة الهواء في الشارقة، الذي يهدف للحفاظ على نظافة الهواء في الإمارة، ويرتكز بصورة أساسية، على تطوير شبكات الرصد، وتحديد القضايا ذات الأولوية المرتبطة بالتلوث، والتقييم الدائم لجودة الهواء
تطور الصناعة المذهل والتنمية العمرانية، والتغير المتسارع في نمط وسلوك الإنسان على الأرض، ومنها استخدام النفط الخام، وارتفاع حركة المرور والطيران والموانئ، ومشروعات الصرف الصحي وطرق التخلص من المخلفات، عوامل تؤثر في تغيير نوعية جودة الهواء خصوصاً أن معظم المشروعات الاستثمارية والتنموية في دول العالم، التي غالباً ما تسعى إلى المنفعة المادية، تغض الطرف عن مراعاة المتطلبات البيئية. وهنا جاء اهتمام الشارقة ودولة الإمارات برصد مستوى جودة الهواء من خلال محطات خاصة منتشرة في أرجاء الدولة، والنابع من الحرص على خلق بيئة مستدامة، إدراكاً لمعنى الحياة الصحية التي توفرها لتستمر مسيرة الإنسان على أرض الدولة ويستمر العطاء.
يقول خالد الحريمل، الرئيس التنفيذي لشركة بيئة: «مشروع جودة الهواء في الشارقة، هدفه الحفاظ على نظافة الهواء في الإمارة، ويرتكز بصورة أساسية، على تطوير شبكات الرصد، وتحديد القضايا ذات الأولوية المرتبطة بالتلوث، بناء على التقييم الشامل والمتكامل الدوري لجودة الهواء، وبناء قواعد بيانات حديثة وموثوقة وخرائط تفاعلية للتلوث. ولتحقيق هذا الهدف، تستخدم شبكة الرصد المستمر لجودة الهواء المحيط، أحد أفضل المناهج العالمية لجمع البيانات المتعلقة به».
ويضيف: «هناك مجموعة من قياسات المؤشرات الجوية الأخرى، وهي أسلوب عمل أثبت نجاحه في تحقيق مستويات عالية الدقة والموثوقية، بما ينسجم مع أحدث المعايير البيئية، وبموجب المشروع تتوزع 9 محطات مراقبة في أماكن استراتيجية متفرقة في أنحاء الإمارة، وواحدة منها جوالة، تقدم (بيئة) 7 منها، فيما تطور هيئة البيئة والمحميات الطبيعية بالشارقة 3 محطات أخرى، تتوزع بشكل تجريبي لتشمل المناطق الصناعية والمزدحمة، بالإضافة إلى محطة مخصصة للجامعة الأمريكية في الشارقة».
ويوضح أنه بمجرد الانتهاء من تركيب المحطات، سيجري تحميل البيانات الصادرة عنها، بشكل آني إلى موقع إلكتروني متاح للعامة، كما ستغذي هذه البيانات بدورها قاعدة المعلومات الوطنية في الدولة، ما يسمح للجهات الحكومية والهيئات التنظيمية، بإجراء دراسات تفصيلية واتخاذ الإجراءات اللازمة عند الضرورة.
وعن مدى الالتزام بالمعايير الوطنية في التعامل مع البيانات ونتائج الرصد، يقول الحريمل: «يأتي مشروع قياس جودة الهواء في إمارة الشارقة تماشياً مع توجه عدد متزايد من دول ومدن العالم إلى تنفيذ لوائح رصد جودة الهواء، لتقييم التلوث ضمن بيئتها المحلية، والقضاء عليه. ومن هنا أطلقت الشارقة هذه المبادرة لقياس ما مجموعه 12 عاملاً جوياً مؤثراً، على الرغم من أن العدد الملزم بالقانون الاتحادي لدولة الإمارات العربية المتحدة هو 4 فقط، ما يعني أن المبادرة ستدرس وترصد المتغيرات الجوية بشكل أوسع، مما هو ملزم بالقانون الاتحادي».
ويشير الحريمل إلى أن شبكة الرصد المستمر لجودة الهواء المحيط، ستراقب العديد من المتغيّرات والغازات في الهواء على مدار الساعة، وسيتم التركيز على كل أول أكسيد الكربون، وأكاسيد الكبريت، وأكاسيد النيتروجين، والأوزون، كما ترصد الشبكة أيضاً العديد من المتغيرات الجوية، بما فيها مثل درجة الحرارة، ونسبة الرطوبة، إلى جانب سرعة الرياح واتجاهها، وقياس الضغط الجوي، بفضل استخدام أحدث التقنيات العالمية في مجال رصد جودة الهواء.
ويرى الحريمل أن جودة الهواء من أهم الأولويات نظراً لارتباطها بصحة الإنسان والبيئة، وتأثيرها في الوضع الاقتصادي، وأنها إحدى أولويات العمل البيئي في الدولة، لذا تولي الإمارات اهتماماً كبيراً لتحسين جودة الهواء، ونتيجة لذلك تطورت الجهود المبذولة للمحافظة على عليه والتقليل من نسب تلوثه على المستوي الاتحادي، مشيراً إلى أن الشارقة عززت خلال السنوات القليلة الماضية، القدرات المادية والبشرية، في مجال الرصد والمراقبة، من خلال الزيادة عدد المحطات المنتشرة، لخفض انبعاثات الملوثات، وتحسين نوعية الهواء، لضمان جودة حياة عالية في بيئة مستدامة.
وعن مدى الترابط بين وجود محطات الرصد وأماكن الأنشطة الاقتصادية والصناعية، يقول: «يركز مشروع جودة الهواء في البداية على المناطق المزدحمة والصناعية، وفيما بعد سيُتخذ مزيد من الخطوات، التي تتضمن كيفية توزيع المحطات، وإجراء دراسة لتقييم جودة الهواء، وتصميم شبكة الرصد، إلى جانب التشاور مع الجهات والهيئات المختصة لتقييم واقع المحطات، والمتغيّرات الواجب رصدها، وتفاصيل الحصول على البيانات، وإدارتها».
ويضيف: «هناك مشروع للتركيز على تحسين الجودة والاعتماد على المعدلات الجديدة، هدفه الارتقاء بجودة الهواء، وتوفير بيئة صحية وآمنة، من خلال الوصول إلى أدنى نسبة ممكنة من التلوث، والتفوق على الدول الصناعية المتقدمة في هذا المجال، كما يهدف المشروع أيضاً إلى تحقيق مردود اقتصادي إيجابي، من خلال تقليص كلفة التلوث، إذ تشير التقارير الدولية إلى أن الكلفة السنوية لتدهور نوعية الهواء تبلغ نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي في البلدان المتقدمة، وأكثر من 5% في البلدان النامية، وتشمل هذه الكلفة الوفيات والأمراض المزمنة والعلاج وانخفاض الإنتاجية»، لافتاً إلى أن المشروع يوفر قاعدة بيانات مهمة لإجراء الدراسات للجهات الحكومية والهيئات التنظيمية في الإمارة، واتخاذ الإجراءات اللازمة عند الضرورة.
أما عن عدد محطات رصد الهواء والمناطق التي سيركز عليها المشروع، يقول الحريمل: «في المرحلة الأولى من المشروع تم اختيار مواقع هذه المحطات بشكل تجريبي، بحيث تشمل المناطق الصناعية والمزدحمة، بالإضافة إلى محطة مخصصة للجامعة الأمريكية في الشارقة، ولاحقاً سندرس بالتعاون مع شركائنا المناطق التي سيجري توزيع هذه المحطات عليها، لتغطي أكبر مساحة ممكنة من الإمارة».
فهد شهيل، رئيس العمليات التنفيذي في شركة «بيئة»، يقول: «بذلت الدولة خلال السنوات الماضية جهوداً من أجل المحافظة على جودة الهواء، والتقليل من نسب تلوثه، وعملت على تعزيز قدراتها في مجال الرصد والمراقبة، من خلال شبكة واسعة من المحطات المنتشرة في كل أرجاء الدولة، كما عملت على سن التشريعات الهادفة إلى الحد من الملوثات من المصادر كافة، بما فيها القانون الاتحادي رقم (24) لسنة 1999 بشأن حماية البيئة وتنميتها، ونظام تقييم التأثير البيئي للمشروعات، الذي يتضمن المعايير والحدود القصوى لملوثات الهواء من مختلف المصادر».
وعن مدى التعاون مع مؤسسات الدولة لتحسين الجودة والوصول إلى المعدلات العالمية، يوضح قائلاً: «بكل تأكيد تعمل شركة (بيئة) مع العديد من الجهات الحكومية في الشارقة، لضمان تحقيق المشروع والوصل إلى هواء نقي وبيئة صحية وآمنة. وحالياً يتم التعاون مع كل من الجامعة الأمريكية في الشارقة، وهيئة البيئة والمحميات الطبيعية، والمنطقة الحرة في مطار الشارقة، إلى جانب المنطقة الحرة بالحمرية، وبلدية الشارقة، وهذه الجهات تعتبر داعماً أساسياً لنا في تقديم خدماتنا والارتقاء بها، إذ نتعاون معها وبشكل دائم لتحقيق أهدافنا الرامية إلى تعزيز مكانة الشارقة كعاصمة بيئية للمنطقة وجعلها مدينة خالية من النفايات، ونحن نرحب دوماً بأي شراكات من شأنها دعم جهودنا الهادفة إلى توفير بيئة مستدامة للأجيال المقبلة».
ويؤكد الدكتور المهندس أسامة محمد فريد، أستاذ وباحث علم المواد النووية الهندسية بالكلية الملكية بلندن، أن الإمارات من الدول القليلة التي انتبهت إلى الاهتمام بجودة الهواء مبكراً، ولم تقتصر جهودها على عملية رصد جودة الهواء التي بدأت في عام 1994 بإنشاء 6 محطات رصد موزعة على الناطق الحضرية والصناعية، في دبي، بل إن لديها الكثير من المشاريع الوطنية المعنية بمؤشر جودة الهواء التي تقيس نسبة الغبار ونسب تلوثه بشكل منتظم.
يقول فريد: «على المستوى الأكاديمي والعلمي، تشجع الإمارات طلاب الجامعات على إعداد أبحاث أكاديمية ودراسات علمية في هذا الجانب، وقدم فريق طلابي من كليات التقنية برأس الخيمة مشروعاً عن مراقبة جودة الهواء باستخدام طائرات من دون طيار، كما طور فريق آخر من جامعة نيويورك أبوظبي، نظاماً ثنائياً لقياس جودة الهواء، وجمع عينات منه على طول مسار رحلاتها، وثالث من جامعة زايد، ابتكر نظاماً لقياس مستوى جودة الهواء بالهواتف الذكية لمعرفة مستويات جودة الهواء، وتقديم نصائح للجمهور».
ويرى فريد إمكانية تحسين جودة الهواء، والحفاظ على نقاوته، بطرق عدة، فالنباتات المنزلية لها تأثير إيجابي في جودة الهواء الداخلي في الأماكن المغلقة، كما أن محاربة التدخين تقلل فرص تلوث الهواء، إلى جانب تنظيم مستوى الرطوبة في المنزل، وصيانة نظام تكييف المنزل بصورة دورية، واستخدام أجهزة تنقية الهواء، من جميع الملوثات والكائنات الدقيقة الضارة كالبكتيريا والفيروسات وغيرها.
وعن مسببات التلوث التي تتعرض لها البيئة، يقول: «غاز أول أكسيد الكربون الذي يعرض الإنسان إلى ضعف ردة الفعل وعدم تمييز الزمن، أما التعرض إلى تراكيز عالية فيؤدي إلى الاختناق ثم الوفاة. وغاز الرصاص ذو السمية العالية على الجهاز العصبي للإنسان والتعرض له يؤدي إلى تدني مستوى الذكاء والتأثير في القوى العقلية لدى الأطفال، وكذلك فقر الدم وأمراض الكلى عند الكبار».
ويؤكد فريد أن دول الخليج العربية قطعت شوطاً كبيراً في تحسين جودة الهواء من خلال إقامة محطات الرصد في الأماكن المختلفة والتركيز على الأماكن الأكثر تعرضاً، وأن الدولة راعت كثيراً من جوانب المحافظة على البيئة بإجراءات صارمة تتخذها المؤسسات والهيئات الصناعية للتقليل من النسب التي تقل في مجملها عن النسب العالمية.
ويرى أن الحفاظ على الصحة العامة للأفراد يبدأ بالحفاظ على الهواء نقياً، وذلك يخلق إنساناً قادراً على العمل الجاد والمنتج، فالصحة العامة أساساً تأتي من جو نقي من الملوثات وبيئة لا تختلف فيها نسب المواد المكونة للهواء عن الطبيعة التي خلقها الله عليها.
مواكبة أحدث الإجراءات العالمية للحدّ من التلوث
جودة هواء الشارقة .. في «شبكة الرصد »
20 يناير 2016 01:16 صباحًا
|
آخر تحديث:
20 يناير 01:16 2016
شارك
تحقيق: علي كامل خطاب