يوسف أبولوز

انتبه الكاتب الروائي التاريخي جورجي زيدان (1861 1914) إلى البحث اللغوي التاريخي الفلسفي المتعلق باللغة العربية، وهو أحد أعلامها الكبار في الربع الأول من القرن العشرين، فوضع كتاباً بعنوان «تاريخ آداب اللغة العربية»، وتعود أهمية هذا الكتاب إلى المنهج البحثي العلمي الذي جرى عليه زيدان، يمهد جورجي زيدان لكتابه بتحديد ثلاثة محاور يقوم عليها البحث في تاريخ اللغة، وباختصار، هي أولاً: النظر في نشأتها منذ تكونها مع ما مر عليها من الأحوال قبل زمن التاريخ، وثانياً، النظر فيما طرأ على اللغة من التأثيرات الخارجية بعد اختلاط أصحابها بالأمم الأخرى، وثالثاً: النظر في تاريخ ما حوته اللغة من العلوم، والأدب.
يعتقد جورجي زيدان وهو يتحدث في الفصل الأول (العصر الجاهلي) (أن اللغة العربية نشأت ونمت، أي تميزت فيها الأسماء، والأفعال، والحروف، وتكونت فيها معظم الاشتقاقات والمزيدات، وهي في حجر أمها، أي قبل انفصالها عن أخواتها الكلدانية، والفينيقية، وغيرها من اللغة السامية..».
لمعرفة الجذر أو الأصل اللغوي للفظة يعول زيدان على الاشتقاق، والاشتقاق ميزة معروفة في اللغة العربية، وهو أحد أسباب مرونة وليونة العربية.. يقول زيدان: «كثيراً ما يكفي الاشتقاق اللغوي وحده في معرفة أصل اللفظة، بشرط ملاحظة مقابلة اللغات، فإذا وجدنا لفظة في العربية ومثلها في اللاتينية أو اليونانية مثلاً، ولم يساعدنا التاريخ على معرفة حقيقة أصلها عمدنا إلى اشتقاقها وصيغتها..».
يكمل زيدان حول دخول ألفاظ غير عربية إلى العربية، ويقول إن لفظة (قبس) بمعنى الشعلة هي (خبس) في اللغة المصرية القديمة الهيروغليفية ومعناها (مصباح).
يؤكد جورجي زيدان أن العربية والسريانية كانتا في قديم الزمان لغة واحدة، ويضيف «.. كما كانت لغات عرب الشام، ومصر، والعراق، والحجاز، في صدر الإسلام، فلما تفرقت الشعوب أخذت لغة كل قبيلة تتنوع بالنمو والتجدد»، ويورد زيدان ألفاظاً كثيرة يحيلها عبر الاشتقاق إلى أصولها.
الملاحظ في موضوع مقابلة العربية بأخواتها هو عودة زيدان إلى تتبع أصول الألفاظ منذ ما قبل الإسلام في الجزيرة العربية، وفي بلاد الشام، والحجاز وغيرها من حواضر ومدن، ويدعم بعد ذلك المعنى والاشتقاق بما هو موجود في القواميس والمعاجم.
إن ما توصل إليه زيدان في هذا البحث اللغوي يقول لنا إننا لا نعرف من اللغة في الكثير من الأحيان إلا سطحها، في حين أن المفردة الواحدة تخبئ تحت طبقاتها أكثر من دلالة، بل، وأكثر من تاريخ وفكرة، وعلى سبيل ذلك، يقول زيدان إن كلمة (عبد) في اللغات السامية تدل على العمل.. «.. وخاصة الحرث في الحقل، ولم يبق من مشتقات (عبد) في العربية ما يدل على معناها الأصلي إلا (المعبدة) أي (المجرفة) أو (المحراث).

ثراء وليونة

ثراء اللغة العربية وليونتها يكمن في أن عدة معانٍ يمكن أن تتفرع من معنى واحد.. (كاشتقاق معنى الملح من البحر)، (ومعنى الثلج من البياض)، ويعود هذا الثراء أيضاً إلى ما سمّاه: النحت، الإبدال، والقلب، والتصحيف (وهو التبادل بين الحروف المتشابهة).
اللغة العربية كائن حي نامٍ، وهو عنوان مرافق للعنوان الرئيسي للكتاب، ومن نتائج هذا النمو كما توصل إليه زيدان في لغة العرب ورود الألفاظ الكثيرة للمعنى الواحد.. ويقول: «للسنة 24 اسماً، وللنور 21 اسماً، وللظلام 52 اسماً، وللشمس 29 اسماً، وللسحاب 50 اسماً، وللمطر 84 اسماً، وللبئر 88 اسماً، وللماء 170 اسماً، وللّبن 12 اسماً».
ينتقل جورجي زيدان إلى الألفاظ التي عاينها في العصر الإسلامي، وهو يحدد ذلك بالقول: «.. نريد بالعصر الإسلامي في صدد اللغة العربية الزمن الذي مرّ باللغة بعد ظهور الإسلام». وإذا أردنا أن نعلق على هذا القول فإننا نفهم أن الأزمنة والأمكنة والديانات والحضارات والثقافات تؤثر في اللغة، وبالنسبة لتأثير العلوم الإسلامية في اللغة، يرى زيدان «أن تأثيرها يكاد يكون محصوراً في تنويع الألفاظ العربية، وتغيير معانيها للتعبير عما أحدثه الإسلام من المعاني الجديدة»، ويرجع تنوع الألفاظ العربية في العصر الإسلامي إلى المصطلحات الدينية، والشرعية والفقهية واللغوية، وفي سياق إرجاعه هذا التأثير نحو نشوء اصطلاحات لغوية ، يفيد زيدان بأنه أصبح للفظ الواحد معنى فقهي، وآخر لغوي، وآخر عروضي، وآخر ديني.
أحدث الإسلام ألفاظاً جديدة للتعبير عن معان جديدة، «اقتضاها الشرع الجديد، والعلم الجديد.. فقد محا من اللغة ألفاظاً قديمة، ذهبت بذهاب بعض اعتقادات الجاهلية..».
دخلت إلى اللغة العربية ألفاظ سماها زيدان (الألفاظ الإدارية العربية) ومن ذلك: الخليفة، الكاتب، الدولة، الحجابة، الإمارة، الشرطة، القضاء، الحسبة، النقابة، الإمامة.. إلى جانب دخول اصطلاحات الجند والعسكر.
اللغة كائن منتقل أيضاً، ويرى زيدان أن انتقال الألفاظ من معنى إلى آخر بلا علاقة ظاهرة بين المعنيين كثير في اللغة العربية.. إلى جانب (الأضداد)= أي اللفظ.. ذو المعنيين المتضادين.
إنشاء الدولة الإسلامية اقتضى هو الآخر دخول ألفاظ إدارية أجنبية إلى العربية، ومن الألفاظ اليونانية الإدارية: الأسطول، المنجنيق، الدرهم، القنداق، الكردوس، الليمان أو اللومان (السجن) إلى جانب الاقتباس من الألفاظ اللاتينية الإدارية.

مسارات لغوية

يعاين جورجي زيدان مسار الألفاظ العلمية، أيضاً، التي دخلت إلى فضاء العربية في العصر العباسي، ويريد زيدان ب«الألفاظ العلمية».. ما اقتضاه نقل كتب العلم، والفلسفة إلى العربية في العصر العباسي، إلى جانب الألفاظ العربية العلمية، والألفاظ الطبية، والألفاظ الرياضية.
مرة ثانية، وبتأكيد من استنتاجات وخلاصات زيدان فإن اللغة تنمو، وستكون بيئات هذا النمو متمثلة فيما يرشح من لغة ذات صلة بالإدارة، والسياسة، والشرع، والتجارة، والصناعة.
تمتاز اللغة العربية بقدرتها الفذة على (التوليد).. بهذا المعنى أو بهذا المفهوم اللغوي يقول زيدان.. «.. الألفاظ المولدة هي التي أحدثها المولدون بعد أن دونت اللغة وضبطت ألفاظها في أوائل الإسلام..».
إن واحدة من القيم البحثية في منهج زيدان في وضع تاريخ اللغة العربية هو اشتغاله على الكثير من الألفاظ وردها إلى جذورها، وبالتالي، استنباط معانيها، وإن كان من كلمة على هذا المنهج البحثي، فمن الملاحظ أن زيدان لم يعتمد على الشعر، وتحديداً، الشعر الجاهلي كأمثلة على قراءته لمعنى الألفاظ، بل، اعتمد على جوهر اللغة، وفائض الفصاحة في المفردة الواحدة.
في نهاية بحثه في تاريخ اللغة العربية.. يترك جورجي زيدان في أذهاننا هذا العبارة ذات الصدى.. «.. أما اللغة العربية فلا بد من المحافظة على سلامتها، والاهتمام باستبقائها على بلاغتها وفصاحتها، وخاصة بعد أن أخذت تنهض إلى أرقى ما بلغت إليه في إبان شبابها.. فلا يستحسن الاستكثار فيها من الدخيل المولد، وإنما يؤخذ منهما بقدر الحاجة، على أن نعد ذلك الاقتباس نمواً وارتقاء لا فساداً ولا انحطاطاً».. وهو بهذا المعنى يريد القول إن اللغة العربية لغة قبول للآخر وثقافته ومصطلحاته..، لكن في حدود شخصية اللغة العربية وهويتها الجمالية والإبداعية.