نتزوج من نحب أو من كُتب عليه النصيب وقد يأتي يوم نتزوج فيه فقط من لا تحمل جيناته أمراضاً وراثية وخالية من العيوب . لكن المشكلة أن جيناتنا جميعاً فيها عيوب، وبالتالي يحمل كلّ واحد منا بذرة أمراض وراثية متنحية (أي كامنة) ويمكن أن تظهر إذا توفرت شروط معينة لظهورها .
يعتقد العلماء أن كلا منا لديه على الأقل مرضان من هذه الأمراض المتنحية أو المتخفية في جيناته . لكننا ولحسن الحظ لا نحس بذلك ولا نشعر به . فكل شخص منا لديه نسختان من كل جين: فإذا كانت النسخة الثانية سليمة فإنها تتغلب على النسخة التي يوجد فيها العطب أو الخلل، وفي هذه الحالة لا تظهر الأمراض المتنحية لدينا .
وقد يحدث أن يوجد نفسُ الجين الذي فيه الخلل، لدى الأب والأم معا ويورّثانه إلى طفلهما، وفي هذه الحالة يكون لدى الطفل نسختان من الجين المعطوب فتظهر أمراض هذا الجين لديه، رغم عدم ظهور هذه الأمراض لدى الأم أو الأب . وغالباً ما يتعلق الأمر بأمراض نادرة الظهور .
ومثل هذه الحالة حدثت فعلا مع الطفلة كريستيانا بينسون، وهي طفلة شقراء الشعر وزرقاء العينين، يمكن مشاهدتها في أفلام فيديو في شبكة الإنترنت مرتدية فستاناً تزينه الفراشات أو وهي تلعب على الأرجوحة .
غير أن هذه الطفلة التي تريد أن تصبح معلمة حين تكبر، قد لا يتحقق حلمها الصغير هذا أبداً، فكريستيانا ذات الأحد عشر عاماً تعاني من مرض نادر يسمى مرض فوغت- سبيلماير- ستوك، المعروف اختصاراً باسم مرض VSS .
ويقول الدكتور ستيفين كينغسمور، الطبيب في مستشفى الأطفال في مدينة كانساس الأمريكية، وهو متخصص في الأمراض الوراثية عن حالة هذه الطفلة انه في عام 2008 تم تشخيص إصابة كريستيانا بالمرض، وكان عمرها آنذاك ثماني سنوات . فجأة بدأ بصرها يضعف، وحالياً أصبحت لا ترى شيئاً تقريباً . ورغم أنها تذهب إلى المدرسة وأهلها يريدون لها أن تعيش حياة عادية، إلا أنهم قالوا لي إنها لا تتذكر شيئاً مما تتعلمه في المدرسة .
ويقول كينغسمور إن قوة البصر والقوى العقلية للطفلة كريستيانا تضمحل وتتراجع . وعلى الأغلب ستموت قبل بلوغ سن الثامنة عشرة، فمرض فوغت- سبيلماير- ستوك من الأمراض الوراثية المتنحية نادرة الظهور، ووالدا كريستانا لديهما جين معطوب قاما بتوريثه إلى ابنتهما لأن كليهما لم يكن يعرف أنه يحمل هذا المرض، لأنهما سليمان وبصحة جيدة . أي أن النسخة السليمة من هذا الجين لديهما هي التي تغلبت على النسخة المعطوبة، وكما ذكرنا أعلاه يوجد من كل جين نسختان .
أما كريستيانا فقد اجتمع عندها نسختان معطوبتان، فظهر المرض لديها .
ويقدر الخبراء عدد هذه الأمراض الوراثية النادرة بأكثر من 1000 مرض . ومنها مرض التليّف الكيسي الذي يصيب أجهزة التنفس والهضم والتكاثر الجنسي، وهو من أمراض الأيض أو الاضطرابات الاستقلابية، بالإضافة إلى أمراض اضمحلال العضلات وتلاشيها .
وعن هذه الأمراض النادرة وعلاقتها بالطفلة كريستيانا، يقول الدكتور كينغسمور: قرر والدها تأسيس جمعية خيرية قامت بجمع الأموال من أجل مساعدة ابنته أولاً، وثانياً للقضاء على الأمراض الوراثية المتنحية بشكل نهائي .
وللوصول إلى هذا الهدف، أو على الأقل للكشف المبكر عن هذه الأمراض، لجأ والد كريستانا إلى الدكتور كينغسمور لتطوير آليةِ فحصٍ لجينات المقبلين على الزواج، للتعرف إلى احتمال إصابة أطفالهم بأمراض ناجمة عن حدوث طفرة أو تحوّر في الجينات الوراثية .
وبالنتيجة توصل الدكتور كينغسمور إلى طريقة جديدة لفحص الدم قبل الحمل والإنجاب، يمكن من خلالها الكشف عن الأمراض التي قد يصاب بها أبناؤهم .
ووفقا للطريقة الجديدة فإن نقطة دم واحدة تكفي للتعرف إلى حوالي 600 مرض وراثي تحملها جينات الأبوين إلى أبنائهم .
وهذا الفحص ليس جديداً حقاً، إذ هناك فحوص تجرى لأمراض معينة منذ عدة سنوات . إلا أن الفحص الذي طوره كينغسمور يفوق كل الفحوص المعروفة حتى الآن، لأنه قادر على الكشف عن 600 مرض وراثي في نفس الوقت .
وعن ذلك يقول كينغسمور: جربنا الفحص على 104 أشخاص، وكان معروفاً أن أغلبهم لديهم طفرة في جيناتهم الوراثية . وقد أردنا التأكد إذا كانت طريقة فحصنا قادرة على الكشف عن هذه الطفرات الجينية أم لا، وفعلاً نجحنا بنسبة 98 .99 في المئة . ويرى أستاذ طب الوراثة في جامعة بون البروفيسور بيتر بوبينغ، أن الزوجين إذا كانا يحملان جينين معطوبين، فإن احتمال إصابة الطفل بمرض وراثي تبلغ 25 في المئة .
وبذلك يكون أمامهما خيار عدم الإنجاب أو المجازفة بالحمل . ويضيف بأنه من الممكن إجراء فحص حول أمراض وراثية معينة أثناء الحمل، والإجهاض في حال إصابة الجنين بالمرض .
لكن البروفيسور بوبينغ يخشى أن يؤدي انتشار فحص الجينات الوراثية قبل الحمل، إلى تراجع الاهتمام بالبحث عن علاج لهذه الأمراض . أما كينغسمور فيرى أن الأمر متروك لكل زوج كي يقرر ما يراه مناسبا.