أكرم الأولين والآخرين
وجاءت الآثار الصحيحة بتفضيل النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً بالخُلة وبالمحبة . وقد اختص على ألسنة المسلمين بحبيب الله . وفي حديث مسند رواه البخاري في صحيحه (5/4 و5) برواية بسر بن سعيد عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر" . وفي "نسيم الرياض"، أن هذا الحديث صحيح . وقد رواه البخاري وغيره من طرق متعددة . والمعنى: "لا أصل في محبة أحد من الخلق إلى مرتبة الخلة . فإنها مختصة بربي . فلو فرض جعلها لأحدٍ، كان أبو بكر أليق بها من جميع الخلق لبذل نفسه وماله ووطنه وأهله في طاعته" . وفي حديث آخر رواه الترمذي في سننه (5/606) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "وإن صاحبكم خليل الله" يعني نفسه صلى الله عليه وسلم . وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "وقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً" .
وفي رواية الدارمي وكذلك ورد لدى الترمذي في سننه (5/587)، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: "جلس ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرونه (أي ينتظرون خروجه من بيته إلى مجلس أصحابه)، قال: فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم . فقال بعضهم: عجباً إن الله اتخذ من خلقه خليلاً . اتخذ إبراهيم خليلاً . وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى، كلمه الله تكليماً . وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه . وقال آخر: وآدم اصطفاه الله" .
ويتابع الترمذي في روايته: "فخرج عليهم فسلم، وقال: قد سمعت كلامكم وعجبكم، أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلاً . وهو كذلك (أي اتخذه خليلاً) . وموسى نجيّ الله (أي كليمه)، وهو كذلك . وعيسى روح الله وكلمته معاً . وآدم اصطفاه الله، وهو كذلك . ألا وأنا حبيب الله ولا فخر . وأنا أول شافع ولا فخر . وأنا أول من يحرك حَلَقَ الجنة، فيفتح الله لي فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر" .
معاني الخلة
وقال القاضي أبو الفضل اليحصبي: اختلف في تفسير الخلة وأصل اشتقاقها . فقيل: الخليل: المنقطع إلى الله الذي ليس في انقطاعه إليه ومحبته له اختلال . وقيل أيضاً: الخليل: المختص بمن خالله . وقال بعضهم: سمي إبراهيم خليل الله، لأنه يوالي فيه ويعادي فيه . وخلة الله له نصره، وجعله إماماً لمن بعده .
والخليل كما عند بعضهم، إنما هو الفقير المحتاج المنقطع . وهو مأخوذ من الخلة، وهي الحاجة، فسمي بها إبراهيم، لأنه قصر حاجته على ربه، وانقطع إليه بهمه، ولم يجعله قبل غيره . إذ جاءه جبريل وهو في المنجنيق (آلة لرمي العدو)، ليرمى به في النار، فقال: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا . وقال بعضهم: أصل الخلة: المحبة . ومعناها الإسعاف والإلطاف والترفيع والتشفيع . وفي التنزيل العزيز من (سورة المائدة 18): "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير" فأوجب للمحبوب ألاّ يؤاخذ بذنوبه . وعلى هذا، فالخلة أقوى من البنوة، لأن البنوة قد تكون فيها العداوة . ولا يصح أن تكون عداوة مع خلة، فإذاً تسمية إبراهيم ومحمد عليهما السلام بالخلة، بانقطاعهما إلى الله تعالى، ووقف حوائجهما عليه، والانقطاع عمن دونه، أو لزيادة الاختصاص منه تعالى لهما، وخفي ألطافه عندهما، وما خالل بواطنهما من أسرار إلهية، أو لاستصفائه لهما، واستصفاء قلبيهما عمن سواه، حتى لم يخاللهما حب لغيره . ولهذا قال بعضهم: الخليل من لا يتسع قلب لسواه .
واختلف العلماء والفقهاء: أيهما أرفع درجةً، الخُلّة أم درجة المحبة؟ فجعلهما بعضهم سواء، فلا يكون الحبيب إلاّ خليلاً، ولا الخليل إلاّ حبيباً . لكن الله تعالى، خص إبراهيم بالخلة، ومحمداً بالمحبة . ولعل مزية الخلة وخصوصية المحبة، حاصلتان لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بما تدل عليه الآثار الصحيحة المشهورة مصداقاً لقوله تعالى في سورة آل عمران: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم" وحكى أهل التفسير أن هذه الآية لما نزلت قالت قريش: إنما يريد محمد أن نتخذه حنانا "رحمة" كما اتخذت النصارى عيسى بن مريم، فأنزل الله غيظاً لهم هذه الآية: "قل أطيعوا الله والرسول" (آل عمران 32)، فزاده شرفاً بأمرهم بطاعة الرسول، وقرنها بطاعته . ثم توعدهم سبحانه وتعالى بقوله: "فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين" (آل عمران: 32)
أ .د . قصي الحسين