كان حبيب بلال المطوع قمة في الطيب والتواضع، ورث من والده وأجداده العلم، وكنت عندما تجلس معه، تحس وكأنك بين يدي عالم كبير، لكنه يخجلك بتواضعه، كان يتذكر الأحداث ويفصلها، ويسردها لك وكأنك تقرأ في كتاب تاريخ، وبين حين وآخر، يقول إنه كبر ونسي أشياء كثيرة، وعندما تعرج على موضوع ما، وتسأله عنه، تراه يجيبك بكل حب ومودة وصدق، الوالد حبيب بن بلال المطوع، قابلناه في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني في ،2008 وانتقل إلى رحمة الله في رمضان الماضي .
كان والدي، رحمه الله، يسجل الأحداث التي تحدث في المنطقة، وكان يسأل الناس عن الأحداث ومن ثم يستقصيها، وبعد ذلك كان يسجلها في كتب، بالإضافة إلى كتابته العلوم الشرعية التي يستسقيها من آخرين، وأتت نيران الحريق الكبير الذي ضرب دبي منذ أكثر من سبعين سنة وأتت على بيتنا العريش وكل ما فيه ومنها تلك الكتب الثمينة والقيمة، ولو أن الإنسان يريد أن يرجع بالتاريخ، فإنه يعجز عن أن يتذكر كل شيء، فما بالك بالتفاصيل، وكما تعلم للسن والكبر أحكام، منها الغفلة والنسيان، وأولئك الرجال توفوا رحمهم الله، وهكذا الدنيا لا يدوم فيها شيء، وكما يقول عجائزنا: قطوه وتاكل عيالها .
عندما غاب الشيخ بطي بن سهيل (حاكم دبي 1906-1912) كان عمري بين الخمس والست سنين، وعاصرنا عهد الوجود الإنجليزي في المنطقة، وبعد ولادتي بسنوات قليلة، هجم الإنجليز على دبي، وأنا لم أعِ هذه الأحداث، ولكنني سمعتها من أهلي، إذ ضرب الإنجليز رأس ديرة بالمدفعية، وحركوا بارجاتهم إلى قرب الشواطئ، وبعد ذلك أنزلوا جنودهم إلى البر بواسطة عبرات فيها مكينة، ونزل اليهم بعض أهل ديرة في عبارات، وجدفوا حتى وصلوا إليهم، ومروا قرب عبراتهم كأنهم صيادو سمك، وما إن قربوا منهم حتى قفزوا إلى زوارقهم وأعملوا فيهم السيف، ووصل الكثير من الجنود إلى البر، وهجموا على البيوت، وقاومهم أهل دبي، وتلقوهم بالبنادق والسيوف، وقتلوا منهم خلقا كثيراً، وكان أهل دبي شجعاناً وفرساناً، وعلى رأسهم الشيخ مانع بن راشد، وأخوه الشيخ سهيل، والشيخ سلطان بن مجرن، وغيرهم من رجال دبي .
شهدت أيام بناء الإنجليز للمحطة في الشارقة، وهو المطار العسكري للجيش الإنجليزي (بني عام 1932)، وكانوا يريدون شباباً للعمل هناك في بناء المحطة، وذهبنا وشاركنا في البناء، ومن ثم عملنا فيها فنيين في تصليح وتركيب التواير (الإطارات)، كما اشتغلنا في الأماكن البحرية والجزر، واشتغلنا في جزيرة أبوموسى، في شركة تسمى (جولدن فيلج)، وكانت تعمل في البحر الأحمر، وكانت تستخرج المغر الأحمر من جزيرة أبوموسى وتحمله البواخر إلى البحر الأحمر . وكنت أسوق اللنج (المركب) الذي ينقل المغر من الجزيرة إلى الباخرة، وكان اسم اللنج سي آرتشل، والمغر الأحمر رمل وكانوا يستخرجونه ولا نعرف فيما يستعملونه .
وعملت أيضا في البحرين، في الشركة نفسها، التي عملت فيها في أبوموسى، وكان لها فرع في دبي، وكانت تعمل في مجال نقل المسافرين، مثلها مثل شركة الكري مكنزي التي كانت تدير حركة النقل البحري بين السفن والفرضة في خور دبي، عملت سائق لنج، وبقيت هناك سبع سنين .
ومن البحرين سافرت إلى الكويت، وعملت مديراً لقسم الكهرباء والتبريد في وزارة الأشغال العامة، وبقيت هناك مدة طويلة، وفيها تزوجت وأنجبت أولادي، فيصل ومصطفى والبنات، وتوفي خالي هناك، وبقيت فيها نحو ثلاث عشرة سنة، ورجعت منذ نحو ثلاث عشرة سنة تقريباً، وأولادي هم بشرى وفيصل وعائشة ومصطفى وعزان، وابني فيصل الآن يدرس الدكتوراه في ألمانيا، وعزان سميته على أحد سلاطين وأئمة عمان العظماء، وهو الإمام عزان بن قيس، والذي قال فيه أحد شعراء عمان، أيام هجوم الإنجليز والفرنسيين على عمان:
تلك البوارق حاديهن برناردو
فما لطرفك يا ذا . . . وسنان
تعاقب خلفاء الله سدتها
منذ الجلندى وختم الكل عزان
والقائل هو الشاعر الشيخ محمد بن شيخان، عالم بني هناءة وشاعرها، ولحقنا دواوين له مقطعة .
كان تجار اللؤلؤ يقصدون الهند لبيع اللؤلؤ هناك، ويظلون شهرين أو ثلاثة هناك، وعندما يعودون يقصدهم الناس في مجالسهم ويسألونهم عن الهند، وكانوا يقولون لهم: الهند هندك وهات ما عندك . وكان هذا مثلاً مشهوراً عندنا، وذهبت إلى الهند بصحبة والدي وخالي سعيد بن محمد، رحمهما الله، إذ كان والدي مصاحبا للشيخ مانع بن راشد الذي كان يزور الهند كل عام في موسم بيع اللؤلؤ هناك، وتجولنا معه في الهند وزرنا كل مكان فيها وخاصة بومبي حيث نسكن وحيث سوق اللؤلؤ الكبير . وكنا نسافر على سفن إنجليزية هندية كبيرة تنقل الركاب من دبي إلى الهند مباشرة وكان العرب يقولون: بمبي والي . أي إلى بومبي مباشرة، وكانت هناك سفن تمر على موانئ الخليج وتحمل الركاب إلى الهند، وإذا كان هناك من هو مستعجل فإن بإمكانه استقلال الطائرات التي كانت تخرج من المحطة بالشارقة إلى الهند، وكانت التذكرة غالية فلهذا كان الناس يفضلون السفر بالباخرة، وكانت تأخذ في رحلتها هذه ثلاثة أيام أو يومين ونصف اليوم، وكانت هناك سفن للعرب تسافر إلى الهند وكانت شراعية في طريقها إلى الهند أكثر من عشرة أيام، وكانت السفن الكبيرة توجد في لنجة، وتمر في دبي وتذهب إلى الشارقة ومنها إلى أم القيوين وأنت ساير إلى رأس الخيمة وشعم واليادي وغمضا وفضغا، وأنت مكمل إلى أن تخرج من رأس البحر على القارة الهندية .
المطوع
والدي الشيخ بلال بن حبيب بن بلال بن حبيب المطوع، وأنا إلى الآن كلما أسير في السوق يستوقفني الناس ويسلمون عليّ ويذكرون والدي بكل خير، وكان بيتنا قريبا جدا من بيت الشيخ سهيل بن بطي بن سهيل آل مكتوم . وسكن عندنا قوم ابن فاضل، وهؤلاء مجاردة من آل بوفلاسا، ولكنني لا أذكرهم جيدا، كونهم سكنوا مدة في الشرق عند بيت ابن سليم ومن ثم انتقلوا، ويقال إنهم سكنوا القرهود، وبيتنا القديم لا يزال في مكانه في رأس ديرة، وقد تأسس مع تأسيس منطقة الرأس بديرة، وكان عريشاً ثم بني من حصى وجص، وتهدم هذا البيت، وأعيد بناؤه مرات، وبنيناه من الطابوق القديم الصغير، وتوسع وتغير حتى وصل إلى ما عليه الآن، ومع كبر العائلة وزواج الإخوة، تحولنا منه وسكنا البيوت الجديدة في الشعبيات الجديدة التي أنشأها المغفور له الشيخ راشد منذ مطلع السبعينات، وبقي في بيتنا القديم ابن خالي محمد بن سعيد بن محمد بن ناصر إلى أن توفي السنة الماضية، وحالياً تسكن فيه زوجته وأخوها، ويقع هذا البيت قرب المدرسة الأحمدية، شرقي مسجد الرأس والمعروف بمسجد ابن لوتاه، عند بيت سالم بن مصبح، وبيت الغرير وبيت ابن مطر، وقوم ابن مطر هؤلاء عيال عم قوم الغرير من قوم بن مفتوقه، منهم محمد بن مفتوقه . وهناك مسجد الشيخ يوسف الشيباني، وهذا قرب العرصة، وفي تلك الحارة مسجد الشيخ محمد نور، والشيخ محمد نور بن سيف بن هلال، توفي رحمة الله عليه، وهو سيد العلماء، وآباؤه علماء، سافروا وعاشوا في مكة، والمدينة، وتعلموا وكبروا، ورجعوا وتوفاهم الله، وكان أكثر علمائنا سافروا إلى الخارج لتلقي العلم، سافروا إلى مكة والمدينة ولنجة وجزيرة الجسم وغيرها، وكان حافزهم وشعارهم: اطلبوا العلم ولو في الصين .
ووالدي كان عالما وإماما، تلقى علمه على يد والده والعلماء الذين كانوا في عصره، ومن ثم سافر إلى مكة للحج ومكث هناك مدة، وصلى إماما في مسجدين من مساجد مكة، كما أقام في المدينة مدة، حتى قمنا نسأل الحجيج القادمين: هل رأيتم الشيخ بلال هناك؟ فكانوا يقولون: اطمئنوا، فقد تركناه هناك وهو في أفضل وأحسن حال وإن شاء الله سيعود في العام القادم . ولما عاد إلى دبي أصبح إماما في أكثر من مسجد من مساجد ديرة، وصلى والدي في مسجد قوم البدور، الذي كان قرب بيوت قوم البدور وسوق التمر، في آخر أيامه فعرف به (مسجد بلال)، وترك والدي من الأبناء، إبراهيم وخليفة وعبدالله وراشد وسبع بنات، وأنا أكبرهم .
كانت البيوت مندمجة ببعضها بعضاً، هذه كلها منطقة الرأس، وبعد السوق تأتيك البراحة، فمن النخل إلى السوق تسمى هذه المنطقة البراحة، وهذه فيها نخل لأهل ديرة، منها نخل قوم ابن غرير، ونخل قوم ابن دسمال، وهناك أيضا نخل ابن حاذة، وهذه نخل أحمد بن حاذة، وهؤلاء توفوا جميعاً وبقي أحفادهم، وآخر من بقي من قوم ابن حاذة الشيخ يوسف، وكان إمام مسجد رأس ديره، والحين البلد كبرت واتسعت، ولن تجد البراحة ولا الرأس، كلها أصبحت بلداً واحداً ومتصلاً، ولا تستطيع أن تفرق بين منطقة وأخرى، والبراحة كانت للراحة، ولذلك كانوا يتغنون فيها ويقولون:
البراحة شرغة وراحة
والعرب فيها مبتشين
فقديماً كانوا يتساءلون: وين بتقيظون؟ قالوا: بنقيظ البراحة . ومنهم من يقول: بنقيظ غمضا أو فضغا . وهذه قرى في منطقة رؤوس الجبال بين رأس الخيمة وعمان، وهي مناطق نخيل والأفلاج وعيون المياه والمزارع الجميلة، حيث الرطب والفواكه والثمار والخضرة، ويقصدها المقتدرون الذين يملكون هناك مزارع أو يستطيعون تأجير أماكن هناك ويطيقون المصاريف هناك، أما البراحة فكانت لأغلب الأهالي .
قصة مثل:
الأعور بين العميان باشا
يقال هذا المثل في الشخص الذي هو أحسن وأفضل حالاً ضمن مجموعة أسوأ حالاً منه، مثل الأعور وسط العميان، إذ انه فاقد لإحدى عينيه ويستطيع الرؤيا بها ولكن الأعمى من فقد البصر كله، فلهذا قيل له إنه باشا وهو لقب عثماني رفيع كان يمنح لعلية رجال الدولة .
من المعجم
هبّةْ: يقولون: فلان والله عنده هَبةْ الريح . أي لديه ما تريده منه وتجده عند حسن الظن فيه، وهبة جاءت من هب أي تحرك وثار بسرعة، ومن هبوب الريح . ويقولون: فلان هب ريح . أي أنه رجل يفزع لك ويعتمد عليه في الشدائد .
أعلام: أحمد بن حمد الشيباني
هو الشيخ أحمد بن حمد بن سعيد بن محمد بن يوسف الشيباني القمزي، ولد في منطقة الرأس في ديرة بمدينة دبي في نحو عام 1916 ميلادية، نشأ وترعرع في منطقة ديرة، التحق بمدرسة الفلاح ودرس على يد الشيخ محمد العبسي الأزهري اليماني، وبعدها انتقل إلى المدرسة الأحمدية ودرس فيها حتى بلغ مراحل متقدمة من التعليم، فعين مدرساً فيها، ويعد الشيخ أحمد الشيباني من الرعيل الأول الذين أسهموا في نشر التعليم في فترة تعد من أدق الفترات وأصعبها .