إعداد: أشرف مرحلي

اتفقنا جميعاً أو اختلفنا، فلا يمكن إنكار حقيقة مؤكدة، وهي أن سكان المدن يعانون أكثر من غيرهم، ضغوطاً عصبية، بسبب شكل الحياة العصرية التي تعج بالكثير من الضجيج في الشوارع والطرقات، تصدرها وسائل المواصلات المختلفة، فكان هؤلاء الأولى بأن يكون لهم مأوى وملاذ، يهرعون إليه تلمساً للراحة والهدوء هرباً من الضغوط الخارجية، ومما لا شك فيه فإن ديكور المنزل يمثل عنصراً أساسياً لتوفير هذه الأجواء المنشودة، ومع التطور الذي طال الحياة بجميع أشكالها، لم تعد أساليب الديكور الداخلي التقليدية كافية لتخفيف ضغوط الحياة اليومية في المدن الكبيرة، على الرغم من الجهود التي يبذلها مهندسو الديكور لمواكبة الحياة العصرية بمدخلاتها وتطوراتها، سعياً في نهاية الأمر إلى توفير الراحة والرفاهية داخل المنزل. واجتهد كثير من المصمِمين لاكتشاف كل جديد يمكن سكان المدن الصاخبة من العيش مع هذه الضغوط، مهما كبرت وزادت حدتها، فتفتقت أذهانهم عن العديد من الرؤى والأفكار، منها ابتكار مساحات خضراء في شرفات المنازل، وفوق أسطحها، لتجسد امتداداً جذاباً للمنزل، ومن رواد هذا الاتجاه الحديث، مهندس الحدائق والمناظر الطبيعية الفرنسي «زافييه دو شيراك»، الذي ذاع صيته في السنوات العشر الأخيرة، واعتبر أفضل مصمم حدائق للشرفات والسطوح في العاصمة الفرنسية باريس، فتميزت أعماله بالغوص في أعماق النفس، وفهم أغوارها وإشباع طموح عملائه من محبي الطبيعة، فبرع بالفعل في تحقيق رغباتهم من خلال رؤاه الرائعة وفكره المتحضر وتصميماته التي نجحت في صياغة الأماكن بحس شاعري رقيق ورشاقة نادرة، حولت كل عمل أنجزه إلى صورة إبداعية، تثير في كل من يراها الدهشة والإعجاب، ومن أهم أعمال «دو شيراك»، حديقة جميلة صممها فوق سطح أحد الأبنية الباريسية القديمة، كانت لدى أصحاب البناية رغبة في أن تكون الحديقة نسخة متطابقة من الحدائق الريفية التي يتميز بها الجنوب الفرنسي، لتكون ملاذاً لأصحاب المكان يلجؤون إليه للتمتع بأوقات جميلة بعيداً عن صخب الحياة في الخارج.

ركز «زافييه» اهتمامه، عندما بدأ في وضع تصوراته للمكان على إضفاء لمسات ريفية على تصميمه، يجعل من في الحديقة على صلة دائمة بصورة الريف الهادئة التي تكسب النفس سكينة واطمئناناً، فلجأ «زافييه» إلى الخيار التلقائي، فتشكلت أدواته من مجموعة متنوعة من النباتات والأشجار الصغيرة والأزهار البرية، التي أظهر مهارة فائقة في تسخيرها، فلعبت أنامله بها ورسمت صورة خيالية امتازت ببساطة نادرة تلف أرجائها أجواء يغلفها الهدوء والسلاسة.

وفي بادئ الأمر، كان لابد من تأهيل المساحة، بما يخدم اتجاهاته ورؤاه، فأنشأ حاجزاً نباتياً عند الجدران الفاصلة عن الجوار، كانت أدواته أنواعاً من النباتات والأشجار الصغيرة المتنوعة، ونجحت بالفعل في عزل المكان عن كل ما يحيط به، فأبدع في إضفاء الراحة والهدوء إلى أجوائه.
واهتم «زافييه» بإضفاء إحساس باتساع المكان وسلاسة ترابط مساحاته، فدمج أرضية المكان الأسمنتية، بعدد من ألواح الخشب على مساحة 140 متراً مربعاً، وفي وسط هذه المساحة وفي جوانبها، أنشأ أحواضاً ذات خطوط متعرجة منخفضة لبست جوانبها برقائق من القصدير، ووضع فيها مجموعة من النباتات المختلفة ذات الأوراق الكثيفة والأغصان المتدلية، إضافة إلى مجموعة من الورود العطرة الصغيرة التي تتناغم مع زهور القرطاسية والحواشي، وبعض الشجيرات الصغيرة، وكتل من نبات البقس في شكل كرات كبيرة، تدعم كثافة الغطاء النباتي.
وزرع «زافييه» شجيرات صغيرة في أحواض وضعت وسط الحديقة وعند زواياها، وزود المصمم الحديقة بعدد من الأرائك المريحة، تتيح لمن يرغب في الاستلقاء والراحة، كما صمم ركناً لتناول الطعام في أجواء مفتوحة بجانب الطبيعة، ويتشكل هذا الركن من طاولة مستطيلة صنعت من الخشب، يحيط بها عدد من المقاعد، ويعلوها غطاء خشبي أيضاً، يمكن زراعة النباتات المتسلقة فوقه، كما يمنع الغطاء أشعة الشمس خلال ساعات النهار من النفاذ إلى المكان ومضايقة الجالسين، ويتواصل ركن الطعام من الحديقة مع مطبخ خارجي صغير، وسلم خاص يؤدي إلى داخل الشقة.