حد السرقة . . حماية لحرمة المال

12:45 مساء
قراءة 4 دقائق

احترم الإسلام المال، من حيث إنه عصب الحياة وحمى ملكية الأفراد له، وجعل حقهم فيه حقا مقدسا لا يحل لأحد أن يعتدى عليه بأي وجه من الوجوه، ولهذا حرم الإسلام: السرقة، والغصب، والاختلاس، والخيانة، والربا، والغش، والتلاعب بالكيل والوزن، والرشوة، واعتبر كل مال أخذ بغير سبب مشروع أكلا للمال بالباطل، وشدّد في السرقة، فقضى بقطع يد السارق التي من شأنها أن تباشر السرقة .

ويذكر الدكتور أحمد عمر هاشم في كتابه الأمن في الإسلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب في ضرورة تنفيذ حد السرقة خطبة عظيمة يحفظها التاريخ بأحرف من نور، وكان لها وقع عظيم في المحافظة على المال ومنع السرقة .

فعن عائشة رضى الله عنها: إن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله؟ فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فخطب فقال: أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها . (رواه مسلم) .

عقوبات رادعة

ويشدد الإسلام في الوعيد لمن يغصب حق امرئ مسلم أو يقتطعه فيقول صلوات الله وسلامه عليه: من غصب شبرا من أرض طوقه الله تعالى من سبع أرضين يوم القيامة ويقول صلوات الله وسلامه عليه: من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان (رواه أحمد) .

وفي حال الاعتداء على المال أجاز الإسلام للمالك أن يدفع عن ماله كل معتد حماية لحرمة المال، وحفاظا على الملكية الفردية مهما كلفه ذلك، وفي الحديث : من قتل دون ماله فهو شهيد (رواه البخاري) .

وقد أعلن رب العزة سبحانه وتعالى خصومته ووعيده لمن يأكل حق إنسان أو عامل أو أجير أو لا يعطيه أجره كاملاً، قال صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: ثلاث أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى باسمى ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره (رواه البخاري) .

ولقد حرم الله تعالى أكل الأموال بالباطل فقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً . (سورة النساء الآية 29) .

ولم تقتصر تعاليم الإسلام في العناية بحرمة الأموال على تحديد طرق كسبها ووسائل إنفاقها وعدم إضاعتها في الباطل . . بل إن الشريعة الإسلامية، قد أحاطتها بعناية كبيرة وفرضت عقوبات رادعة على كل من يعتدي على حرمة الأموال فقررت قطع يد السارق فقال الله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم سورة المائدة الآية (38) .

لا استثناء لأحد

ويشير السيد سابق في كتابه فقه أهل السنة إلى أن خطبة النبي في تنفيذ حد السرقة، لم تستثن أحداً فلو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع يدها، وأوضحت أن الأقوام السابقة هلكت لأنه كان إذا سرق فيهم كبار القوم تركوهم وإذا سرق صغار القوم أقاموا عليهم الحد .

وفي قطع يد السارق حكمة بينة، إذ إن اليد الخائنة بمنزلة عضو مريض يجب بتره ليسلم الجسم والتضحية بالبعض من أجل الكل مما اتفقت عليه الشرائع والعقول، كما أن في قطع يد السارق عبرة لمن تحدثه نفسه بالسطو على أموال الناس، فلا يجرؤ أن يمد يده إليها . وبهذا تحفظ الأموال وتصان .

وحكمة التشديد في عقوبة السرقة من دون غيرها من جرائم الاعتداء على الأموال هي ما جاء في شرح مسلم للنووي: قال القاضي عياض رضي الله عنه: صان الله الأموال بإيجاب القطع على السارق، ولم يجعل ذلك في غير السرقة، كالاختلاس والانتهاب، والغصب لأن ذلك قليل بالنسبة إلى السرقة ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستدعاء إلى ولاة الأمور، وتسهل إقامة البينة عليه، بخلاف السرقة، فإنها تندر إقامة البينة عليها فعظم أمرها واشتدت عقوبتها، ليكون أبلغ في الزجر عنها .

أنواع السرقة

والسرقة أنواع، نوع منها يوجب التعزير، ونوع منها يوجب الحد، والسرقة التي توجب التعزير هي السرقة التي لم تتوافر فيها شروط إقامة الحد، وقد قضى الرسول صلى الله عليه وسلم بمضاعفة الغرم على من سرق مالا قطع فيه: قضى بذلك في سارق الثمار المعلقة، وسارق الشاة من المرتع، ففي الصورة الأولى أسقط القطع عن سارق الثمر والكثر (هو جمار النخل) وحكم أن من أصاب شيئا منه بفمه وهو محتاج إليه فلا شيء عليه، ومن خرج منه بشيء فعليه غرامة مثليه، والعقوبة، ومن سرق منه شيئا في جرينه فعليه القطع إذا بلغت قيمة المسروق النصاب الذي يقطع فيه . وفي الصورة الثانية: قضى في الشاة التي تؤخذ من مرتعها ثمنها مضاعفا، وضرب نكال، وقضى في ما يؤخذ من عطنه بالقطع إذا بلغ النصاب الذي يقطع فيه سارقه . (رواه أحمد والنسائي والحاكم) .

والسرقة التي عقوبتها الحد نوعان: الأول سرقة صغرى، وهي التي يجب فيها قطع اليد . والثاني: سرقة كبرى وهي أخذ المال على سبيل المغالبة، ويسمى الحرابة .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"