ما كان يخشاه كثيرون وقع، فالحرب الدائرة في محافظة صعدة منذ ست سنوات بين الجيش اليمني ومقاتلي حركة تمرد الحوثي بدأت تخرج عن نطاق السيطرة، وتمد أذرعها إلى الحديقة الجنوبية للمملكة العربية السعودية، بما يجعل هذه المنطقة قابلة للاشتعال، إذا ما تطورت الأمور إلى الأسوأ في المستقبل، ودخل الجيش السعودي في مواجهات حقيقية مع المتمردين الحوثيين في المناطق التي يسيطرون عليها داخل الأراضي اليمنية، حتى وإن كانت قريبة من الحدود السعودية.

وتتخوف مصادر يمنية من أن يكون الحوثيون قد نجحوا فعلاً في نقل المعركة إلى خارج الحدود اليمنية بما يحمله ذلك من تداعيات سلبية على الأوضاع برمتها، وتدفع بأطراف الصراع إلى انتهاج كل الوسائل الممكنة لتحقيق النصر، وهو ما قد يطيل أمد الصراع أكثر من المتوقع، ويحيل الشريط الحدودي الواقع بين البلدين إلى منطقة ملتهبة لا تحتملها، بخاصة مع المخاوف من أن يكون للصراع تداعيات سلبية من قبيل جلب التدخل الدولي إلى المنطقة أو إلى أقلمة الصراع على أقل تقدير، وهو ما يجعل اليمن مسرحاً للعبة دولية كبيرة لا يستطيع تحملها.

اندلعت الأزمة داخلية في المقام الأول بين الجيش اليمني ومقاتلي حركة تمرد الحوثي، بعد تبادل الطرفين الاتهامات باحتلال جبل الدخان، والذي يقع ثلاثة أرباعه داخل الأراضي السعودية ؛ فيما تقع النسبة الباقية داخل الأراضي اليمنية.

وعلى الرغم من غموض الموقف في هذا الشأن في ساعاته الأولى، إلا أن الأيام التي تلت الأزمة أظهرت أن الحوثيين دخلوا الجزء السعودي من جبل الدخان بذريعة طرد الجيش اليمني منه بعد أن تمكن الجيش من هذا الجزء من الهجوم على المواقع التي يسيطر عليها الحوثيون في الجانب اليمني، واعتراف الجيش اليمني في وقت سابق من الأحداث باحتلاله موقع جبل دخان.

وجاء الموقف السعودي منسجماً مع معطيات الأرض، حيث أكدت المملكة أن لها كامل الحق في صد أي عدوان على أراضيها من أية جهة كانت، معتبرة أن التطورات التي طرأت على هذه الجبهة يعنيها في المقام الأول لأنها تمس سيادتها، وهو موقف لقي مساندة يمنية وعربية واضحة، حيث أكدت صنعاء أن من حق المملكة الدفاع عن أراضيها، وأبدت استعداداً للتنسيق بين الجانبين اليمني والسعودي للتخلص من الحوثيين واعتداءاتهم، واقتلاع شوكتهم، وإنهاء الأزمة برمتها وإزالة الصداع المزمن الذي يشكله الحوثيون على وضع البلدين معاً.

من هنا يمكن فهم التصريحات التي أدلى بها الرئيس علي عبدالله صالح بعد يومين من انتقال الحريق إلى الجانب السعودي، والتي أكد من خلالها أن لا مصالحة مع الحوثيين، وأن الحرب ستستمر ضدهم حتى اقتلاع شوكتهم بشكل نهائي.

ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة صنعاء الدكتور محمد الظاهري إن تصريحات الرئيس صالح بعدم وقف الحرب بصعدة إلا بعد إنهاء حركة التمرد تدل على أن هناك إصراراً وتصميماً على القضاء على الحوثيين وخاصة بعد تجاوز الحوثيين الحدود السعودية وفرضهم لواقع جديد.

ويرى الظاهري أن المملكة العربية السعودية تعد ضحية لتواجد الحوثيين على الحدود، وأن الإشكالية في هذا السياق هي أن المؤسسة العسكرية اليمنية يفترض أنها تكون في الحدود الشمالية، أي في حدودها الدولية مع دول الجوار وهي التي تغطي هذه الحدود وليس الحوثيون.

من جانبه يرى رئيس منتدى التنمية السياسية على سيف حسن أن نقل الحوثيين الحرب إلى المناطق السعودية يعتبر عملاً سياسياً وإعلامياً أكثر منه عملاً عسكرياً، مشيراً إلى أن الحوثيين حققوا من خلال المواجهات مع السعودية نجاحات كبيرة وأوجدوا مبررات جديدة تستدعي تدخلات إقليمية لإيقاف الحرب.

أما الحوثيون فقد ساقوا مبررات مختلفة لاندلاع الأزمة، وبحسب زعيم الحركة عبدالملك الحوثي فإن الأسباب الحقيقية للأزمة مع المملكة العربية السعودية تعود إلى عدم تفهم السعوديين لمخاوف الحوثيين من استغلال أراضي المملكة لصالح الجيش اليمني للقيام بعمليات هجومية منها ضدهم.

ويقول الحوثي: للمرة الأولى طلبنا من المملكة العربية السعودية بعد ان قمنا بتطهير جبل الدخان من الجيش اليمني ألا يعود مثل هذا التصرف وأن لا يتكرر، لكننا فوجئنا للمرة الثانية بتسليم الجبل من جديد للجيش اليمني ليباشر اعتداءاته علينا، وبعد عملية عسكرية كبيرة تم تطهيره من الجيش اليمني.

وأضاف: أبلغنا السعوديين أنه ليس لنا أي تركيز على الأراضي السعودية ولا أي استهداف لها، ولسنا ننازعهم لا على أرضهم ولا على المناطق التي تحت سيطرتهم على الإطلاق، ونحن لا نستهدف بأي شكل من الأشكال الأراضي السعودية لا أرضاً ولا انساناً، معتبراً أن موقفهم هو موقف دفاعي بالضرورة.

خلافات يمنية - يمنية

استمرار الحرب في صعدة وانتقالها إلى طور أخطر، بالوصول إلى الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية جدد الخلاف بين السلطة والمعارضة، فالسلطة تتهم المعارضة بأنها تقدم للحوثيين كامل الدعم السياسي والمعنوي والدفاع عنهم بمناسبة وبدون مناسبة، وهو موقف يقوي الحوثيين ويجعلهم يقفون نداً للدولة.

ويتهم عضو مجلس النواب عن محافظة صعدة فايز العوجري المعارضة المنضوية في إطار اللقاء المشترك بدعم الحوثي بجمع التبرعات من الداخل والخارج والدعم السياسي والإعلامي، ويرى أن دعوات المشترك لوقف عملية الحسم العسكري ضد المتمردين دليل على هذا الدعم والحرص على بقاء الحوثي شوكة في خاصرة الوطن.

لكن المعارضة ترى في هذه الاتهامات هروباً إلى الأمام وعجزاً عن معالجة الأزمة التي تعصف بالبلاد، وترى في خطاب السلطة تجديداً لخطاب القوة والعنف ومفردات التخوين والتحريض والكراهية اللامسؤولة التي قالت إن السلطة ما انفكت أن تمارسه ضد مواطنيها وعلى وجه الخصوص أحزاب اللقاء المشترك والقوى الوطنية والمخالفين لها بالرأي.

وتؤكد المعارضة المنضوية في إطار أحزاب اللقاء المشترك أن جاء في بيان اللجنة الأمنية إمعانا في الانتهاك السافر للدستور وعسكرة وتأزيم الحياة السياسية والمدنية في محاولة مكشوفة لخلط الأوراق وتحميل الآخرين تبعات أخطاء السلطة وخطاياها وفسادها متمثلة في اشد مظاهرها إلتهاباً في احتقانات الجنوب والمسارات المتفاقمة للحرب في صعدة بنسختها السادسة المتواصلة حتى اليوم والتي أنتجتها وفاقمتها السياسات العقيمة المتطرفة والفاشلة للسلطة وليس أحد سواها.

وتنتقد المعارضة الطريقة التي تدير بها السلطة الأزمات التي يواجهها اليمن في الوقت الحاضر، ومن بينها الحرب في صعدة، وتقول إن الآلية التي تدار بها الحرب بجولاته المختلفة وما يرافقها من خطاب تحريضي اتهامي رسمي غير رشيد يحملها مالا تحتمل من تأويلات مذهبية ودينية وسياسية، داخلية وخارجية، تستدعي الخارج بتداعياتها المتفاقمة وفي مختلف مراحلها المتتالية التي أفضت إلى مآلاتها الكارثية الراهنة المنذرة بتحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية الصراعات والحسابات السياسية الداخلية والخارجية الإقليمية والدولية.

وتجدد المعارضة مناشدتها للأشقاء والأصدقاء إلى دعم الجهود الوطنية المخلصة الدافعة إلى حقن دماء اليمنيين والوقف الفوري لحرب صعدة والحيلولة دون أقلمتها أو تدويلها ومعالجتها في إطارها الوطني الطبيعي على طاولة الحوار الوطني الجاد والشامل الذي لا يستثنى أحدا وبما يفضى إلى تسوية وطنية إنقاذية شاملة تحفظ سلامة اليمن ووحدته وأمنه واستقراره كجزء لا يتجزأ من أمن وسلامة واستقرار شعوب المنطقة.

الارتباطات الخارجية

لا يستبعد اليمنيون التدخل الخارجي في الأزمة الدائرة في صعدة وانتقالها بالتالي إلى الأراضي السعودية، وبالطبع فإن إيران هي الحاضر الأكبر في هذا المشهد، بهدف إيجاد موطئ قدم لها على الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية، حيث يتهم اليمنيون المرجعيات الإيرانية بتقديم الدعم المالي والإعلامي للحوثيين، وهو ما يتفق معه الكثير من المحللين والمراقبين للوضع في اليمن.

وتشير مصادر سياسية إلى أن تحركات صنعاء نحو طهران لتفنيد دعمها لحركة الحوثي جاءت متأخرة جداً، إذ إنها ظلت طوال السنوات الماضية تحاول إخفاء حقيقة الدور الإيراني في اليمن لجهة دعم الحوثيين، وهي تعلم أن هذا الدعم يأخذ أشكالاً متطورة، حيث أكد مسؤولون يمنيون عديدون أن التدريب والتأهيل للمقاتلين الحوثيين كان يتم في الأراضي الإيرانية خلال السنوات الماضية، كما كانت هناك تسهيلات لخروج الحوثيين إلى طهران من دون أن يثير ذلك شبهة لدى الأمن اليمني.

وتؤكد مصادر رسمية أنه في منتصف شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي سلمت الحكومة اليمنية عبر سفارتها بطهران القيادة الإيرانية ما وصفته صنعاء لاحقا بوثائق تثبت تورط مؤسسات دينية إيرانية في تقديم دعم للحوثيين، وتضمنت تلك الوثائق، بحسب ذات المصادر، تفاصيل لحوالات مالية أرسلت من قبل جهات دينية في إيران لأشخاص في اليمن، عبارة عن وسطاء، وعلى صلة بالحوثي وأتباعه إلى جانب تسجيلات موثقة لاعترافات أدلى بها معتقلون من قيادات الحوثيين ممن تم اعتقالهم خلال الحرب الأخيرة اقروا خلالها بتلقي جماعة الحوثيين مساعدات ودعما ماديا من قبل مؤسسات دينية إيرانية.

ووفقاً لذات المصادر فإن صنعاء كشفت هوية المتورطين في تقديم الدعم للحوثيين، وطالبت طهران بموافاتها بنتائج التحقيقات معهم، مع الإشارة إلى احتفاظها بحق كشف مضمون هذه الوثائق في حال لم تبادر إيران بضبط هذه المؤسسات.

لكن الحوثيين يؤكدون أن الدعم الإيراني هو مجرد دعاية لا أساس لها من الصحة، ويقول زعيم الحركة عبدالملك الحوثي إن الذي يحدث هو أن النظام اليمني هو الذي يتلقى الدعم الأجنبي بشكل كبير، بداية من المملكة العربية السعودية من النظام السعودي، وهذا غير خفي وهو ثابت.

لكن السؤال ما هو حجم هذا الدعم، وما هي الطرق التي يصل عن طريقها الدعم للحوثيين؟

يقول مسؤولون يمنيون إن الدعم الإيراني للحوثيين يتمثل في وجود خبراء تسللوا إلى البلاد قبل اندلاع الحرب الخامسة، ويتولون مهمة تدريب المقاتلين الحوثيين على مختلف أنواع الأسلحة، بخاصة السلاح الثقيل، الذي يتم الاستيلاء عليه من المواقع العسكرية التابعة للجيش، مثل الدبابات، وكان مستغرباً أن يبث الحوثيون أشرطة فيديو لمقاتليهم وهم يستولون على الدبابات وينقلونها إلى المواقع التي تقع تحت نفوذهم.

وهناك مصادر أخرى لوصول السلاح، من أهمها المنافذ البحرية لليمن الواقعة على البحر الأحمر، وبحسب القيادي في التحالف الديمقراطي الاريتري المعارض بشير عشق فإن المتمردين الحوثيين يتلقون أسحلتهم من إيران عبر اريتريا، موضحاً أن الأسلحة تصل إلى مدن ساحلية اريترية، وعلى رأسها مدينة عصب، ومن ثم يأتي المتمردون الحوثيون، وينقلون هذه الأسلحة ليلا إلى اليمن.

سيناريوهات إنهاء الأزمة

منذ اندلاع الأزمة في الحدود اليمنية السعودية تلقف العرب تطوراتها بمزيد من القلق، إذ إن الأمر لم يعد يتعلق بحرب داخلية في اليمن، بل تعداه إلى أكثر من ذلك، حيث أصبحت الحدود السعودية في مرمى نيران الحوثيين، وهو ما يجعل القلق مشروعاً في إمكانية استغلال لاعبين إقليميين كبار كإيران مثلاً لهذا الصراع، والدخول على خط الأزمة، ما يعني نقل المعركة من اليمن إلى المملكة.

من هنا وجد السعوديون دعماً خليجياً صريحاً لموقفهم من حربهم ضد الحوثيين استشعاراً من هذه الأنظمة لمخاطر جر المملكة إلى صراع طائفي ومذهبي ستكون تأثيراته كارثية على كافة دول الخليج، وليس فقط على اليمن والمملكة فقط.

ويبحث العرب جميعاً بالتنسيق مع اليمن عن طريقة للجم هذا التطور حتى لا تتحول المواجهات المحدودة إلى أزمة يصعب السيطرة عليها في قادم الأيام، ويصبح الشريط الحدودي كله ملتهباً.

وتحدث أستاذ العلوم السياسية في جامعة صنعاء الدكتور عبدالله الفقيه عن سيناريوهين للطريقة التي سيتطور بها الصراع الدائر بعد التدخل السعودي، وهي سيناريو الاحتواء شاملاً الحل الدبلوماسي وسيناريو التصعيد.

ويقول الفقيه إن سيناريو الاحتواء هو الأكثر احتمالاً في الحدوث، والذي يقوم على فكرة أن ما تقوم به السعودية حاليا إنما يهدف إلى تطهير أراضيها من المتمردين الحوثيين الذين تسللوا إليها خلال الأيام القليلة الماضية، وان السعودية ستقوم بعد الانتهاء من العملية بحراسة حدودها ومنع أي طرف من أطراف الصراع الدائر في شمال اليمن من استخدام أراضيها للقيام بعمليات ضد الطرف الآخر، وهذا يعني انه سيتم احتواء الصراع الدائر بين الحكومة اليمنية والحوثيين في إطار الجغرافيا اليمنية وبما يمنع من تحوله إلى صراع إقليمي.

ويضيف الفقيه: صحيح ان الهجمات الجوية التي تقوم بها السعودية ضد أهداف حوثية داخل الأراضي اليمنية تتجاوز هدف التطهير الذي يتم الحديث عنه، إلا انه يمكن النظر إليها على أنها ورقة ضغط يتم استخدامها بغرض إخراج الحوثيين من داخل الأراضي السعودية، وصحيح أيضا ان الخطاب الإعلامي السعودي المرافق للحرب يهيئ لدور سعودي أكبر في الأزمة اليمنية، إلا انه يمكن ان يفهم بدوره على انه تكتيكي وليس استراتيجياً ومحاولة لحشد الرأي العام لتحقيق عملية محدودة الحجم.

ويشير إلى أن هذا السيناريو يمكن تحقيقه ليس فقط عن طريق الأداة العسكرية بل بالعملية الدبلوماسية أيضا وبما يجنب المنطقة أية مضاعفات غير مرغوب فيها.

أما السيناريو الثاني، والمتمثل ب سيناريو التصعيد، وهو الأقل احتمالا في الحديث عن فكرة ان هناك تفاهما يمنيا سعوديا على ان يعمل الطرفان معا كحليفين للقضاء على الحوثيين.

ويقول: إذا ما وجد تفاهماً مثل هذا فانه يتوقع ان يكون له آثاره العميقة على الخريطة الجغرافية والسياسية للصراع الدائر، ويشكل اتساع دائرة المعركة لتشمل أجزاء واسعة من المملكة واليمن ابرز التطورات المحتملة، ويشير إلى أن هناك احتمالاً بأن يؤدي التحالف اليمني السعودي ضد الحوثيين إلى إعادة صياغة التحالفات السياسية داخل اليمن وداخل المملكة، أما على المستوى الإقليمي فانه قد يؤدي إلى انقسام حاد داخل العالم العربي وسيكسب الصراع بعده الإقليمي الذي ما زال غير واضح حتى الآن، وسيوفر دخول السعودية كطرف في الصراع فرصة ذهبية أمام القاعدة لضرب الاستقرار في المملكة العربية السعودية، وقد تمتد عملياتها فتشمل ضرب المنشآت النفطية المغذية للأسواق العالمية بالنفط.