عمرو عبد العاطي
على غرار إنشاء المركز القومي لمكافحة الإرهاب (National Counterterrorism Center) بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول ،2011 لتبادل المعلومات الاستخباراتية بعد هذا الحادث الإرهابي، ولتفادي الإخفاق الأمريكي في منع هذه الهجمات الإرهابية لغياب التنسيق بين الوكالات الاستخباراتية الأمريكية، تعتزم إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إنشاء وكالة جديدة متخصصة في مكافحة الهجمات السيبرانية (الإلكترونية) ضد مؤسسات ووكالات أمريكية عقب تزايد تلك الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية .
مؤخراً، تعرضت الولايات المتحدة الأمريكية لعديد من الهجمات السيبرانية التي تهدد الأمن القومي والمصالح الأمريكية رغم الإنفاق العسكري الأمريكي المتزايد . ولم تقتصر تلك الهجمات على مؤسسات القطاع الخاص الأمريكي، ولكنها وُجهت- أيضاً- لمؤسسات ووكالات رسمية منها العسكري . ومن تلك الهجمات السيبرانية اخترق مؤيدون لتنظيم "داعش"، حساب القيادة المركزية الأمريكية، التي تشرف على العمليات العسكرية الأمريكية التي تشمل الشرق الأوسط ووسط آسيا بما فيها حربا العراق وأفغانستان وإدارة الضربات الجوية الأمريكية ضد تنظيم "داعش" في العراق وسوريا، على موقعي "تويتر" و"يوتيوب" . وقد نشر منفذو تلك الهجمات رسائل تُهدد الجنود الأمريكيين المشاركين في هجمات على التنظيم مفادها "أيها الجنود الأمريكيون نحن قادمون فراقبوا ظهوركم" .
ومن قبلها تعرضت شركة "سوني" الأمريكية لهجمات إلكترونية في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي من قبل مجموعة من القراصنة المدعومين من كوريا الشمالية- حسب اتهام مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي- لقيام الشركة بإنتاج فيلم "المقابلة" الكوميدي الذي يروي قصة خيالية عن اغتيال زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون . بالإضافة إلى قرصنة مجموعة تُطلق على نفسها "الخلافة الإلكترونية Cyber Caliphate" باختراق حساب مجلة "نيوزويك" على موقع "تويتر" . وفي عام 2013 سيطر قراصنة على حساب وكالة "أسو شيتد برس" للأنباء على "تويتر" وبثوا تغريدة زائفة عن تفجيرات في البيت الأبيض تسببت في هبوط شديد في أسواق المال الأمريكية لفترة وجيزة .
يأتي تزايد الهجمات السيبرانية التي تتعرض لها الولايات المتحدة مواكباً للتغيرات في تكتيكات العمليات الإرهابية، وتحولها من تنفيذ هجمات إرهابية على أراضي الدولة لتنفيذ هجمات سيبرانية تكون خسائرها مساوية- وقد تفوق- خسائر الهجمات التقليدية خاصة عندما تتسبب في وقوع ضحايا مدنيين على نطاق واسع، وذلك في حال تعرض مثلاً البنية التحتية للدول المتقدمة التي تُدار من خلال الشبكة العنكبوتية كالمستشفيات ومحطات المياه والكهرباء وشبكات خدمات الطوارئ إلى هجمات إلكترونية، فضلاً عن الخسائر المادية التي ليست لها حدود . وبذلك انتقلت مكافحة الإرهاب من المواجهة المباشرة إلى الفضاء الإلكتروني، فتحولت الحروب من شكلها التقليدي إلى حروب سيبرانية، وأصبحت الشبكة العنكبوتية ساحتها بعدما أصبح الإنترنت أحد أهم مرتكزات التنظيمات الإرهابية لمهاجمة الدول الكبرى، وقدراتها على تنفيذ عمليات إرهابية سيبرانية بأقل تكلفة مادية وبشرية مخلفة تكلفة مالية عالية لا تقل عن تنفيذ عمليات إرهابية على أراضيها .
ومع تزايد تلك الهجمات السيبرانية التي تتعرض لها الولايات المتحدة مؤخراً، وخوفاً من بيرل هاربر إلكتروني، وضع الرئيس الأمريكي قضية الأمن السيبراني على صدارة أجندته لعام ،2015 فقد ركز عليها في خطابه لحالة الاتحاد الذي ألقاه أمام جلسة مشتركة لمجلسي الكونغرس الأمريكي (النواب والشيوخ) في العشرين من يناير/ كانون الثاني الماضي، مؤكداً ضرورة مكافحة الولايات المتحدة التهديدات الجديدة مثل الهجمات السيبرانية . وقد كانت قضية تأمين المؤسسات والوكالات الأمريكية ضد هجمات سيبرانية على قمة لقاء الرئيس الأمريكي مع أعضاء الحزب الجمهوري بعد فوزه بالأغلبية في مجلسي الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي التي أجريت في الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي .
وفي سياق الجهود الأمريكية لتعزيز الأمن السيبراني ضد هجمات إرهابية قد تنفذها منظمات إرهابية، أو دول تنافس الولايات المتحدة على قيادة النظام الدولي (روسيا والصين) أو دول تصنفها الولايات المتحدة على أنها أعداء لها (كوريا الشمالية وإيران)، أعلنت ليزا موناكو، مساعدة الرئيس الأمريكي للأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب، عن اعتزام الإدارة الأمريكية تأسيس وكالة أمريكية جديدة مهمتها جمع وتحليل المعلومات لمنع هجمات تستهدف الأنظمة الإلكترونية للمؤسسات الحكومية والشركات داخل الولايات المتحدة، ودراسة العلاقات بين التهديدات السيبرانية التي تواجهها الولايات المتحدة حتى تصبح الوكالات والمؤسسات المعنية على دراية بهذه التهديدات بأسرع ما يمكن .
وحسب مصادر أمريكية فإن تأسيس تلك الوكالة التي ستحمل اسم "مركز التكامل الاستخباراتي للتهديدات السيبرانية (Cyber Threat Intelligence Integration Center) سيوحد جهود الأقسام الداخلية بالوكالات الأمريكية المناط بها حماية الولايات المتحدة الأمريكية من الهجمات السيبرانية مثل وكالة الاستخبارات المركزية، ووكالة الأمن القومي، ومكتب التحقيقات الفيدرالي .
وبخلاف المركز القومي لمكافحة الإرهاب الذي أُسس في أعقاب هجمات سبتمبر/أيلول الإرهابية لتنسيق المعلومات المتعلقة بالإرهاب، والذي يتلقى المعلومات من الوكالات الاستخباراتية الأمريكية لمنع وقوع أحداث إرهابية مجدداً على الأراضي الأمريكية، فإن الوكالة الجديدة الخاصة بالأمن السيبراني ستعتمد بشكل كبير على المعلومات الواردة من شركات خاصة، حيث أكد الرئيس الأمريكي باراك أوباما، في خطاب له في جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا في 13 فبراير/ شباط الجاري، أن الحكومة الأمريكية لا يمكنها وحدها مواجهة التهديدات السيبرانية الإرهابية التي تواجهها الولايات المتحدة مؤخراً، والتي ستتزايد مع تمتع المنظمات الإرهابية بقدرات لتنفيذ هجمات سيبرانية ضد مؤسسات ووكالات أمريكية رسمية وخاصة، وما يفرضه عصر المعلومات من تحديات، ولذا دعا أن تكون مهمة مواجهة تلك الهجمات السيبرانية مهمة مشتركة بين المؤسسات الأمريكية الرسمية والوكالات الاستخباراتية والقطاع الخاص الذي يمتلك الكثير من الشبكات الحاسوبية والبنى التحتية، ما يعني أن الحكومة الأمريكية لا يمكنها بمفردها مواجهة تلك التهديدات السيبرانية المتنامية في الوقت الراهن . وتعزيزاً لتلك الشراكة بين المؤسسات الأمريكية الرسمية والوكالات الاستخباراتية والقطاع الخاص التي دعا إليها أوباما في خطابه وقع الرئيس الأمريكي عقب الانتهاء من خطابه على أمر تنفيذي يُسهل عملية الشراكة بين الحكومة الأمريكية والقطاع الخاص .
ومع أهمية تأسيس تلك الوكالة لمواجهة الهجمات السيبرانية المتنامية ضد المؤسسات الأمريكية الرسمية وغير الرسمية، يرى عدد من المحللين الأمريكيين أنها ليست بالأهمية التي يتحدث عنها مسؤولو الإدارة الأمريكية، وذلك لأن مهمتها تقوم بها وكالات استخباراتية أمريكية حالية، حيث تضم إدارات مهمتها الأمن السيبراني للولايات المتحدة وحمايتها من هجمات سيبرانية مثل وكالة الأمن القومي، ووزارة الأمن الداخلي، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ووكالة الاستخبارات المركزية، ولذا يؤكد هؤلاء ضرورة العمل لتعزيز جهود تلك الإدارات وتعزيز أدائها بفاعلية وكفاءة وليس تأسيس وكالة جديدة .
ورغم تأكيد مسؤولي الإدارة الأمريكية أن تلك الوكالة الجديدة التي تختص بحماية الأمن السيبراني الأمريكي لن تنتهك الخصوصية والحريات المدنية، يذهب منتقدو تأسيس تلك الوكالة إلى أنها ستنتهك خصوصية مستخدمي الشبكة العنكبوتية استناداً إلى ما كشفه إدوارد سنودين، المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي، من أن الوكالة قامت بالتجسس على المواطنين الأمريكيين وانتهاك خصوصياتهم وحرياتهم المدنية التي يكفلها الدستور الأمريكي، ولذا يتخوف عدد من الأمريكيين أن الوكالة الجديدة ستعمل على زيادة المراقبة والتجسس عليهم في انتهاك صريح للحقوق الدستورية للأمريكيين .
ومع تأكيد الإدارة أن الهدف من تلك الوكالة تعزيز الجهود الأمريكية لمحاربة التنظيمات الإرهابية التي بدأت تركز على تنفيذ هجمات سيبرانية ضد الولايات المتحدة، يرى عدد من الخبراء والمتخصصين في قضايا الأمن السيبراني أن تأسيس وكالة جديدة لمكافحة العمليات السيبرانية رغم وجود وكالات تقوم بتلك المهمة ما هو إلا إجراء بيروقراطي يقوض الجهود الأمريكية لمحاربة الإرهاب .
خلاصة القول، يعكس عزم الإدارة الأمريكية لتأسيس وكالة أمريكية جديدة للتنسيق بين الوكالات الاستخباراتية الأمريكية لمكافحة العمليات السيبرانية الإرهابية التي تهدد الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً مدى الانشغال الأمريكي بتزايد نفوذ التنظيمات الإرهابية التي أحدثت تحولاً في تكتيكاتها استفادة من الثورة الاتصالاتية والتكنولوجية في عصر المعلومات لتنفيذ هجمات ضد الدول الكبرى، لا تقل خسائرها بل قد تفوق الهجمات التقليدية، ولكن هذا سيأتي على حساب الحريات المدنية والخصوصية التي يتمتع بها المواطن الأمريكي، التي أضحت محل انتهاك في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الإرهابية إلى يومنا هذا تحت ادعاء حماية الولايات المتحدة من هجمات إرهابية مجدداً .

* باحث مصري متخصص في الشؤون الأمريكية محرر مشارك بمجلة "السياسة الدولية" مؤسسة الأهرام