المشكلة التي قد لا يدركها الكثيرون أن الربا يؤثر في الأسعار، لأن التجار والشركات اعتادوا الاقتراض من أجل شراء السلع والمنتجات، وبالطبع لن يتحمل التاجر أو الشركة فوائد القروض بل سيتحملها المستهلك .
يقول الدكتور حسين شحاتة، أستاذ المحاسبة بجامعة الأزهر: إن الإسلام عندما حرم الربا قصد من وراء ذلك حماية السوق الإسلامية من الاستغلال، إذ إن من حق المستهلك الحصول على السلعة التي يريدها بسعرها المناسب، بعيدا عن المغالاة . وتروي كتب السيرة أنه كانت في المدينة سوقٌ تُسمَّى "سوق بني قينقاع" في حيٍّ من أحياء اليهود، وكانوا يتعاملون بالربا والمقامرة وتفرض على المتعاملين في السوق الإتاوات، وهذا كله لا يتفق مع القواعد والضوابط الإسلامية للمعاملات، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينشئ سوقًا جديدةً للمسلمين، فذهب إلى مكان قريب من سوق بني قينقاع وضرب قبَّةً خيمة كبيرة لتكون رمزًا وعلامةً يتجمع حولها المسلمون للبيع والشراء، فاغتاظ اليهود من ذلك وقام كعب بن الأشرف زعيم اليهود عدو المسلمين وهدم الخيمة وقوَّضها وقطع أطنابها، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشأ أن يجعل لهذا التصرُّف الصغير قيمةً، فقال: "والله لأضربن له سوقًا أغيظ له من هذا"، وفي رواية أخرى: "لأنقلها إلى موضع هو أغيظ له من هذا" .
غلاء الأسعار
ومن أخطر تداعيات الربا غلاء الأسعار، والدليل على ذلك أن العالم كله يشكو اليوم من الغلاء بعد انتشار القروض الربوية بشكل مخيف، ويؤكد علماء الاقتصاد في الشرق والغرب أن سبب الغلاء يرجع إلى حدٍّ كبير إلى النظام الربوي السائد اليوم، فصاحب المال لا يرضى، إذا استثمر ماله في صناعة أو زراعة أو شراء سلعة بأن يبيع المنتج إلا بربح أكثر من نسبة الربا، وذلك لأنه استثمر المال وبذل الجهد وكان مستعداً لتحمل الخسارة، وكلما زادت نسبة الربا ارتفعت الأسعار أكثر منها بكثير .
هذا إذا كان المنتج أو التاجر صاحب مال، وأما إذا كان المنتج أو التاجر ممن يقترض بالربا، فإن لجوءه إلى رفع أسعار منتجاته وسلعته أمرٌ بديهي، حيث سيضيف إلى نفقاته ما يدفعه ربا، ولا يقف الأمر عند غلاء الأسعار، بل يحدث اضطراب في حياة الناس، حيث لا يتمكنون من شراء حاجاتهم الأساسية .
لقد أراد الشارع الحكيم عندما حرم الربا أن يحمي المستهلك من الإسراف والمغامرة غير المحسوبة التي تجر عليه الخسارة المادية وما يتبعها من تدهور في حالته النفسية والاجتماعية لأن انتشار الربا يجعل الحصول على المال سهلا ميسورا، ما دام المرابي يضمن عودة المال إليه، ولذا فإنّ الذين ليست لهم تجربة، وليست عندهم خبرة، يغريهم الطمع، فيأخذون القروض بالربا، ثم يدخلون في أعمال هي إلى المقامرة أقرب وبعيدا عن الأعمال الصالحة .
وقد أوجب علينا الإسلام منع السَّفيه من التصرف في ماله حفاظاً على ثروة الأمة من الضياع،، فيقول تعالى: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً"، (النساء: 5)، فقد جعل مال السفيه مالاً للأمة به قوام أمرها، والربا يسهل وضع الكثير من مال الأمة بين أيدي المغامرين والجهلاء الذين قد يبددون هذه الأموال، ويزداد الأمر سوءاً عندما يستولي المرابي على بيوتهم ومزارعهم والبقية الباقية من مصانعهم ومتاجرهم .
بدائل إسلامية
ويؤكد الدكتور شوقي دنيا، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، أن الربا يحدث خللاً في دورة التجارة، والإسلام في سبيل إصلاح هذا الخلل وغيره حرَّم الربا وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على أن ينفع المنتج الناس عن طريق تخفيض الكلفة، ومن ثم تخفيض السعر: (خير الناس أنفعهم للناس)، ولعل هذا ما دعا الإسلام إلى وضع تشريع لحماية المستهلك على مستوى الإنتاج بتجنب التمويل الربوي الذي يرفع دائماً من كلفة السلعة لأن الفوائد البنكية يتحملها في النهاية المستهلك، فيتعرض للظلم، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) .
وبالمقابل، تضع الشريعة الإسلامية بدائل عدة عن التمويل الربوي، منها المشاركة بتقديم رأس المال من عدة أشخاص طبيعيين أو معنويين، والمضاربة عن طريق التقاء رأس المال بالعمل في الإنتاج والمرابحة، وغيرهما مما يفي بالحاجة، ويسهم في استقرار الأسعار، ويمنع التضخم، لأن زيادة النقد عندئذ ترتبط بزيادة الإنتاج، فلا يكون هناك مجال للتضخم .
أسباب التحريم
وتشير تعاليم الإسلام إلى إقامة العدالة وعدم الاستغلال في المعاملات وتحرم كلّ مصادر الإثراء غير المشروعة وقد حذر الله سبحانه وتعالى في قوله: "الذين يأكلون الربا لا يقومون إلاّ كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المّس ذلك بأنّهم قالوا إنّما البيع مثل الربا وأحلّ الله البيع وحرّم الربا فمن جاءه موعظة من ربّه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النّار هم فيها خالدون"، وقوله أيضا: "وما آتيتم من ربا ليربو في أموال النّاس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون" .
ومن الناحية الفقهية لا يوجد فرق بين الربا وسعر الفائدة، ويقصد بالربا فضل المال الذي لا يقابله عرض في معاوضة مال بمال، وهناك عدة أسباب لتحريم الربا، بعضها ظاهر مثل دور الربا في تقويض الأمة الإسلامية وتدمير القيم ونسف المبادئ والأخلاق الحميدة، كما أنّ معدلات الفائدة تعوق عمليات الاستثمار والعمل فيصبح المجتمع هو المتضرر من الربا على المستوى الاستهلاكي والإنتاجي، فالمستهلك يتحمل عبء الفائدة التي يدفعها على شكل زيادة في مستوى الأسعار .
ولقد أمر الإسلام كلا من الصانع والتاجر بالابتعاد عن الربا أو الحصول على القروض الربوية في صناعتهم أو تجارتهم لأن ذلك يزيد النفقات ويسهم في رفع تكلفة المنتج ما يعود بالظلم على المستهلك، كما حرصت الشريعة الإسلامية على منع المستهلك من الحصول على القروض الربوية، لأن ذلك يزيد الاستهلاك، وهو ما يؤدي بالتالي إلى خلل في العرض والطلب، حيث يقل المعروض ويزيد الطلب، وهو ما يؤدي في النهاية إلى ارتفاع الأسعار وغلاء السلع، ومن هذا المنطلق يجب أن يكون للمسلمين سوقٌ خالية من كل صور الربا وأكل أموال الناس بالباطل .
بلاء على الإنسانية
وتقول الدكتورة آمنة نصير، الأستاذة بجامعة الأزهر: إن المرابي غير ملتزم باتباع أوامر الله في الكسب وتنمية المال فهو يجعل غاية الغايات في الوجود الإنساني تحصيل المال بأي وسيلة، ومن ثم يتكالب عليه، ينشئ نظاماً يسحق البشرية سحقا، ويشقيها في حياتها أفرادا وجماعات ودولا وشعوبا، ويحطمها أخلاقيا ونفسيا وعصبيا عندما يكون المال في النهاية بيد حفنة المرابين، الذين يمتصون جهود ودماء المحتاجين للمال، ثم إن جميع المستهلكين يؤدون ضريبة غير مباشرة لهؤلاء المرابين، فإن أصحاب الصناعات والتجار لا يدفعون فائدة المال الذي يقترضونه بالربا إلا من جيوب المستهلكين، حيث يزيدون في أسعار السلع الاستهلاكية .
والنظام الربوي بلاء على الإنسانية في إيمانها وفي أخلاقها وفي نظمها الاقتصادية، فهو أبشع نظام يمحق سعادة البشر، على الرغم من أنه يبدو وكأنه مساعدة للنمو وسد الحاجات، وتؤكد أن التعامل الربوي لا بد أن يفسد ضمير الفرد وخلقه، ثم يفسد حياة الجماعة وتضامنها بما ينشره فيها من روح الطمع والجشع والأثرة .