أرست الشريعة الإسلامية قواعد العدل وأعطت لكل إنسان حق الاحتفاظ بثمرة جهده وكفاحه وحق الاستمتاع بما أنعم الله به عليه من مال حلال وفق قواعد وضوابط أخلاقية تضمن توجيه المال إلى طريقه الصحيح الذي يحقق الهدف منه لصاحبه ولكل أفراد المجتمع .

وقد كفلت الشريعة الإسلامية العادلة للإنسان حقه في ماله وجرمت العدوان عليه بأي شكل من أشكال العدوان ومنعت مصادرته من قبل الدولة من دون حكم قضائي عادل يستند إلى مبررات شرعية مقبولة .

يقول المفكر الإسلامي والفقيه القانوني المستشار الدكتور طارق البشري نائب رئيس مجلس شورى الدولة المصري الأسبق: إن حرمة المال في الإسلام كحرمة النفس، كما جرم الإسلام العدوان على النفس البشرية من دون حكم قضائي عادل بوجوب القصاص وجعل قتل نفس بريئة كقتل الناس جميعا ووصف ذلك بأنه أبشع صور الإفساد في الأرض . وقد جرم الإسلام العدوان على المال سواء أكان هذا المال ملكا لفرد أو جماعة أو ملكا لأفراد المجتمع جميعاً أي (ملكية عامة) .

ويضيف: في منظومة الإسلام التشريعية من حق كل إنسان أن يتملك ما يستطيع تحصيله من مال حلال ولا يحق لسلطة أو فرد مصادرة هذا المال، فالمصادرة المشروعة للأموال والممتلكات هي التي تأتي بعد تحقيقات دقيقة وتستند إلى وثائق ومستندات تؤكد أن هذا المال مصدره حرام وجمعه صاحبه بإحدى الوسائل المحرمة، والوسائل المحرمة لجمع المال كثيرة ومتنوعة، مثل سرقة المال العام واستغلال النفوذ أو الحيل القانونية للسطو عليه أو ممارسة إحدى التجارات المحرمة، أو الحصول عليه عن طريق الرشوة . فكل هذه الممارسات المحرمة تفرض على الأجهزة المسؤولة في الدولة أن تعاقب هذا الإنسان بمصادرة أمواله وممتلكاته التي آلت إليه من مصادر غير مشروعة وما عدا ذلك لا يجوز لأحد أن يصادر مال أحد أو يحرمه من الاستمتاع به .

الكسب غير المشروع

الفقيه الشرعي د . نصر فريد واصل أستاذ الشريعة الإسلامية ومفتي مصر الأسبق يلتقط خيط الحديث من الفقيه القانوني المستشار البشري . . ويقول: لا يجوز لأية سلطة مصادرة ثروة آلت إلى صاحبها عن طريق كسب مشروع أو ميراث مصدره مشروع . . أما لو كانت هذه الثروة من مصدر حرام فمصادرتها من الواجبات الشرعية، حيث حرم الإسلام تحريماً قاطعاً جميع طرائق الكسب غير السليم، وهي الطرق التي تقوم على الربا أو الرشوة، أو استغلال النفوذ والسلطان، أو على غش الناس، أو ابتزاز أموالهم، أو التحكم في ضروريات حياتهم، أو انتهاز حالات عوزهم وحاجتهم، وما إلى ذلك من الطرائق غير السليمة في كسب المال، وحرم الإسلام امتلاك ما ينجم عنها، وأجاز مصادرته وضمه إلى بيت المال، أي إخراجه من حيز الملكية الفردية إلى الملكية الجماعية .

ويؤكد د .واصل أن الإسلام حقق بذلك عدة أهداف سامية، فأوصد أهم الأبواب التي تؤدي عادة إلى تضخم الثروات في يد بعض الأفراد وذلك أن الطرائق المشروعة في الكسب لا ينجم عنها في الأغلب إلا الربح المعتدل المعقول المتفق مع سنن الاقتصاد، أما الأرباح الفاحشة والثروات الضخمة فإنما تكون في الأغلب نتيجة لطرائق الكسب غير المشروع، ففي تحريم الإسلام لهذه الطرائق تحقيق لتكافؤ الفرص بين الناس، وقضاء على أهم عامل من العوامل التي تؤدي إلى اتساع الفروق الاقتصادية بين الأفراد والطبقات، وفي ذلك تحقيق للمساواة في شؤون الاقتصاد من أمثل طريق .

وحقق الإسلام كذلك بموقفه هذا غرضاً إنسانياً مهماً، وهو أن تقوم العلاقات الاقتصادية بين الناس على دعائم من التكافل والتراحم والتعاطف والتواصي بالصدق والعدل والإحسان، وأن يجانبوا في معاملاتهم بعضهم بعضاً كل ما يأباه الخلق السليم، وما يؤدي إلى التنافر والتباغض وصراع الطبقات مع بعضها بعضاً، واضطراب حياة الجماعات .

وحقق الإسلام كذلك بموقفه هذا غرضاً ثالثاً وهو دفع الناس إلى العمل والكد لكسب المال وتنميته، وصرفهم عن الكسل والبطالة والطرق المهينة والوضيعة التي تأتي بالكسب والتنمية من دون جهد ولا عناء .

من أين لك هذا؟

لقد حرم الإسلام عمليات الربا تحريماً قاطعاً، وجعلها من كبريات الكبائر، وتوعد أهلها بحرب من الله ورسوله .

وحرم الإسلام كذلك استغلال النفوذ والسلطان للحصول على المال، وحرم امتلاك ما يأتي عن هذا الطريق، وأجاز لولي الأمر مصادرته واستيلاء بيت المال عليه لإنفاقه في المصالح العامة للمسلمين، وعلى ذوي الحاجات منهم، أي نقل ملكيته من الملكية الفردية إلى الملكية الجماعية، فالإسلام هو أول تشريع سن قانون (من أين لك هذا؟) كما يطيب لبعض الناس أن يسميه في الوقت الحاضر .

وأول من طبق هذا المبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، في الواقعة الخاصة بابن اللتبية الذي استعمله رسول الله على صدقات بني سليم، أي لجمع الزكاة منهم على الصدقة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، ولما بلغ ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قولته الشهيرة (فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته . . .) .

وطبق هذا المبدأ في نطاق واسع بعد الرسول عليه الصلاة والسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أيام خلافته، فكان يصادر ما كان يكسبه الولاة من أعمال لا يجوز لهم الاشتغال بها كالتجارة وما إليها وما كان يأتيهم من هدايا وأموال نتيجة لاستغلال نفوذهم وجاههم، وقد فعل ذلك مع ولاته على البصرة، ويقال إنه فعله مع أبي هريرة رضي الله عنه عامله على البحرين ومع عمرو بن العاص واليه على مصر، بل يقال إنه فعله مع ابنه عبدالله نفسه .

وحرم الإسلام كذلك جميع المعاملات التي تنطوي على غش أو رشوة أو أكل أموال الناس بالباطل، أو تطفيف في الكيل أو الميزان، وفي هذا يقول الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون) ويقول تعالى أيضاً: (ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم) ويقول عليه الصلاة والسلام: (من غش أمتي فليس مني)

وحرم الإسلام كذلك احتكار الضرورات للتحكم في أسعارها، وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام: (من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى وبرئ الله تعالى منه) .

قيود وضوابط

لكن هل من حق الإنسان التصرف أو الاستمتاع بماله وممتلكاته الخاصة كيفما يشاء من دون ضابط كما يتصور بعض الأثرياء الذين ينفقون أموالهم في اللهو والعبث؟

يقول د . يوسف إبراهيم أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر: الإسلام وضع قيوداً وضوابط على تصرفات الإنسان المالية بما يضمن توجيه المال إلى ما يحقق مصلحة الإنسان ومصلحة المجتمع الذي يعيش فيه، ويضيف: يعرف الكثيرون للمال أهميته في إشباع الحاجات اليومية التي تقوم عليها حياتهم، كما يعرفون لرأس المال أهميته في البناء والتعمير، وتحقيق التنمية الاقتصادية . غير أن البعض لا يعرف للمال قيمته، ولا لرأس المال أهميته، ومن ثم لا يحسن الاستفادة منهما، واستخدامهما فيما ينبغي أن يستخدما فيه، بل ربما يستخدم البعض المال في ما يعود عليه بالضرر، في جسمه وقواه المختلفة، ويستخدم رأس المال في ما لا يفيد أمته، وإن عاد عليه شخصياً ببعض العوائد، ويكون ذلك باستثمار يلحق الأضرار بالبيئة مثلاً أو بإنشاء المشروعات قليلة الأهمية للمجتمع، تاركاً المشروعات الأساسية التي تعود على المجتمع بالنفع الأكبر . ومن ثم لا تتم الاستفادة المثلى من رأس المال هذا .

وكثير من الناس يسرف في الطعام والشراب وشتى المشتهيات وبخاصة في شهر رمضان، الذي هو شهر الصوم والامتناع عن الطعام والشراب طوال النهار . ومن المشاهد في كثير من بلادنا الإسلامية أن الاستهلاك يتضاعف في شهر رمضان عن غيره من الشهور، الأمر الذي يتناقض مع حكمة فريضة الصوم، وكل هذه السلوكيات السابقة تعكس الجهل بأهمية المال وأهميته ودور رأس المال في حياة المجتمع . تلك التي ركز عليها الإسلام في توجيهاته .

ويوضح أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر أن للإسلام موقفاً واضحاً من المال، ورأس المال والمحافظة عليهما، فالمال في نظر الإسلام قوام الحياة، وإصلاحه والقيام عليه إصلاح للحياة نفسها، وإضاعته صفة لا تقل في أثرها عن تفرق كلمة الأمة وانفراط عقدها . يقول الله تعالى: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً، أي جعل الله تعالى الأموال لتقوم بها الحياة الإنسانية، وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تتفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله عليكم، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال .

ففي هذا الحديث ترى المصطفى صلى الله عليه وسلم يضع المحافظة على المال في مكانة عالية، على نفس مستوى أهمية وحدة الأمة نفسه، وعلى مستوى عدم الشرك بالله تعالى .

الاستمتاع بالمال

وهنا يتبادر إلى أذهان الكثيرين سؤال مهم وهو: هل من حق المسلم أن ينفق أمواله على مظاهر رفاهية مثل بناء أو شراء الفلل والقصور والرحلات الترفيهية واقتناء أحدث السيارات، وهل الإسلام يحرم على الإنسان الاستمتاع بأمواله وبما أنعم الله عليه من نعم وخيرات؟

يعود د . واصل ليجيب عن هذا السؤال . . ويقول: الإسلام لا يحرم الإنسان أبداً من التمتع بمتع الحياة وشراء المساكن والسيارات الفاخرة وغير ذلك من متع الحياة المشروعة، مادام يؤدي حق الله في أمواله وثرواته، ويخرج حقوق الفقراء والمساكين والمحتاجين منها كما أمر سبحانه، والقاعدة التي تحكم إنفاق الإنسان في نظر الإسلام هي الاعتدال، فالإسلام يطالبنا بالاعتدال في كل شيء حتى في أداء العبادات .

ومن هنا يؤكد د .واصل أن التمتع بطيبات الحياة من المأكل والمشرب والمسكن والاستجمام من عناء العمل والترفيه المقبول عن النفس، وغير ذلك من مباهج الحياة وخيراتها أمور تتفق جميعها مع الطبيعة الإنسانية ولا تتعارض مع الدين بأي حال من الأحوال، فالدين في كل تعاليمه يراعي الطبيعة البشرية ولا يتصادم معها، ويحترم المشاعر الإنسانية، ولا يتجاهلها .

لكن إذا كان الإسلام قد أعطى للإنسان الحق في التمتع بما حباه الله به من نعمة المال، فعليه أن يدرك أنه لا يعيش وحده في المجتمع، ولكنه لكي يعيش سعيداً في هذا المجتمع فإن عليه حقوقاً للفقراء والمحتاجين في هذا المجتمع، وعليه أن يشعرهم أيضاً بقدر من السعادة حتى يمحو ما في نفوسهم من حسد أو حقد .