صاحبنا الكاتب الإسلامي الكبير، الذي يقول إنه يضع منهجاً لإعادة وتصحيح كتابة التاريخ الإسلامي، يؤكد نظرته وتفسيره الاختزالي لحركة التاريخ والذي يشترك فيه مع كثيرين من المؤرخين الإسلاميين المعاصرين عندما يقول: لقد كانت الحروب الصليبية صليبية مائة بالمائة ،ولا بد أن يدرك ذلك الدارسون في وجه تلك الدعاوى التي تريد أن تروج الأكاذيب لإخفاء وجه الحملة الصليبية الحديثة التي بدأت منذ استيلائهم على الأندلس وما تزال عاملة حتى هذه اللحظة في تحالف كامل مع أعداء الإسلام من صهيونيين أو وثنيين أو فرق ضالة تدعي الإسلام .

وبغض النظر عما في هذا الكلام من تجييش للدين في مواجهات قد تكون خطرة، بل ومهلكة، فضلاً عن إرباكها للعلاقات الإسلامية الدولية، فإنني سأقدم شذرات من تحليل الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله لموضوع حروب الفرنجة - وهو من لا يشك في إخلاصه أو في علمه وفهمه - ليس لأهميتها كحروب صليبية وإنما كمثال عما يجب أن يكون من فهم للتاريخ بعيد عن الاختزالية والإنشائية العاطفية التجييشية .

يقول: لا يمكن تفسير حروب الفرنجة بالعودة إلى العناصر الاقتصادية أو العناصر الدينية وحدها ،وإنما تعود إلى مركب من الأسباب المادية والمعنوية، ويمكن القول إن حروب الفرنجة جزء من المواجهة التاريخية العامة بين الحضارة الغربية وحضارة الشرق الأدنى والتي تعود بجذورها إلى بداية ظهور الحضارة الغربية نفسها حين وصلت شعوب البحر(الفلستيون) من كريت وبحر إيجة إلى ساحل مصر ثم استقروا في ساحل أرض كنعان بعد أن صدهم المصريون، - وليس منذ سقوط الأندلس فقط - والفرنجة هم من جموع المسيحيين الغربيين الكاثوليك الذين خرجوا من بلادهم واتخذوا الصليب شعارا لهم لغزو ديار الإسلام، ومعنى هذا أن المسيحيين الشرقيين من روم وأرمن وسريان وأقباط ونحوهم لا يدخلون في دائرة مصطلح الصليبيين لأن هؤلاء من أهل البلاد وليسوا وافدين عليها من الخارج ربطتهم بالأرض التي ينتمون إليها روابط أصيلة جذرية ترجع إلى ماقبل الإسلام - فضلاً عن أنهم عوملوا من قبل الغزاة معاملة ليست أفضل كثيراً من معاملة المسلمين - وقد شهدت الفترة التي سبقت حروب الفرنجة شيئاً من الانتعاش الاقتصادي بعد فترة طويلة من التردي إثر سقوط الامبراطورية الرومانية الغربية وقد ساعدت هذه الحروب بدورها على هذا الانتعاش ذلك أن التاجر المسيحي تبع المقاتل الفرنجي بعد أن ترك كثيراً من خوفه من الطرق المجهولة وعاد بالسلع من الشرق بعد أن كان التاجر اليهودي يحتكر هذه العملية تقريباً من خلال شبكة الاتصالات الدولية الخاصة به .

ثم إن المدن الإيطالية التجارية كالبندقية وجنوا وبيزا قد زاد نفوذها وأصبح لها أساطيلها التجارية الضخمة التي فكت الهيمنة الإسلامية على البحر الأبيض المتوسط، ولا شك أن حروب الفرنجة أسهمت في العملية المتصاعدة لفك الحصار الذي فرضه المسلمون على تجارة الشرق وأعطت المدن الإيطالية موطئ قدم في مواقع مهمة من شرق المتوسط، وقد حصلت هذه المدن على امتيازات وتسهيلات تجارية ضخمة داخل الممالك الخاضعة للفرنجة في الشام وفلسطين .

كما شهدت أوروبا تزايداً سكانياً مع نهاية القرن العاشر الميلادي واستمر التزايد حتى القرن الثالث عشر وهو تزايد لم تواكبه بالضرورة زيادة في الرقعة الزراعية ولما كان النظام الاقطاعي الغربي يدور حول نشاطين أساسيين وهما الزراعة والقتال، ولما كان هناك مايشبه المجاعة في غرب أوروبا من القرن العاشر حتى القرن الحادي عشر الميلاديين، فإن الحروب والمشاريع الاستيطانية التي شنها الفرنجة لعبت دوراً مهماً في تحقيق الاستقرار الداخلي للمجتمع الغازي، لاسيما في التخلص من العناصر المشاغبة - كالفلاحين الجوعى والمجرمين واللصوص - التي لا مكان لها في المجتمع ، حتى إن إحدى الحملات (الصليبية!) التي خرجت من أراجوان عام 1269 أخذت اسم حملة الأطفال غير الشرعيين .